من منا لم يقرأ أو يسمع ذلك الحديث القدسي الرائع الذي رواه الإمام مسلم والذي يروي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل أنه قال:”يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”. واللام المعرفة ل”الظلم” لام الجنسية التي تفيد الاستغراق فيشمل كل ظلم.

 أي أن الرب تعالى يقول:

كل أنواع الظلم محرم على أن أفعله وكذا محرم بينكم, فدل الحديث على أن الظلم لا مصلحة فيه البتة، ولهذا مُنع وحُرم تحريما مطلقا.

ثم انظر إلى قوله تعالى “حرمت” فهي أعلى درجات بيان المنع والحظر ثم انظر إلى مفردات الحديث ك:”حرمت” و”محرما” و”فلا تظالموا” وكلها تأكيد ما بعده تأكيد على حرمة كل أنواع الظلم.

وقوله: “فلا تظالموا” يحتمل معنيين:

النهي عن البدء بالظلم: أي أن يبدأ الإنسان بالظلم. ويحتمل النهي عن الرد والانتقام بالظلم: أي أن ينتقم الإنسان لنفسه بظلم غيره.

وكلا المعنيين مراد في الحديث، فالظلم منهي عنه ابتداء واستدامة. ولا شك أن هناك أنواع من الظلم مثل ظلم الإنسان لنفسه أو ظلمه لغيره، ولكن سنجعل حديثنا هنا عن ظلم المرء لغيره الذي وضع له البعض المبررات ولويت من أجله أصول الشرع في المنع من الظلم وتبشيعه. والظلم في تعريفاته أتى بأنه: وضع الشيء في غير موضعه ومجاوزة الحد.

وقيل ظَلَمَهُ حَقَّهُ أي:- غَصَبَهُ، أَوْ نَقَصَهُ إِيَّاهُ أو جار عليه ولم ينصفه وهو: اِنْتِهاكُ حَقِّ الآخَرِ عُدْوانًا وتعدٍّ عن الحقّ إلى الباطل، ومجاوزة الحدّ في استعمال السّلطة.

وقيل: أظلم من أفعى: وصف للظالم المبالغ في الظلم فهو كالحيّة التي تأتي جحرَ الضبّ فتأكل ولدَها وتسكن جحرَها!!
ومَنِ اسْتَرْعَى الذِّئْبَ فَقَدْ ظَلَمَ وهو: يُضْرَبُ لِمَنْ يُوَلِّي غَيْرَ الأمينِ.

والظُّلْمَةُ: سواد اللّيل وظلامه و غياب النّور. ويقال: ظَلِمَ اللَّيْلُ: أي أَظْلَمَ، اِسْوَدَّ!! وظُلُمات البحر: شدائدُه. وفي وصف حال الظالمين ومصيرهم بكافة أصنافهم جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة).

فكما أن الظلم هو ظلمة تمنع نور الحق من أن يلمسه الناس ويعيشون في ظله فكان الجزاء ظلمات يوم القيامة وظلمة القيامة ليست كظلمة الدنيا حتى في أشد ليالي الدنيا سوادا وقسوة ولكن يأبى البعض إلا أن يشرعن الظلم ويأتي له بالمسوغات ويلوي عنق النصوص لتوافق ما يرمى إليه ويريد.

رغم أن الشارع _ سبحانه وتعالى _ قال في غير ما موضع من كتابه في وضوح تام: “والله لا يحب الظالمين”!!

لكن مازال الناس قديما وحديثا يحاولون تجميل الظلم ووضع المساحيق له  كي لا يظهر قبحه ويلبسونه ثيابا ليست له ليخفوا سوءاته وعواره وما أصدق الشاعر حين قال في وصف أحد طغاة العصر الحديث: سواد قلبك باد فاسبغ به شيبتك!!

ورغم وضوح سوء الظلم ووضوح تحريمه إلا أنه قد ظهر جدل كبير حول الحاكم الظالم وطاعته واحتدم النقاش حتى ادعى بعضهم أن النبي الذي أتى ليحرر الناس من عبادة الحي والجماد إلى عبادة الله وحده والذي جاء ليخرجهم من الظلمات إلى النور – والظلم ظلمة كما أسلفنا آنفا – ادعى البعض عنه صلى الله عليه وسلم أنه يقر ظلم الحكام وإن أخذوا المال وجلدوا الظهر!

فالمهم أن تسمع وتطيع ما أقاموا فيكم الصلاة حتى لو استباحوا كل محرم وضيعوا بيضة الإسلام وانتهكوا أصوله وقواعده بين العالمين وحتى لو والوا العدو وقتلوا الأخ والشقيق!!

فكل ما عليك وقت أن ترى كل هذا الظلم البهيم والفجر العميم حسب زعم هؤلاء أن تسمع وتطيع وإلا فالفتنة الفتنة , ثم أردفوا:”وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم”!!!
فتعال معي لنبحر داخل تلك النصوص وغيرها لنرى: هل _ محمد رسول الله _ أتى بهذا وأقره أم أنه نادى في غير ما موضع بنفي هذا الذي يسوقه كهنة السلطان لنا أو أولائك المنتسبين إلى العلم الشرعي لنا على أنه شرع من الله ونور مبين؟!

يقول الإمام ابن القيم في معرض حديثه عن الشريعة أن:

(مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي به أبصر المبصرون وهداه الذي به اهتدى المهتدون وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل) 1.

والمتشابه فيها يرد إلى المحكم لينتظم الأمر ويتم وإلا كانت فوضى في الأحكام وفى حياة الناس ولبدل شرع الله بغيره ولتلاعب من شاء كيف يشاء في أحكام الله وشرعه. والحق مقبول أبدا من أي أحد حتى لو كان الشيطان!!

والباطل مرفوض أبدا حتى لو كان من صحابي مشهود له بالصحبة!! فدين الله حاكم غير محكوم. ولنأت إلى السمع والطاعة التي كثر الكلام حولها حتى كانت سيفا يستباح به كل محرم ويصبر فيه على فساد وظلم وقهر وانتهاك أصول هذا الدين الحنيف وما جاء به.

قال الامام ابن عبد البر في كتابه الاستذكار تحت شرح حديث عبادة بن الصامت في السمع والطاعة (بايعنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على السمع والطاعة، في اليسر والعسر، والمنشط والمكره و ألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول أو نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) ما نصه :”وأما قوله:
ألا ننازع الأمر أهله، فقد اختلف الناس في ذلك، فقال القائلون منهم: أهله:- أهل العدل والإحسان والفضل والدين: مع القوة على القيام بذلك، فهؤلاء لا ينازعون؛ لأنهم أهله، وأما أهل الجور والفسق والظلم، فليسوا بأهل له. واحتجوا بقول الله عز وجل لإبراهيم: (إني جاعلك للناس إماما، قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (ذهب إلى هذا طائفة من السلف الصالح، واتبعهم بذلك خلف من الفضلاء والقراء والعلماء من أهل المدينة والعراق وبهذا الأمر خرج ابن الزبير والحسين على يزيد، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، ولهذا أخرج أهل المدينة بني أمية عنهم، وقاموا عليهم، فكانت الحرة” انتهى

(2)

والإسلام لم ينص على طريقة معينة في اختيار الحاكم أو اختيار اسم للدولة وكذا لم يعط الحاكم ملكا أبديا بأي حال وللناس أن تستحدث طرقا جديدة لاختيار الحاكم وعزله ومحاسبته وكما أنه لا يوجد نص في دين الله يلزمنا بطريقة معينة في اختيار الحاكم أو عزله أو محاسبته، بل فقط جاءت النصوص لتؤكد على اختيار الأكفأ أو القوى الأمين والحفيظ العليم، ومحاسبته وعدم طاعته في معصية، وعزله إذا ظهر فساده أو ظلمه أو ضعفه في الحكم، وقيامة بواجب الرعية أو الشعب عليه، لأنه أجير ليس بينه وبين الناس إلا عقد الحكم والولاية الذي أبرم بين طرفين.

فنحن كذلك لسنا ملزمين بطريقة شرقية أو غربية في اختيار الحاكم أو عزله أو محاسبته أو فترة حكمه أو غير ذلك من الأمور الخاصة بتسيير الحكم والدولة, لكننا أيضا ملزمون ومطالبون بعمل الأحسن ولا يجوز لنا تركه لما هو دونه حتى لو كان هذا الأحسن من صنع مخالفينا في العقيدة أو كان الأحسن هذا من صنع أعدائنا الصراح.

وأنه لا ملكية في الإسلام لأن الحكم لا يورث عندنا، بل جعل الإسلام الحكم على الحاكم واختياره وعزله حق للناس، وأنهم يختارون من يشاءون حكما عليهم، ولك أن تتخيل في ظل الملكية المطلقة لو وجد الناس القوي الأمين خارج الأسرة الحاكمة فأي الطريقين يختارون: طريق الحق أم طريق الملكية؟!
وأنت كما تعرف أنه لا خيار في ظل “الملكية المطلقة” إلا البيعة لولى الأمر وأن شعارها أبدا عاش الملك مات الملك.

ولنعد مرة أخرى إلى الطاعة المطلقة التي يطلقها البعض ويعطون بها للحاكم ما لم يعط نبي مرسل ولنر هل قال نبينا هذا؟!

فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: (أعاذك الله من إمارة السفهاء قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم, فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون على حوضي ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي) 3.

وقال صلى الله علية وسلم: (أخاف عليكم ستا: إمارة السفهاء، و سفك الدم، و بيع الحكم، و قطيعة الرحم، و نشوا يتخذون القرآن مزامير، و كثرة الشرط ) 4.

وسبحان الله وهل هذا إلا ما نشاهد اليوم ونرى؟!!

لكن لما ثار بعض الناس على حكام ظلمة وملوك فجرة، دمروا حياة الناس وأحلامهم واستباحوا كل حرام، وانتهكوا كل ممنوع، ثار عليهم علماء السلطة فأصبح كل من يرى الخروج إما خارجيا أو معتزليا، وعدوا القول بالخروج من علامات أهل البدعة، وجمد المعتقد على ذلك وجرى النهر في غير مجراه، وكانت هذه العقيدة حجر عثر في مجال الإصلاح السياسي في بلادنا المنكوبة منذ مئات السنين!

وكان الجور والطغيان يصولان ويجولان في أركان بلاد الإسلام تحت حمى هذه العقيدة المخترعة وفى رعايتها ألا وهى عقيدة عدم الخروج على الحاكم الظالم!!

ولكن أي عاقل منصف لا يمكن أن يتصور أو يظن أن عقيدة الإسلام تحمى الطغاة والجائرين، وهل يتصور أحد أن رب العالمين يرضى عن ظلم العباد وضياع حقوقهم بل ويضع عقيدة تحمى كل جائر ومستبد؟! هذا والله هو المحال بعينه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد