فتدبر القرآن إن رُمت الهدى … فالعلم تحت تدبر القرآن

وإنها لنعمة جليلة ومتعة فريدة في تدبر آيات كتاب الله، فمن دهشة وإعجاب، إلى تأمل يفضي إلى زيادة إيمان، أو كما قال سيدنا الخليل «ليطمئن قلبي»، وبالفعل تدبر آيات الله والتأمل فيها اطمئنان وترسيخ للإيمان، ولأن الإنسان هو الثابت الوحيد في أي معادلة واللاعب الاساسي في أي لعبة، ولأنه مركز هذا الكون وخير مخلوقات الله، فالتدبر فيه ومحاولة فهمه الطريق الأوحد للتمكين في هذا العالم، والآيات القرآنية التي تتناول الإنسان وطبيعته كثيرة ، لكني اخترت في هذه التدوينة ثلاث آيات لطالما تدبرت فيها، وأظن أن بينها رابطًا عجيبًا سنكتشفه في هذه الأسطر.

الإنسان. ذلك الكائن العجيب ذو الطبيعة البشرية المتنازعة بين تركيبته المادية من جهة وتركيبته الملائكية من جهة أخرى وبكل ما تحملانه من صفات متناقضة، تجعل منه حلبة لصراع داخلي طويل يستمر ويكبر معه. ولا ينتهي إلا بموته، ولعل أكبر معركة يخوضها البشر في هذه الحياة هي محاولة إيجاد التوازن بين تلكم الثنائية والتي إن حاولنا تقريب معناها فهي أشبه باستقطاب بين السماء والأرض.

فالعنصر الطيني دائمًا ما يحاول أن يجذبه إلى الأرض كمخلوق بلا عقل ولا روح ولا حتى إحساس أشبه بالآلة، يطلق العنان لشهواته ونزواته بلا حسيب ولا رقيب، وطبيعته الملائكية السامية تريد رفعه إلى الأعلى كمخلوق كرمه الله عز وجل بهذه الخاصية إذ نفخ فيه من روحه. هذه الثنائية جعلت من الإنسان كائنًا فريدًا لا هو كالملاك؛ لأنه ليس من نور، ولا هو بالحيوان لأنه ذو عقل. هو مزيج بين الاثنين وتناقض يجتمع في كائن واحد، والآية 54 من سورة النور وصفته بقوله تعالى «وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)»، لهذا فقد اختصه الله بعنايته دون سائر مخلوقاته فبعث له الرسل والأنبياء وغايتهم الأولى هي تمكين الإنسان من نفسه، وتمكينه في الأرض أي استخلافه فيها «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْض»، والإسلام كآخر دين أنزله الله إلى عباده جاء متكاملاً متناغمًا مراعيًا لهذه الخاصية وهو أشبه بدليل استخدام أو «كاتالوج» إن صح التعبير.

فتمكين الإنسان من نفسه هو كبح شهواته وإلجامها وتطويعها لخدمته ودفعه لاقتحام العقبة في قوله «فلا اقتحم العقبة» وتدبرت هذه الآية مرات ومرات وأكثر ما شدني فيها دقة المصطلح القرآني «اقتحم» وما يحمله من معانٍ قوية، فمن معانيه «الانطلاق» و«الاندفاع» وكلها معانٍ نتحسسها فيه، ومن معانيه الجميلة أيضًا «رمى بنفسه على شدَّةٍ يريد اجتيازها وتخطِّيَها» وهذا ما شدني فعلا، فالغاية هنا أن يتغلب كل منا على نفسه وأن يرمي بكل ثقله لتجاوز معيقاتها وتحطيم قيودها حولنا، من أجل هذا كانت «فلا اقتحم العقبة» أمرًا بخوض غمار المجهول وفي نفس الوقت تحديًا للنفس لاستغلال كل قدراتها التي وهبها الله إياها لتتفجر وتبدع ليحق لها الاستخلاف في الأرض.

ولأن النفس البشرية كما قلنا في صراع لا يتوقف أبدًا قد تضعف وتركن وتتكاسل، وقد تخاف من المجهول وهذا نابع من طبيعتها الطينية المحبة للخمول الرافضة للتغيير فتأتي الآية الكريمة «رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ» لتصف جانبًا آخر من نفسية الإنسان الجاهلةِ بإمكانياتها ومقدرتها على ما كلفها الله به فتدعوه جهلا أن لا يحملها فوق طاقتها، وسألت نفسي: «هل نحن أدرى بما نتحمل، من الله؟ هل يمكن أن يحملنا الله فوق ما نتحمل؟» طبعا لا، ولم أجد تفسيرًا لهذه النفسية الانهزامية إلا طغيان «الطين» عن «الروح» وهنا تبرز قوة العبد وتحكمه في نفسه وعدم مطاوعتها فيروضها على الصفات الحسنة ويعودها عليها، فيكبح جماحها إن هي أرادت أن تنكس وتتدحرج إلى طبيعتها الطينية المادية الخالية من الروح.

وكعادته نبهني صديقي الى أمر غفلت عنه، وهو أن هذه الآية قيلت على لسان الصحابة رضوان الله عليهم، وهم من هم، صفوة هذه الأمة، أيبدر هذا منهم ؟ قلت: «طبعًا لا»، واسترسلت إذًا فلا يكون هذا إلا خوفًا من عدم المقدرة على تحمل ما أمروا به، فلا يستطيعون تأديته، وهذا عين التقديس لله والخوف من خذلانه، ولا تصل إلى هذه المرتبة إلا نفس متواضعة زاهدة تعي حقًا عظمة الله، أو ربما خوفًا من هلاكهم قبل أن يُحصِّلوا أجر التمكين الذي هو غاية خلقهم ويعايشوا زمنه، فيأتي البيان من فوق سبع سماوات من الله في بعض آيات بليغات يطمئن عباده المؤمنين ويرفع من معنوياتهم فيقول: «لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)» الحديد، والمقصود بالفتح هنا (فتح مكة) أي أن الذين هاجروا وقاتلوا وأنفقوا من قبل الفتح أي قبل التمكين أعظم درجة من أولئك الذين أنفقوا وقاتلوا من بعد الفتح التمكين وفي هذا بشرى عظيمة للمسلمين كافة وللمهاجرين خاصة.

ولو تدبرنا قليلًا في هذه الآية لاستخلصنا منها أمرين عظيمين، الأول: أن زمن الإعداد والبناء عادة ما يكون أطول وأصعب ويواجه فيه المسلمون كل الصعاب لهذا فأجره عند الله كبير وقد وصفه الله «بالعظيم» ولا يخفى علينا دقة المصطلح القرآني وأهميته، والأمر الثاني: أنه حتى وإن لم تعايش زمن التمكين فأجرك محفوظ لأنك ساهمت فيه وضحيت لأجل أن يعيش من بعدك في تمكين وقوة ورفعة، ولهذا كرم الله الشهداء تكريمًا خاصًا ورفع من منزلتهم أيما رفعة.

ولا أظن أن الأسئلة ستتوقف عن طرح نفسها فتدبر آيات الله أشبه بانفراط حبات العقد، فلا تنفك تنتهي من تدبر آية إلا وتجد نفسك منغمسًا في معاني آية أخرى يلهمك هي الأخرى بيانها ودقة مصطلحها القرآني، سأتوقف هنا، لعلي في مقال آخر أتناول موضوع البناء والتغيير خاصة وأننا قد طفقنا فيه مع كتابة آخر أسطر هذا المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد