التاريخ الإسلامي ونظام الحكم

نستطيع أن نقسم التاريخ الإسلامي الممتد لأكثر من ألف عام إلى فترات زمنية حسب الدول الحاكمة (الحكومات)، فيكون لدينا الخلافة الراشدة، الدولة الأموية، الدولة العباسية، ثم يبدأ بعد ذلك عصر الممالك المنفصلة وسنأخذ مثالًا لها بأقوى تلك الممالك وأطولهم عمرًا وهي دولة المماليك.

وكما قلنا، فإن عنصرى نظام الحكم هما الحكومة والتشريعات، فسنبدأ بالتشريعات (لأنها الأسهل).

التشريع في التاريخ الإسلامي

بدون أي تفاصيل أو استطراد فيما لا ينبغي الاستطراد فيه، يعد التشريع طوال التاريخ الإسلامي كله – على اختلاف دوله وممالكه – تشريعًا إسلاميًا خالصًا، سواءً الرسمي المعلن أو الفعلي المنفذ على أرض الواقع، وكان الإسلام هو المصدر الرئيسي أو حتى الوحيد للتشريع في كل تلك الدول والممالك بلا منازع.

الحكومة في التاريخ الإسلامي

كما قلنا مسبقًا، بالنسبة للحكومة سيتم النظر إلى ثلاثة نقاط رئيسة نرى أنها قادرة على وصف الحكومة بشكل كبير. والنقاط الثلاثة هى: تولية وعزل الحاكم، مسائلة الحاكم، علاقة الحاكم بالمعارضة.

تولية وعزل الحاكم (في التاريخ الإسلامي)

في الخلافة الراشدة تولى أبو بكر الصديق بالمبايعة بعد المجادلة والمحاججة التي حدثت بين بعض المهاجرين وبعض الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وتلك صورة من صور الشورى (وإن اعتبرها البعض صورة غير حقيقية نظرًا لاقتصارها على من حضر مصادفة في السقيفة وقت المحاججة دون باقى المسلمين)، كما تولى عمر بن الخطاب بتكليف مباشر من الخليفة السابق فلم يكن ثمة شورى، وتولى عثمان بن عفان بانعقاد مجلس شورى بعد تكليفه وتعيينه من قبل الخليفة (صورة جزئية من صور الشورى)، ثم حدثت الفتنة وذهب الإجماع.

في الدولتين الأموية والعباسية تحول الأمر إلى ملك وراثي (كما هو سائد ومتعارف عليه في ذلك الزمن)، وتلك صورة وإن كانت لا تتعدى حدود الإسلام ونواهيه من وجهة نظر البعض، إلا أنها تخالف مقاصده صراحة بإهدارها لمبدأ الشورى من الأساس.

وفي دولة المماليك تحول الأمر إلى صورة دموية، فيتولى القيادة من يستطيع قتل القائد، حتى أن الظاهر بيبرس (المؤسس الفعلي لدولة المماليك) قد قام بقتل المظفر قطز (صاحب عين جالوت) وتولى الأمر من بعده! وتلك لعمري صورة يستجير منها الإسلام وليس فقط ينكرها.

أما بالنسبة لعزل الحاكم فالأمر أسهل في رصده بكثير، كان تنصيب الحاكم تنصيبا أبديا طوال حياته، وذلك في كل فترات التاريخ الإسلامي بلا استثناء، وبالتالي لم تكن هناك طريقة معروفة لعزله إلا بالقوة (خلعه أحيانا أو قتله في الغالب)!

ولا أريد الخوض في قتل عثمان بن عفان نفسه لأن الأمر مرتبط بفتنة كبرى نحن في غنى عن الخوض فيها، ولكن عمر بن عبد العزيز الأموي (الراشد الخامس) نفسه مات مسموما من بني أمية، وهناك من الأمويين والعباسيين من قام بقتل أخيه الخليفة وأخذ الخلافة لنفسه (ولدى هارون الرشيد المأمون والأمين خير مثال).

أما دولة المماليك فالأمر لا يحتاج لكثير بيان، فقتل القائد (السلطان) لم يكن فقط وسيلة لعزله وإنما كان بشكل رئيس وسيلة قائد آخر لتولي الحكم بدلًا عنه!

وهنا نستطيع أن نميل إلى أن تولية وعزل الحاكم في التاريخ الإسلامي لم تكن منبثقة عن الإسلام أو مرتبطة به في غالب الفترات. فهي وإن كانت تمسه بشكل أو بآخر في سنوات الخلافة الراشدة المعدودة، إلا أنها كانت تتعدى حدوده وتخالف مقاصده صراحة في باقي الفترات.

مساءلة الحاكم (في التاريخ الإسلامي)

على مدار التاريخ الإسلامي كان الحكم حكمًا فرديًا بامتياز، ولم تكن هناك أية وسيلة أو آلية مثبتة أو حتى مرويَّة لمساءلة الحاكم أو مراجعته أو محاسبته، اللهم إلا ما كان يسمح به الحاكم وما كانت تقبل به نفسه وما يمليه عليه ضميره. ولا يمكن لأي منصف الاستناد إلى ضمير الحاكم للقول بوجود آلية مساءلة.

فبالنسبة للخلفاء الراشدين، لم يكن الأمر حقيقة مهما وجود تلك الآلية من عدمه، بل إن حتى وجودها لم يكن ليغير من الأمر شيئًا، فقد كان الخليفة ملزمًا نفسه بالشورى إلزاما، عارضًا أمره كله، سواء العام أو حتى الخاص على الجميع للمراجعة والمساءلة والمحاسبة. ولكن نكرر، كان ذلك راجع إلى ضمير الخليفة، وليس إلى آلية ونظام.

وبدءا من الدولة الأموية وحتى انتهاء الدولة الإسلامية كلها، صار الموضوع أشد وضوحًا، فلا راد لحكم الحاكم ولا مسائل له أو محاسبًا إياه. وكم يحكي لنا التاريخ عمن قتلهم الخلفاء والحكام فقط لأنهم غضبوا عليهم، وعمن عفوا عنهم لقولهم الشعر الحسن أو الطرفة الظريفة في حضرة الخليفة! (وللعجب يحكيه لنا الحاكون بفخر لإثبات فصاحة العرب في الشعر أحيانًا أو رقة الخليفة وعفوه أحيانًا أخرى)، دون أن تكون هناك حدود واضحة ومساءلة، لم قتل من قتل، ولم أٌطلق سراح من أٌطلق؟!

ولم يكن بيت المال في الواقع إلا بيت الخليفة، ينفق منه ما يشاء وكيف يشاء وفيما يشاء، لتجهيز الجيوش والصدقات وسد الثغور وإصلاح أمر المسلمين أحيانًا، وللشعراء والمادحين والحاشية والمحبين والموالين والمنافقين أحيانًا أخرى، بلا ضابط ولا رقيب ولا حسيب.

وأيضًا يحكي لنا التاريخ بفخر عما كان يُصرف للشعراء من بيت المال من ألوف مؤلفة بسبب بيت شعر حسن أو مدح جيد مستدلين بذلك على فصاحة الخليفة وحسه الأدبي الراقي وعنايته للأدب والأدباء، حتى من أكابر هؤلاء الخلفاء والملوك مثل عبد الملك بن مروان وهارون الرشيد والخليفة المأمون وغيرهم الكثير!

وهنا أيضًا نستطيع أن نميل إلى أنه طوال التاريخ الإسلامي بلا استثاء، لم تكن هناك آلية محددة ومتفق عليها لمحاسبة ومراجعة ومسائلة الحاكم. وفي بعض الفترات القليلة والمواقف المنفردة التي حدثت فيها هذه المراجعة كان الأمر مردود فيها إلى سماح الحاكم بذلك.

علاقة الحاكم بالمعارضة (في التاريخ الإسلامي)

نأتي هنا إلى تلك النقطة المهمة، وهي علاقة الحاكم بالمعارضة. تلك العلاقة التي تحدد بشكل كبير إذا ما كان نظام الحكم ذاك نظاما ديكتاتوريا قمعيا أم نظام قائم على استيعاب الآخر وتقبل الآراء، وتلك الصورة الأخيرة هي الصورة التي يتبناها الإسلام ويدعو إليها، سواء بالأمر الصريح أو بالمقاصد والغايات.

وبدءًا بالخلافة الراشدة، كان الأمر إسلاميا بامتياز، كانت كل الآراء مطروحة للنقاش، المؤيد يؤيد والمعارض يعارض والحجج تلقى والشورى ملزمة للجميع.

وبانتهاء الخلافة الراشدة، وقيام الدولة الأموية على أنقاض الفتنة الكبرى، واجهت الدولة معارضة سياسية شديدة ممن يرون الأموين مغتصبين للسلطة وغير أهل لها، فكيف تعامل الخلفاء الأمويون مع معارضيهم السياسيين؟

قتل يزيدُ بن معاوية الحسينَ بن على وأهلَ بيته، وهناك أقوال غير متفق عليها عن موت الحسن بن على” مسموما في عهد معاوية، وقتل عبدُ الملك بن مروان عبدَ الله بن الزبير بواسطة الحجاج، الذي حاصر مكة وضربها بالمنجنيق وحرق الكعبة وصلب عليها ابن الزبير بعد قتله، كما عرج الحجاج إلى المدينة المنورة فاستباحها وأهلها، وتتبع من بقي فيها من الصحابة فأهانهم وحقر من شأنهم (كأنس بن مالك)!

أما العباسيون، فقد قامت دولتهم على أنقاض مذبحة دامية صنعوها بأنفسهم للأمويين، ولكن بعد أن استقر لهم الأمر ودانت لهم البلاد – التي لم تكن راضية عن الأمويين بأية حال – واستقرت الأمور السياسية واتجهت الدولة بكل قوتها للابداع الفكري والعلمي والثقافي والحضاري، برز نوع آخر من أنواع المعارضة، وهي المعارضة المذهبية والفكرية، فكثيرًا ما كان الحاكم يتبنى رأيًا دون آخر ويميل لمذهب على مذهب. فكيف كان حال الحاكم من المعارضيين؟

قام أبو جعفر المنصور (المؤسس الحقيقي للدولة العباسية) بسجن وجلد الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان فقط لرفضه تولي القضاء. كما قام الخلفاء المأمون والمعتصم بمطاردة وسجن وجلد الإمام أحمد بن حنبل بسبب تمسكه برأي مخالف لهم في مسألة خلق القرآن.

ولذلك نستطيع القول بأن في التاريخ الإسلامي ما يشهد بقوة بأنه لم يكن هناك حق للمعارضة من أي نوع، سواء سياسية أو فكرية أو مذهبية، طوال فترة الدولة الإسلامية، مع استثناء فترة الخلافة الراشدة، والتي كان مرد الاستثناء فيها راجع إلى شخوص الخلفاء وأخلاقهم وليس إلى نظام الحكم.

ونلخص ما ذكرناه في نظام الحكم في ضوء التاريخ الإسلامي، بأن شق التشريع كان إسلاميا خالصا، في حين أن شق الحكومة كان بعيدا كل البعد عن روح الإسلام ومقاصده وغاياته، بل ومخالفا للإسلام في أكثر الأوقات. يستثنى من ذلك فترة الخلافة الراشدة والتي كان الاستثناء فيها مرده إلى شخوص الخلفاء أنفسهم لا إلى نظام الحكم.

ونحب أن نوضح هنا أننا عرضنا رأي الإسلاميين للإختبار وبحثنا في التاريخ عن بعض ما يدحض هذا الرأي فوجدنا ما ذكرناه وأثبتناه، في حين أن غيرنا قد يقوم بالعكس، فيقوم بعرض رأي غير الإسلاميين للإختبار ويبحث في التاريخ الإسلامي عما يدحضه، وحتمًا سيجد الكثير أيضًا. وهذا التناقض في المواقف ومدلولاتها طبيعي جدًا في مسألة نظم الحكم والإدارة، ولكنه يثبت أن الأمر نابع من الأرض وليس هابطًا من السماء، ولا علاقة له بالإسلام وثوابته، إذ لو كان الأمر من الإسلام حقًا لما وجدنا هذا البون الشاسع من التناقض.

مأزق الإسلاميين مع التاريخ الإسلامي

وقد يختلف أحد الإسلاميين فيما انتهينا إليه من القول بأن الحكومة – على الأقل في نقاطها الثلاثة التي تناولناها – في التاريخ الإسلامي لم تكن وليدة الإسلام أو منبثقة عنه وعن تعاليمه، وله الحق في الإختلاف وتبنى وجهة نظر أخرى بالطبع. ولكن أيا كان الرأي الذي سيقره في هذه المسألة، مسألة الحكومة في التاريخ الإسلامي، فإنه يضعه في مأزق شديد.

فلو تمسك برأيه بأن نظام الحكم كان إسلاميا بالرغم مما ذكرناه، فمعنى هذا أنه لن يستطيع أن يسقط صفة الإسلام عن معظم النظم الحديثة التي ينكرها ويعاديها الآن ويرميها صراحة بمعاداة الإسلام، ومنها على سبيل المثال نظام الحكم (العسكري) في مصر.

فلو قال بأنه نظام غير شرعي لانقلابه على حاكم شرعى فلينظر كيف قام الأمويون والعباسيون وكيف تتابع سلاطين المماليك، ولو قال بأنه قمعي لقتله المعارضين السياسيين فلينظر إلى عبد الملك بن مروان وقتل الزبير وأنصاره، ولو قال بأنه لا يسمح بتعدد الآراء فليرجع إلى هارون الرشيد والمأمون والمعتصم، ولو قال بأنه حرق المساجد فليرجع إلى ضرب الكعبة بالمنجنيق وحرقها بواسطة الحجاج (وزير الأمويين الأول).

أما لو قال بأن ما فعله هؤلاء حجة عليهم لا على الإسلام، وأقر بأن هذا لم يكن من الإسلام في شيء فسيعني هذا سقوط الاستشهاد بالتاريخ الإسلامي كحجة لإثبات وجود نظام حكم إسلامي، بل يعنى أيضًا أن مصطلح نظام حكم إسلامي مصطلح نظري لا يؤيده تاريخ الأوليين ناهيك عن الآخرين!

اقرأ أيضا: الإسلام ونظام الحكم – الجزء الأول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد