“ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار”

يقول الله سبحانه وتعالى فى سورة هود: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُون ( 113)

وهذه الآية من أبلغ آيات النهي عن الظلم في القرآن الكريم لأنها جعلت مجرد الركون أو السكون والرضا بأفعال الظالمين موجبًا من موجبات مساس النار. ويجب أن نقرأ الآيات والأحاديث في ضوء القواعد الكلية وأصول الشريعة ومقاصدها لا أن نقرأها منفصلة أو أن نبحث – وقت الضغط والعوز – عن مسوغات تضمن لنا الجنة ونحن نهتك أستار الشريعة باسم الصبر والطاعة!

تساؤلات

ومن هذا وفي ضوئه نطرح الآتي:

هل الظلم منكر؟! فإن كان منكرًا فلا بد أنه واقع تحت قاعدة الدين العامة الكبرى في إنكار المنكر بدرجاته المقدرة بحد الاستطاعة لا غير.

وماذا إن كان الظلم يخرم قاعدة حفظ الضرورات الخمس ومنها المال والعرض والدين والعقل التي أتى الدين ليحفظها على الناس فهل نرمي بها في البحر من أجل عيون الحاكم الظالم؟!

وهل أجازت الشريعة لأي مخلوق أن يطيع غيره في معصية الخالق حتى لو كان الصديق أو الفاروق؟ وإن كانت الإجابة: لا، فكيف بمن استحل الظلم وفسد حتى صار قلبه قلب شيطان؟!

ولو أن رجلا دفع جند الظالمين عندما أرادوا أخذ ماله ظلما أو أرادوا ضربه عدوانًا فدفعوه حتى قتل الرجل أو مات جند الظالمين، هل يكون الرجل مأزورًا أم مأجورًا؟

وهل يكون ذلك الرجل شهيدا متبعا ويشمله قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – “فأنت شهيد” لرجل قال له: أرأيتَ إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ فقال: ((لا تعطه مالك))، وفي لفظ: ((قاتِلْه دون مالك))، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: ((قاتِلْه))، قال: أرأيتَ إن قتلني؟ قال: ((فأنت شهيد))، قال: أرأيتَ إن قتلتُه؟ قال: ((هو في النار)).

أم يكون الرجل مأزورًا لأنه لم يطع جند الظالمين وأئمة الجور لما جاءوا ليأخذوا ماله أو ليضربوا ظهره ظلما وعدوانا؟!  وهل جند الظالمين طائعين في الجنة لأنهم أطاعوا الحاكم الظالم؟!

أم أنهم في النار لأنهم أرادوا أخذ أموال الناس بالباطل بأمر من أحد أئمة الجور وكانوا له عونا على الظلم والعدوان؟! فأي تيه هذا وأي تناقض هذا الذي تدورون حوله وتريدون للناس أن تفقهه.

محاولة للفهم

إن الواجب لفهم أحاديث الصبر على أئمة الجور أو من يقع منه بعض الظلم أن ترى على أحد صور الوجهين التاليين:

الأول:

عدم القدرة نهائيًا على التغيير فتكون الطاعة هنا ليست طاعة على وجه الحقيقة ولكن أمرًا اضطراريًا لأن المواجهة عند عدم القدرة تعني الهلكة ولا يسمى من يقدر بنفسه على المواجهة لو تشجع لها هالكا أو عاصيا لأن خير المواضع موضع تقال فيه كلمة حق عند سلطان جائر.

الثاني:

أن يقع بعض الظلم “غير المقصود” فيكون على بعض الأفراد ظلم لأنهم في قرارة أنفسهم يدركون ذلك ويدركه بعض الناس معهم. كمن يحبس ظلما مثلا ولكن هذا الظلم الذي وقع لم يكن ظلما مقصودا لأحد من الناس لأنه لو كان مقصودا فيستوي القليل فيه والكثير.

ولكن المقصود هنا بالظلم غير المقصود هو أن يقع دون عمد، مثل أن تؤدي الأدلة الصحيحة إلى حكم ما يكون ظلما لمن وقع الحكم عليه لكن الحكم صحيحا لثبوت الأدلة أو أن يخطئ القاضي في التقدير أو أن يسلب حق أحدهم لوجود الحجة القوية مع الخصم رغم أن الخصم في الحقيقة لا حق له أو أنه قد يقع من بعض أفراد الشرطة أو القائمين على حفظ القانون والأمن بعض الظلم والتفرقة (المتعمدة) بدون علم الحاكم أو من ينوب عنه، بشرط أن تكون وقائع فردية وأنه في حال الشكوى منها يحقق فيها تحقيقا عادلا يفضي إلى حكم عادل وإعطاء كل ذي حق حقه.

لا أن تكون صورية أو تكون أعمالا ممنهجة ويسميها البعض فردية زورا وكذبا أو تحدث وتثبت ولا يعاقب فاعلها أو يعاقب فاعلها عقابًا لا يساوي ما ارتكب من جرم أو كانت العقوبة هي طريقة دبلوماسية أو امتصاصية للغضب المتوقع أو غير ذلك لتمرير الواقعة وإسكات أو تسكين البسطاء أو أصحاب الحقوق أو ليجمل الحكم وجه للسلطة كي تستطيع القول في إعلامها أنها تحقق وتتابع وتعاقب وهي في الحقيقة لا تفعل، بل إنها تراوغ وتستمر في الإيذاء وتستعد بعد الحكم “المزور” لترقية الجاني ونصب شرك جديد للضحية فهذا ظلم بين لا يقبل ولا يرضاه دين أو عقل بحال.

فأما الظلم غير المقصود على الشاكلة التي وضحنا نماذج لها فالصبر عليها هو المطلوب وليس الصبر المطلق الذي أراده بعضهم وروج له حتى لو أخذ الحاكم المال وجلد الظهر وهو ما ستوضحه حتى الأحاديث التي يستشهد بعضهم بها على هذا الفساد وتلك العقيدة المخترعة التي أضرت بالأمة أيما ضرر وألحقت بها الهزيمة والتخلف والانسلاخ من الهوية.

وتقرأ الأحاديث هنا أيضا في ضوء طريقة الحكم المستقرة في هذا الزمان أما إذا استحدث الناس طرقا يستطيعون من خلالها منع ظلم الحكام قبل وقوعه وعدم جورهم أو مجاوزة الحد ومحاسبتهم على وعودهم وحديثهم وأفعالهم إن خالفت الصحيح والصواب وعزلهم وقت إدانتهم وتحقيق العدالة الناجزة فيهم وفي غيرهم فلا يتصور أبدا أن يقول النبي للناس دعوا هذا كله واصبروا فقط، كما لا يتصور بحال أن يقول النبي للناس اركنوا إلى الذين ظلموا طالما كانوا حكاما أي دعوا الحاكم يفعل ما يريد حتى لو استباح حرمات الناس طالما لم تر منه كفرا بواحا أو طالما يقيم الصلاة؟!

فلا تخرجوا على ظالم حتى لو ظننتم الاستطاعة والقدرة على التغيير واركنوا إليهم وعيشوا معيشة النعاج والخراف التي تنتظر ميعاد الذبح والركل والرفس لأنها تريد أن تبقى على حياة أيا كانت هذه الحياة وكما لو أن إيذاء النبي وجهاده وصبره حدث في الماضي ليؤسس لدين يقول للناس دعوا الباطل لا تنكروه ولا تسألوا حقوقكم أو ما لكم المهم أن تعيشوا لا يهم إن عشتم في مزابل أو في أقبية السلخ والتعذيب أو حتى لو عشتم مهانين معذبين لا تجدون قوتا ولا صحة ولا تعليمًا، لأن كل ما عليكم هو أن تطأطئوا رؤوسكم وتحنوا جباهكم وتقولوا للسيد العاصي بصوت واضح “سمعا وطاعة أيها الأمير”!

فهكذا يجب أن نفهم تلك الأحاديث أنها رخصة لغير القادر على إنكار ظلم الحكام لأن ضرب الظهر منكر وأكل أموال الناس بالباطل منكر ومنع الناس حقوقهم منكر وسرقة مال الناس (والوطن هو ملك للجميع وليس للسلطة الحاكمة) منكر وإذا كان الشرع أجاز للابن الحجر على الأب السفيه فما بالنا بالسفهاء الذين ضيعوا أموالنا وعقيدتنا وأخلاقنا وجعلونا خدما لأعدائنا؟!

فأرى أن مثل هذه الأحاديث رويت رخصة وعذرا حتى لا تستأصل شأفة القائمين بالحق قبل أن يستعدوا وكي لا يظن أحدهم أنه في إثم من أمره عندما يطيع مكرها والطاعة المقصودة ليست أمرا واجبا يعاقب تاركه في عدم الصبر على جور الظالمين أو منابذتهم والخروج عليهم. فمن المعلوم أن الظلم لا يظهر أبدا إلا إذا ضعف الحق ضعفا لا يستطيع معه دفعا ولا قياما وإلا إذا حاولت القلة الرافضة المواجهة دون استعداد وإعداد لأبيدت.

وأن الأصل هو تقويتها حتى تستطيع أن تظهر وتدفع ذلك الظلم دفعا لا يعود معه مرة أخرى، وهذا هو التوجيه وكما قلت آنفا أنه: لو جاء أعوان الظالمين يأخذون مال أحد الناس فدفعهم حتى قتلوه فهو شهيد على ما قرره النبي للأمة ولكانوا هم من أصحاب النار إن قتلهم، وسوف يقوم بعض أصحاب الحق ومنكري المنكر (والظلم من أكبر المنكرات) أفرادا وجماعات بالدفع والمطالبة بالحقوق فيقتل بعضهم ويسجن آخرون وتكون موجات تلو موجات تقول للظالم (لا) بكل وسيلة ممكنة مشروعة حتى يصير بغض الظلم عاما ويتقوى الناس بعضهم ببعض وهو المطلوب فيقومون جميعا أو غالبيتهم أو من يطيق منهم صبر المواجهة فيستعينون بالله ويدفعون فينصرهم الله قلة كانوا أم كثرة فلقد استعدوا الآن وقويت شوكتهم وأخذوا بالأسباب وأصبح طريقهم إلى الصعود ممهدا حتى لو كان هذا التمهيد على أنغام الرصاص والشوك الذي يدوسون عليه.

ونعود للآية الكريمة فالآية جعلت مجرد الركون إلى الذين ظلموا (والحكام الظالمون صنف من صنوف الذين ظلموا) سببا في دخول النار: يقول الإمام البغوي في تفسير هذه الآية:

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولا تميلوا. والركون: هو المحبة والميل بالقلب، وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم. قال السدي: لا تداهنوا الظلمة. وعن عكرمة: لا تطيعوهم. وقيل: لا تسكنوا إلى الذين ظلموا (فتمسكم) فتصيبكم (النار وما لكم من دون الله من أولياء) أي: أعوان يمنعونكم من عذابه (ثم لا تنصرون).

وقال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا)، قال: قال ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا.

ويقول الإمام الشوكاني في كتابه فتح القدير:

وقيل: إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافر ومسلم، وهذا هو الظاهر من الآية، ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون لكان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وفي هذا تجد موسى عليه الصلاة والسلام يقول في وضوح تام: (رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين) وفى هذا روى الإمام الطبري بسنده عن قتادة في تفسير دعاء موسى عليه السلام هذا أن معناه: لن أعين بعدها ظالما على فجره، ويقول الطاهر بن عاشور في تفسيره لهذه الآية: وقد جعل جمهور من السلف هذه الآية حجة على منع إعانة “أهل الجور” في شيء من أمورهم.

وهو ما نقله الإمام أثير الدين الأندلسي صاحب البحر المحيط فقال في شرح هذه الآية:

واحتج أهل العلم بهذه الآية على منع معونة أهل الظلم وخدمتهم، نص على ذلك عطاء بن أبي رباح وغيره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد