جاء الإسلام للناس كافة، ولقد ارتضاه الله لخاتم الأنبياء -صلى الله عليه وسلم-، وأنزله لغاية سامية ألا وهي هداية الناس جميعًا، وإخراجهم من الظلمات الى النور، فهو دين الحق الذي يدعو إلى التوحيد ومقاومة الاستبداد.

يقول تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12)»، ويقول تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (20)». وقال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ».

يريد الله أن يربي البشر ويرسخ في نفوسهم المستعلية أنمم لا يحق لهم الاستعلاء والاستكبار، وكان التبيان من الله عقليًّا، فذكرهم الله بأن أصل صنعتكم أيها المستكبرون هو الطين وهو أصل العبيد نفسه، وأمك وأبوك أيها المستعلي هما والدا الضعفاء والمساكين نفساهما.

قال الله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ» حتى قوله تعالى: «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ»، جاء الإسلام ليساوي بين البشر ويرفع أغلال العبودية عن أعناقهم، وجاء ليقول لا للعبودية ولا للتمييز على العرق أو اللون، ليس هناك طبقة أرقاء، وطبقة أسياد لهم الحكم والسيادة.

يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع وأمام 100 ألف من أصحابه، جاؤوا من قبائل العرب: «أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

فكان بلال الحبشي سيدًا للعرب، وسلمان الفارسي مستشارًا، وكان صهيب الرومي رفيق الهجرة الثالث، ولكن الكافرين أعاقوه وقد عينه عمر بعد ما طعن إمامًا للمسلمين حتى يعين الخليفة الجديد، إنه التنوع الثقافي والعرقي والفكري الذي علمه الإسلام للدنيا، ويتباهى الغرب الآن بهذا التنوع الذي سبقهم به الإسلام بأكثر من 1400 عام.

وما اختلاف ألواننا إلا آية من آيات الرحمن في خلقة، فيقول الله تعالي: «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ (22)». نعم إنها آية ربانية، فقد أخرج الله من آدم وحواء هذه الألوان والألسنة والطبائع المختلفة.

ولكن البشرية عاشت تاريخًا في ظل مجتمعات وحضارات تسودها نظم الطبقية المطلقة، أسستها العادات القبلية التي قسمت البشر إلى مراتب اجتماعية متباينة، يتربع على قمتها الأحرار من ذوي النفوذ والسلطة، ويقع في قاعها العبيد دون حقوق، ومضت العبودية الموروثة عبر التاريخ، وصورها بعض الفلاسفة كـ«سقراط» بأنها أمر مناسب للمجتمع لأنها المصدر الأساسي للقوى العاملة، ويرى أفلاطون أن العبيد ليسوا مواطنين وعليهم لزوم الطاعة العمياء.

وقد أصبحت البيئات التي نشأنا فيها مقياسًا لتقييم مدى إنسانيتنا، فقد ظلت بلاد أفريقية وأجزاء من شرق آسيا تنظر إلى أن من يقطنها حيوانات لا حقوق لهم، وظل لون البشرة الأسود والأحمر مؤشرًا للحيوانية عند الحضارات السابقة والمعاصرة، فقد كان العرب وبلاد أفريقية والهند أذل البشر قبل الإسلام، فجاء الإسلام ليحرر عقولهم وأبدانهم من العبودية، وجعل الله رضاه في عتق الرقاب، فتقدم المسلمون عندما حررت عقولهم وأبدانهم.

ولكن ما سرعان ما حن المسلمون والضعفاء إلى الذل، رغم أن الخلقة الجينية بريئة من هذا، فما مر عليهم أربعة عقود إلا وقد ملكوا عليهم يزيد بن معاوية ليبدأ يوم انحدار المسلمين، فإن التفريط في الشورى وحكم الشعب كان بداية الانهيار.

فما وصل إليه المسلمون اليوم إلا لكونهم فرطوا في حريتهم من قديم الأزل، وأصبحوا لعبة لأهواء الملوك ونزواتهم،ظن الملوك أنهم من نسل السماء، والرعية من نسل الأرض، وأن هؤلاء الرعية وبلادهم ملك لهم، لذلك رأينا فساد ملك بني أمية وبني العباس وبني عثمان، فالكل يورث الشعوب والأرض والحكم إلى أبنائهم.

يقول الشيخ الغزالي: «فإن الله حرم الإنسان من حق تقسيم تركته على ذريته وتولى توزيع أنصبتها على الورثة، فإن كان هذا حكم الله في تقسيم المال الخاص فكيف للملوك حق تقسيم وتوريث المسلمين إلى أبنائهم»، فنرى هنا أنه لا إرادة ولا قيمة للشعوب، فنرى تاريخًا وهنًا ضعيفًا لم نكد نفيق من كارثة داخلية أو خارجية ألا وقد يعقبها كارثة أخرى، كان كل هذا بسبب فقه لم يجدد عبر القرون، وتبلد الضعفاء والمسلمين والرضوخ للعبودية.

فكان فقه الحاكم المتغلب والرضا بإمارة يزيد، وعدم نصرة الحسين، وعدم الخروج على الحاكم، وأحقية الحاكم في المكث بالحكم حتى موته، وعدم إلزامية الشورى، وعدم جواز مشاركة العامة في الحكم، وأن الطريق الوحيد البديل عند الفقهاء للعودة من العبودية هو طريق أهل الحل والعقد، ولا نعرف من هم في هذه العصور، وكيف يتم اختيارهم لندخل في حلقة مفرغة، لتجد نفسك تعود إلى حيث بدأت.

وكل هذه الآراء نسبت للدين، ليزداد الناس رضوخًا وعبودية، رغم أن رسول الله نزل على أمر الشورى يوم بدر، ونزل على أمر الشورى يوم أحد، ونزل على أمر الشورى يوم الأحزاب، وكانت الشورى تتبنى آراء تخالف رأيه، وكان رأي رسول الله أصوب، ولكنه نزل على رأي الشورى ليعلمنا أنه لا مكان للتفرد بالحكم أو الاستبداد، فكان يرى أن القتال يوم أحد داخل المدينة أفضل من القتال في الصحراء، وهو الرأي السديد من الناحية الاستراتيجية العسكرية لاعتبارات كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، ولكنه نزل على رأي الشورى، وإصرار المقاتلين على الخروج.

ويوم الأحزاب كثر الأعداء على المسلمين من الداخل والخارج، فكان المنافقون واليهود من الداخل وقبائل العرب من الخارج، فكانت العبقرية العسكرية لرسول الله ترى أنه ليس من الحكمة قتال كل هؤلاء في وقت واحد، فعمل على تفريقهم وتشتيتهم وإثارة النزاعات بينهم، وتحييد بعض الأعداء، فاختار أقوى الفرق وأكثرهم عددًا، وكانوا غطفان وتفاوض معهم ليخرج بمعاهدة عبقرية في وقت لا يبرم فيه القوي المعاهدات، وكانت المعاهدة تنص بأن ترجع جيوش غطفان كلها عن قتال المسلمين ويكون لهم في مقابل ذلك ثلث ثمار المدينة، وبالفعل قبلت غطفان بهذا، ولكن ممثلي الشعب رفضوا هذه الاتفاقية، ونزل رسول الله على رأيهم، فظل رسول الله طوال عمره يعلمنا أهمية الشورى وعدم التفرد بالسلطة، ولكن جاء خلف بفقه الاستبداد.

هذا الفقه الذي أوردنا المهالك، هذا الفقه الذي لا يقول بإشراك العامة وعدم إلزامية الشورى أضاع أممًا من أعظم الأمم، فلو استفتى صدام الشعب قبل حرب إيران، أكان الشعب يوافق على حرب أنهكت العراق ثماني سنوات؟ ولو استفتى شعبه قبل غزو الكويت، هل كان الشعب يوافق على هذه الحرب التي كلفتهم أكثر من مليوني مواطن في 20 عامًا؟ إنها عاقبة التفرد بالحكم، فقد أضاعت أعظم أمم الإسلام، وأعتى حصون الإسلام وهي العراق.

إن الأمم السابقة قد سبقت العرب والضعفاء من أفريقيا وآسيا بآلاف السنين من الحضارة ونظم الحكم، فقد علم المصريون العالم الحضارة والتقدم والعلم وإقامة الكيان السياسي وإقامة الدولة، ثم نقلوا هذه الحضارة إلى كريد عن طريق إدارتها، فكانت منبت الحضارة الأوروبية في عهد تحتمس الأول، ولكن الحضارة المصرية كانت تتسم بالتفرد في الحكم والاستبداد، ثم نقلت كريد أركان هذه الحضارة إلى القبائل التي أسست الحضارة الإغريقية.

فوصل الإغريق من التقدم في الطب والفلك والعمارة والهندسة والفن والسياسة ما لم تبلغه أمة من قبل، فقد أسس الإغريق النظام الديمقراطي، وهو «حكم الشعب» وقدموه هدية للعالم، فقد وضعوا الدستور وأنشئ مجلس للشيوخ ومجلس للأحرار لإدارة شئون الدولة، ووضعت القوانين لإصلاح أحوال الفلاحين كل هذا كان عام 600 قبل الميلاد، أي أن الدستور الذي أعطانا إياه الخديوي توفيق منة عام 1882م، قد حصلوا عليه قبلنا بـ2482 عامًا.

أريد من القارئ أن يعلم مدى تأخرنا، وقانون الإصلاح الزارعي الذي حصلنا عليه عام 1952 حصلوا عليه قبلنا بـ2552 عامًا، وهذه الديمقراطية التي حتى عام 2011م كان يقول نائب رئيس الجمهورية إننا لسنا مستعدين لها، قد حصلوا عليها ومارسوها قبلنا بـ2611 عامًا، وفي العصر الحديث وضع الغرب القوانين والأعراف الدولية التي تصون حكم الشعب، فجاءت نصوص جنيف المادة 26/3 بأن: «لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده».

كل هذا التقدم والرقي لدى الغرب يرجع لكون الشعب هو مصدر السلطة، وكل التخلف الذي لدينا يرجع لأفكار عدم إلزامية الشورى، وعدم الاعتبار لرأي العامة، والنظرة الحيوانية التي ينظر إلينا بها حكامنا، وفقدان حريتنا من أيام يزيد. فقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: «هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش». نعم إنه كان الهلاك وكل الهلاك، أن يترك الحكم للتوريث وتنتزع إرادة الأمة لندخل في عهود الاستبداد.

هل لو ترك الأمر للعامة، كان ليصل يزيد إلى الحكم؟ بل إن اختيار العامة كان لا يخرج عن عبد الله بن عمر، أو الحسين -رضي الله عنهما- وعن معاوية، ولكن تجد بعض الفقهاء يجادلوننا بأن العامة هم الدهماء والغوغاء لا صوت لهم، ولا يمكن إشراكهم في شؤون الحكم، هل لو احتكم للعامة كان يصل يزيد إلى الحكم أو عبد الملك بن مروان؟ هل كان يسلط علينا الحجاج وأبو جعفر المنصور أو سليم الأول أو الخديوي إسماعيل أو توفيق أو غيرهم الكثير والكثير؟

إن الحرية هي قلب الإسلام النابض، فليس العامة هم من خرجوا على عثمان -رضي الله عنه- كما نقرأ في السياسة الشرعية، بل كان انقلاب منظم سبقه حملة تشويه إعلامي، ثم حملة لحشد القتلة، ثم القيام بالانقلاب، فيجب إعادة صياغة كتب الفقه بفكر جديد، لا أقول يتماشي مع هذا العصر لأنه لم يكن متماشيًا مع العصر الذي نشأ فيه، بل نريد فقه يتماشى مع الإسلام.

عندما واجه أحمد عرابي الخديوي توفيق بمطالب الجيش والشعب، جاء الرد كالآتي، قال الخديوي توفيق: كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا. فقال عرابي: لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا؛ فوالله الذي لا إله إلا هو، لا نُورَّث، ولا نُستعبَد بعد اليوم.

هذه نظرة الملوك إلى الشعوب،فإن الملك يملك البلاد والعباد، فمن يرضى بهذا الذل على نفسه؟ ومن يقبل بهذه المهانة؟ ومن الذي يحب هذه العبودية إلى هذه الدرجة؟! إنهم قوم لا يستحقون الحياة، إن كل ما نحن فيه الآن هو إرث العبودية والرضا بها وعدم مقاومتها، وتفريط الشعوب في إدارة شؤون الحكم، لقد مات نصف أجدادنا في تمهيد الطرق وحفر الترع فقط، ناهيك عن الاحتلال والأمراض.

كيف بنا نتمنى الملكية والتفريط في حكم الشعب سواء ملكية نظامية أو ديكتاتورية جمهورية بحجة أن قيمة الجنيه في أوقات الملكية كانت مرتفعة، فهل يعلم هؤلاء أن الشعب كان يعيش حينها على المقايضة، ولا اعتبار لهذا الجنيه لدى الشعب، يتمنون عودة العبودية من أجل شوارع نظيفة تأخذ تصنيف عالمي في جمال المدن العالمية، وهي مدن كنا خدمًا بها نبنيها ولا نسكنها، يتمنون العبودية من أجل بنية تحتية ما تم بناؤها إلا لسرقة أقواتنا.

إنه الجهل يشرأب برأسه علينا، قد يغتر بعض الجهلاء بحال بعض الممالك مما تتسم به من رغد العيش، ولكن هذه الممالك اجتمع فيها عدة ظروف تؤخر الطامة والكارثة، ومن هذه العوامل تقسيم سايكس بيكو، ونشوء دويلات صغيرة مع قلة عدد سكانها، وظهور الثروات الطبيعية. كل هذه العوامل أجلت الكارثة، ولكنها قادمة ورغم كل هذه الأموال إلا أن المسلمين في هذه الممالك ليسوا في حالة غنى حقيقي، وهناك بطالة، وليس هناك بنية تحتية قوية، والثراء وهمي قائم على القروض والمنح والتسهيلات؛ ليظل دائمًا المواطن تحت طاعة سيده.

وبعيدًا عن الحسابات الاجتماعية والمالية، فإن شعور الحر بالعبودية، وأنه مملوك لغيره ينافي الفطرة، إذ يكون الإنسان وزوجته وأبناؤه ملكًا لرجل يأكل الطعام «وهذه كناية». وليست العبودية هنا محصورة في النظام الملكي بالمعني الاصطلاح السياسي، ولكن العبودية في كل نظام مستبد يتفرد بالحكم ولا يشرك الشعب في الحكم، سواء تم تسميته ملكية أو جمهورية، فإن العبرة بالوصف لا بالمصطلح. وهناك جمهورية ملكية يمكث الحاكم حتى الموت، ويورث الحكم ولا يسأل عما يفعل، ويرضى الشعب بهذا بحجة أنهم لا يجدون البديل، ويسكت عن التوريث بحجة أن الابن قد نشأ في بيت سياسي، وهو أدرى الناس بشؤون الحكم.

ما ضاع الشرق إلا بهذا الفكر، فيجب إعادة صياغة الفقه لقبول نظم الحكم الحديثة بما يتناسب مع الإسلام، دون المساس بأحكام الشريعة «فإذا ترك الله للناس حرية اختيار المعبود ألا يترك لهم حرية اختيار الحاكم واختيار طريقة الحكم»، فقد ترك الإنسان يختار معبوده الغيبي لرجاحة عقلة وسداد فطرته الدالة على التوحيد، ألا يتركه يختار حاكمه العيني، أيهما أولى بأن يترك له الحرية فيه، فعندما يخرس العبيد ويعود الحكم إلى الشعب، وتتم الرقابة على المال العام ومحاسبة المسئولين، وتسن القوانين ويتم تفعيلها،حينها نصبح خلقًا كريمًا كما خلقنا الله نستحق الحياة، ونستحق أن نكون ندًّا لكل الأمم.

الحرية للعقول، الحرية للأبدان، الحرية في الاختيار، الحرية في الإبداع، الحرية للاعتراض، الحرية للتعبير. ولضمان هذه الحريات يجب ألا نترك الحسين وحده مرة أخرى في وجه الاستبداد، ونقاوم معه لنصون إرادة الأمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, تاريخ, دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد