واحتج بعضهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم بسنده عن أم سلمة – رضي الله عنها – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “ستكونون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع. قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا”.

فهل يقصد النبي هنا أن يقول للناس: لا تغيروا منكر الحاكم الفاسد الظالم حتى لو امتلكتم القدرة على تغييره باليد (وهو ما عبر عنه هنا بالقتال)؟! لا والله ما يكون هذا الفهم أبدًا وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا! بل في هذا مخالفة لكل أصول إنكار المنكر التي قررها رسول الله عند القدرة والطاقة!

وهل قصد النبي أن نترك منكرهم وفحشهم وفسادهم وظلمهم يصول ويجول بين الناس مخربًا عليهم دينهم ودنياهم لأنهم يصلون؟! وما قيمة الصلاة بين الناس في الدنيا من حيث العدالة والانتفاع وفي الآخرة من حيث العمل إن لم تنه عن الفحشاء والمنكر؟!

بل التوجيه الواضح في هذا الحديث ومثله في بابه أنه يتحدث عن إنكار المنكر عند عدم القدرة على التغيير وعند عدم امتلاك أدواته، والحديث يقول هنا في وضوح تام: “فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع”.

يقول الإمام النووي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث في شرحه لصحيح مسلم: (وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن عرف فقد برئ) وفي الرواية التي بعدها: (فمن كره فقد برئ) فأما رواية من روى (فمن كره فقد برئ) فظاهرة، ومعناه: من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه فليكرهه بقلبه، وليبرأ. وقوله صلى الله عليه وسلم: (ولكن من رضي وتابع) معناه: ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع. وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت. بل إنما يأثم بالرضا به، أو بألا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه) انتهى بتصرف يسير.

فبالله أية قيمة لشريعة، لا تزيل الظلم ولا ترسخ العدل، ولا تحفظ النفوس؟! والله، إن هذا لصد عن سبيل الله، وتنفير للناس من الدين نفسه، ومعظم شعوب العالم بين فترة وأخرى تثور على الطغاة وتدعو لترسيخ العدل والحرية، ولكن يأبى بعض كهنة وسدنة الحكام الظلمة إلا أن يدعوا للخنوع والذل وترسيخ الظلم بل وينادوا عليهم بصوت غليظ “هذا حكم الله فاقبلوه”! سبحانك هذا بهتان عظيم.

واستدل بعضهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن حذيفة رضي الله عنه وفيه: (يكون بعدي أئمةٌ لا يهتدون بهدايَ، ولا يستنُّون بسُنَّتي. وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبُهم قلوبُ الشياطينِ في جُثمانِ إنسٍ) قال قلتُ: كيف أصنعُ يا رسولَ اللهِ؟! إن أدركت ُذلك؟ قال: (تسمعُ وتطيع للأميرِ وإن ضَرَب ظهرَك وأخذ مالَك فاسمعْ وأطعْ).

وبغض النظر عن تضعيف بعض العلماء للزيادة الواردة والتي هي (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) فبجمع روايات الحديث يتضح الآتي:

أن من قصد الصبر عليهم ليسوا الحكام الظلمة أبدًا بل المقصود هو الحاكم الذي يأمر ويحكم بمراد الله وإن وقعت مظلمة منه عليك “من غير قصد من الحاكم” – على الوجه الذي بيناه في المقال السابق – فاسمع له وأطع وإن لم تجد هذا الإمام العادل في الأرض فاهرب في الأرض حتى تلقى الله لأن الذي يأتي بعد هذا الشر هو فتنة المسيح الدجال.

 

والرواية التي جاءت في سنن الإمام أبي داود توضح هذا وهي: (فقال حذيفةُ: إنَّ النَّاسَ كانوا يسألون رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الخيرِ، وكنتُ أسألُه عن الشَّرِّ فأحدقه القومُ بأبصارِهم، فقال: إنِّي قد أرَى الَّذي تُنكِرون! إنِّي قلتُ: يا رسولَ اللهِ! أرأيتَ هذا الخيرَ الَّذي أعطانا اللهُ، أيكونُ بعده شرٌّ، كما كان قبله؟ قال: نعم. قلتُ: فما العِصمةُ من ذلك؟ قال: السَّيفُ. قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ثمَّ ماذا؟ قال: إن كان للهِ خليفةٌ في الأرضِ، فضرب ظهرَك، وأخذ مالَك، فأطِعْه وإلَّا فمُتْ وأنت عاضٌّ بجَذلِ شجرةٍ. قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: ثمَّ يخرُجُ الدَّجَّالُ معه نهرٌ، ونارٌ، فمن وقع في نارِه وجب أجرُه، وحُطَّ وِزرُه، ومن وقع في نهرِه وجب وِزرُه وحُطَّ أجرُه. قال: قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: ثمَّ هي قيامُ السَّاعةِ).

وفي الرواية التي جمعها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة جاء فيها: (فإن رأيتَ يومئذٍ للهِ عزَّ وجلَّ في الأرضِ خليفةً، فالزَمْهُ وإن ضرب ظهرَك وأخذ مالَك، فإن لم ترَ خليفةً فاهرب [في الأرضِ] حتى يُدرِكَك الموتُ وأنت عاضٌّ على جذلِ شجرة).

وكما ترى فالبون شاسع بين الرواية التي يروجون لها وبين المقصود الذي بان عند جمع الروايات لأنه في الرواية الأولى تناقض ما بعده تناقض إذ كيف يصف النبي هؤلاء الناس بأن قلوبهم قلوب شياطين وأنهم لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته ثم يشير النبي إلى الناس أن أطيعوهم؟!

فبان المقصود أنه عند تلك الفتن إذا ظهر خليفة لله (وانظر إلى نسبته لله) أي على مراد الله في الحكم ومراد الله واضح في القرآن والسنة الصحيحة فإذا وجدت هذا الإمام النادر وسط هذا الغبش فالزمه وإن وقع منه ظلم عليك غير مقصود منه تعلم أنت أنه ظلم ولا يدركه هو أو من ينوب عنه لأنه وقع بعد الاجتهاد الصحيح قبل العقوبة فأخطأ في الحكم، وإذا لم تجده فاهرب حتى يدركك الموت.

ولهذا شن الإمام ابن حزم رحمه الله هجومًا حادًا على بعض هؤلاء فقال في كتابه (الإجماع): (ورأيت لبعض من نصب نفسه للإمامة والكلام في الدين، فصولًا، ذكر فيها الإجماع، فأتى فيها بكلام، لو سكت عنه، لكان أسلمَ له في أخراه، بل الخرس كانَ أسلمَ له، وهو ابن مجاهد البصري المتكلم الطائي، لا المقرئ، فإنه ادعى فيه الإجماعَ أنهم أجمعوا على أنه لا يُخرج على أئمة الجور، فاستعظمت ذلك،

ولعمري إنه لعظيم أن يكون قد علمَ أن مخالف الإجماع كافر، فيلقي هذا إلى الناس، وقد علمَ أن أفاضل الصحابة وبقية السلف يومَ الحرَّةِ خرجوا على يزيد بن معاوية، وأن ابن الزبير ومن تابعه من خيار الناس خرجوا عليه، وأن الحسينَ بن عليٍّ ومن تابعه من خيار المسلمين خرجوا عليه أيضًا، رضي الله عن الخارجين عليه، ولعن قَتَلَتَهم، وأن الحسن البصري وأكابر التابعين خرجوا على الحجاج بسيوفهم، أترى هؤلاء كفروا؟ بل واللهِ من كفرهم، فهو أحق بالكفر منهم، ولعمري لو كان اختلافًا – يخفى – لعذرناه، ولكنه مشهور يعرفه أكثر من في الأسواق، والمخدَّراتُ في خدورهنَّ لاشتهاره، ولكن يحق على المرء أن يَخطِمَ كلامه ويزُمَّه إلا بعد تحقيق وميزٍ، ويعلم أن الله تعالى بالمرصاد، وأن كلام المرء محسوب مكتوب مسؤول عنه يوم القيامة مقلدًا أجر من اتبعه عليه أو وزرَه). انتهى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد