لم يدر بخلد صاحب الفيل أن أمانيه وأضغاث أحلامه ستصير يومًا ما واقعًا بل وتعيش فكرته بين الناس وكأنها من المسلمات ويصير لكل بلد قُلّيسه الخاص الذي يسجد له ويُطاف حوله حينًا ويتبرك بسياجه مسحًا في كثير من الأحيان، متخذين منها قبلة غير تلك التي أمر فالق الحب والنوى أن تولي إليها الوجوه، متخذين من ساكنيها أربابًا لا تقضى الحاجات إلا بهم ولا يحل ولا يعقد إلا بأمرهم ناسين بذلك أو متناسين أنهم لو كانوا يملكون من الأمر شيئًا لما أنيخت على عتباتهم مطايا المنية.

من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه تلك حقيقة  وردت في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومصداقًا لذلك كان هناك رجال لهم اليد الطولى في تبليغ رسالة الله وتبيان صحيح سبيله فصاروا بين الناس أعلامًا تحنى لهم الهامات وتخفض لهم أجنحة الاحترام والمودة والمحبة تقديرًا لجميل صنائعهم وسمو سجاياهم وخصالهم، فقاموا بين الناس يقوّمون هذا وآخذين بيد ذاك على الطريق المستقيم ملقين على عاتقهم خدمة هذا الدين وإحياء ما اندثر من سنة حادي ركب الأمة محمد كاشف الغمة ومنير الظلمة والمبعوث بأشرف كتاب لخير أمة، فاقتبسوا من سراجه المنير ما ينير لهم حالك السبيل ويهدون به من ضل عن الصراط المستقيم فكانوا وما زالوا غررًا تكلل جبين الأمة ومرجعيات نستمد من وحي أفعالهم طاقة تحركنا لنشرئب بأعناقنا مشترفين بوادر مستقبل أفضل.

من الحب ما قتل؛ عبارة يرددها العاشقون محذرين من مغبة تحول الحب إلى سم زعاف ما أن ترتشف منه شربة حتى تغرق في مستنقعات الوحل، والمقتول هنا ليس هو ذات الحبيب ولكن المقتول هنا هو الدين، دين أمة بلغت رايات جيشها ما لم يبلغه مُلك من قبلهم حتى دانت لها ثلاث من قارات العالم مجتمعة وأتتها طائعة، لقد حوّل حب بعض العوام والجاهلين بلب هذا الدين لصالحيه وبعض أعلامه إلى سكين تغرز في قلب الأمة ليصيب إيمانها ووحدتها في مقتل فتحول حبهم لتقدير وتقديرهم لتبجيل وتبجيلهم لتأليه فاتخذوا منهم شركاء يشاركون مدبر الكون في عزته وجبروته، فبنيت على قبورهم القباب ليس لتحميهم من  هجير الشمس فليس على مثلهم خوف من حرٍ أو سقم فقد صاروا في رحمة من أفاضت خزائن رحماه على كل مخلوق حتى لم يكن من رحيم غيره وهو الأرحم على خلقه من الأم على رضيعها.

لتصير هذه القباب أماكن للسجود والطواف ولربما كان غاية ما يتمناه صاحب الفيل هو أن يصرف حاج العرب عن كعبتهم ليطوفوا بقُلَّيسِه فيحقق بذلك غاية دينية بإدخالهم إلى دين النصرانية، وأخرى اقتصادية بتحويل طريق القوافل إلى اليمن بدلًا من أرض الحجاز لتصير مِصره مركزًا للاقتصاد والتبادل التجاري، ولكن ما الغاية التي يسعى لها جهال المسلمين من تحويل قبور أئمتنا وصالحي رجالنا إلى قِبلاتٍ تولى لها الوجوه وتشد إليها الرحال وتذبح على عتباتها النذور تقربًا إلى الله زلفى، وهو الأقرب من حبل الوريد والذي إذا دُعي أجاب وإذا سئل أعطى وإذا أعطى كفى.

فهلموا إخوتي إلى عبادة الواحد الأحد وليكن حبنا لأولياء الله والصالحين من عباده حب تقدير وتكريم وليس حب تأليه، ودعونا لا ننجرف وراء مشاعرنا ولا نسئ إلى ذكراهم العطرة ولا نشوش على سيرهم العبقة وليكونوا لنا قدوة نهتدي بهديهم الذي استمدوه من هدي مصطفانا صلوات ربي وسلامه عليه، ولتكن زيارتنا لهم تطبيقًا لنهج سنته التي حضت على زيارة القبور لأخذ العظة والعبرة وما أفضل من الموت واعظًا، لذلك وجب علينا أن نزور قبورهم ليأنسوا بقربنا ونترحم عليهم ونقرأ فاتحة الكتاب ونطلب من الرحيم أن يرحم أرواحهم الطاهرة لأننا أحوج إلى هذا منهم، فهم قد انقطع عملهم إلا من ثلاث صدقة جارية أو ولد صالح يدعو لهم أو علم ينتفع به، بينما نحن ما زلنا أحياء ولم ينقطع لنا عمل أو أمل لذلك فليكن دعاؤنا لهم عملًا وأملًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد