كثير من الذين يشاهدون التلفاز أو يقرأون الجرائد ويسمعون الأخبار هنا وهناك عن الحرية، وكثيرا ما نسمع ونقرأ عن النقد الموجه للإسلام بصفته يمنع الحريات، وخاصة ذاك الذي يتعلق بحرية المرأة, لم اكن أعرف الكثير عن الحرية في الإسلام، ولكن بعد ما قرأت وطالعت الكثير من الكتب وجدت أن الحرية في الإسلام أقوى وأسمى وأرقى من الحرية التي يدعوننا إليها.

كثيرا ما ينتقدون الحريات في الإسلام، وهذا الانتقاد ربما يأتي عن جهلهم بالإسلام، وأنا متأكد من أنهم ليسوا بجاهلين! ولكني متأكد من أن انتقادهم هذا هو فقط لتشويه هذا الدين العظيم، الذي كل ما تعمقت فيه وجدت العظمة والحرية.

جعل الإسلام الحرية حقا من الحقوق الطبيعية للإنسان، فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية، وحين يفقد المرء حريته، يموت داخليا، وإن كان في الظاهر يعيش ويأكل ويشرب، ويعمل ويسعى في الأرض، ولقد بلغ من تعظيم الإسلام لشأن الحرية أن جعل السبيل إلى إدراك وجود الله تعالى هو العقل الحر، الذي لا ينتظر الإيمان بوجوده تحت تأثير قوى خارجية، كالخوارق والمعجزات ونحوها، قال تعالى :(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي): فنفى الإكراه في الدين الذي هو أعز شيء يملكه الإنسان، للدلالة على نفيه فيما سواه، وأن الإنسان مستقل فيما يملكه ويقدر عليه لا يفرض عليه أحد سيطرته ، بل يأتي هذه الأمور، راضيا غير مجبر، مختارا غير مكره.

النظام السائد الآن في أغلب الدول التي تدعي الحرية هو نظام برلماني، هذا النظام الذي يدعون أنه نظام رائع للحكم، وأنا لا أختلف معهم أبدا؛ فذلك هو النظام الذي طبقه المسلمون بعد وفاة رسولهم الكريم، والذي كان يسمى آنذاك بالشورى، ولكي نفهم القرب الشديد بين النظامين، تعال معي نفهم ذلك بتفصيل:

النظام البرلماني هو نظام قائم على أساس ترشح أشخاص، وأن هؤلاء الأشخاص يتم انتخابهم من قبل الشعب، والذين يفوزون سوف يختارهم الشعب؛ لكي يختاروا الرئيس، ويشكلوا الحكومة، كذلك هي الشورى حين اجتمع الصحابة آنذاك لكي يختاروا بين اثنين: أبي بكر وعمر، وقد اختار الصحابة أبا بكر، وتمت مبايعة أبي بكر، وأصبح هو خليفة المسلمين آن ذاك, قد يسأل سائل: إن النظام البرلماني يشرع القوانين، والشورى لا يشرع؟ نعم الشورى نظام مجرد يختار به الرئيس، أما القوانين فهي مشرعة أصلا في الإسلام (مصدر القوانين في الإسلام هو القرآن الكريم والسنة النبوية) ولا يحتاج إلى تشريع، إنما ـ ربما يحتاج ـ إلى تفسير وتوضيح فقط.

وربما يسال آخر ويقول: ومن يقيم الرئيس في نظام الشورى؟

أقول له: الشورى كباقي الأنظمة يتم تقييم الرئيس من قبل الشعب، ففي النظام البرلماني إذا أخطأت حكومة فإن الشعب سوف يخرج في مظاهرات تطالب بإسقاط الحكومة، كذلك الشورى ـ إذا أخطأ الحاكم ـ فسوف يقوم الشعب باستبدالهِ، وما قول سيدنا أبي بكر إلا خير دليل على ذلك عندما قال: (إن أخطأت فقوموني)، وذلك بعد توليه الحكم.

ربما قد يسأل سائل: لا وجود لحرية المرأة في الإسلام، وأنا أقول له: أي نظام أنصف المرأة في حق الإرث، إذا كنت قرأت عن قوانين العالم فهي تجيز للأب أن يورث أحد أولاده كل ما لديه، ويحرم باقي أولاده، إنما في الإسلام فإن المرأة أخذت حقها من الورثة.

يا من تتهم الإسلام بتقييد الحرية! هل سمعت عن ديانة الهندوسية؟ حيث على المرأة أن تعطي مهرا لزوجها! هل هذه الحرية؟ أليست الحرية التي دعا إليها الإسلام أن يعطي الرجل مهرا لامرأة، وكذلك حق النفقه للزوجة على الزوج، أهناك أقدس من هذه القوانين بحق المرأة؛ والذي يتهم الإسلام أنه حرم العمل على المرأة، ربما لم يسمع قصة أول ممرضة في الإسلام رفيدة الأنصارية، حيث كانت تداوي الجرحى في معركة الخندق، وهذا خير دليل على أن الاسلام لم يحرم العمل للمرأة، لكن ضمن حدود وشروط وما تلك الشروط والحدود التي نص عليه للحد من حريتها، وإنما ليصون حقوقها وحفظ كرامتها لأنها عزيزة ومكرمة في الاسلام.

 «لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»

هل تمعنت في معنى هذا الآية التي جمعت أكبر وأرقى نوع، وهي حرية المعتقد وحرية الدين .

 «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا» تلك المقولة المشهورة التي قالها عمر بن خطاب في زمن كانت أوروبا غارقة في العبودية وإذلال الإنسان واستعباد البشر، وسلبهم حرياتهم، ولم يقلها عمر بحق مسلم، بل قالها بحق يهودي, لم أسمع أبدا بحرية كهذه، ما أجمل الإسلام وما أحنهُ على الإنسان، يمنع الاستعباد، وفوق ذلك يأمر عمر اليهودي بضرب حاكم مصر آنذاك، وهو عمرو بن العاص، هل سمعت في صفحات التاريخ برئيس يطالب من عامة الشعب بضرب رئيس الوزراء! نعم عزيزي المسلم! إن لم تسمع عن حرية في دينك فأرجو منك أن تعيد النظر وأن تقرأ عنه، فلسوف تجد أنه منبع الحريات.

الآن لو قررت السفر والاستقرار في أية دولة من دول الاتحاد الأوروبي سوف تجد أن هناك درجات في تعاملهم مع البشر، بمعنى أن المواطن الألماني هو في درجة أولى في بلده، وأي مجنسين أو مهاجرين هم أصحاب الدرجة الثانية، وكذلك في السويد وبريطانيا والنمسا، وحتى في السعودية أو الإمارات وقطر، وفي بعض البلدان يكون التعامل على أساس من لون بشرتك، الغرب حامل راية الحرية التي يدعونها، ومع ذلك فكثيرا ما نسمع عن العنصرية في بلادهم تجاه الزنوج أو الكراهية تجاه المسلمين، لم يسمعوا القانون الإسلامي الذي يقول على لسان رسولُ اللهِ صـلى اللهُ عليهِ وسلـم: (لا فرق بين عربي ولا أعجمى ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى) صدقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم

بمعني لا فرق بين الذي يعيش في الباكستان والصين وبين الذي يعيش في مكة أو المدينة المنورة، إلا بالتقوى, لا فرق بين لون جلدك أو طريقة كلامك أو موطنك، إلا بالتقوى، لا فرق بين المهاجرين والأنصار، إلا بالتقوى، لا فرق بين أبي بكر أو سلمان الفارسي، إلا بالتقوى، لا فرق بين بلال الحبشي وبين عمر بن الخطاب، إلا بالتقوى، ذاك هو النظام العادل الذي يساوي بين الأصفر والأحمر وبين الأبيض والأسود، وبين بني هاشم وباقي القبائل، وبين العربي وغير العربي، ولا يفرق بينهم في التعامل والمعاملة، إلا على أساس من التقوى, لم أجد نظاما أعدل وأصح وأحفظ لكرامة البشر من النظام الإسلامي.

لست بصدد أن أكون محاميا عن هذا الدين العظيم؛ لأنه لا يحتاج إلى محام أو فريق دفاع عنه، أنا بصدد أن أوضح لك أن لا يسيطروا على أفكارك وأفكار أطفالك مدعين أن الاسلام سجن للإنسان، وأن الإسلام حارب الحريات، وظلم المرأة، وسلب منها كرامتها، وأنه لا يوجد في الإسلام نظام ديمقراطي يقبل بتعددية الآراء, الإسلام مركز الحريات، وقد أعطى لكل إنسان حقه، سواء كان ذكرا أو أنثى، ابتداء من حرية الدين والمعتقد والفكر والرأي وحرية المرأة، وكرمها أفضل تكريم, الإسلام دين عظيم، ومثل هذا الدين يحتاج إلى عظماء، أمثال نبي الرحمة والخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي, هم عظماء، وفقهوا المعنى الحقيقي للإسلام، وطبقوه في حياتهم وأفعالهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد