(1)

تعد إشكالية علاقة الإسلام بالعلم والحداثة إحدى أهم إشكاليات الفكر في العصر الحديث، يوجد خطأ يقع فيه الكثير وهو عدم التفريق بين الحداثة بمفهومها العولمي وبين النتاج العلمي البشري الذي أنتجته البشرية (العلم)، ومحاولة الخلط بينهما توحي وكأن الإسلام نفسه ضد التطور والنتاج العلمي البشري، وكأن رفضه هو محاولة للتمسك بالقيم الإسلامية وعدم البعد عنها، وكأن التعامل مع الناتج العلمي البشري قبولًا بالحداثة كمفهوم فكري أو محاولة للتخلي عن الإسلام أو علمنته.

نتج مفهوم الحداثة عقب عصر التنوير في أوروبا، وبالرغم من رفضي لتضمين مفهوم مثل عصر التنوير والحداثة من ضمن المفاهيم المصطلحية التي يلقب بها عصر من العصور؛ وذلك لأن بناء المفهوم على كلمة الحداثة في حد ذاته يدمر أي فكرة أصيلة لها تراث بحجية قدمها أو ماضيها، فاستخدام كلمة عصر التنوير والحداثة وكأن لا سبيل إلى التطور إلا بالتخلي عن قيمك الأصيلة القديمة لتلحق بركب الحداثة، والحقيقة أنه لم يأتِ عصر التنوير إلا بنتاج حضاري من الماضي أنتجه، ولم تقم الحداثة إلا ببناء حضاري من الماضي، وهو ما يعزز بأن المسمى في حد ذاته ما هو إلا احتكار للحديث واحتكار للمستقبل وكأن ما كان في العصور قبل عصر الحداثة لم يكن حداثة في حد ذاته لما قبله، وكأن ما كان في العصور التي قبل التنوير لم يكن تنويرًا، والارتباط غير المفهوم بتوصيف الحداثة اشتقاقًا من “حديث” وكأن أي شيء يخالفه من غياهب الماضي.

(2)
الحداثة ما هي إلا انسلاخ أي رابط قيمي وأخلاقي من أي شيء، وتقييم النجاح بعنصر واحد وهو العنصر الاقتصادي أو المادي فحسب، وقصر الاهتمام فقط على التطور والتقدم والتنمية الاقتصادية والمجتمعية وتعزيز قيم الاستهلاك، وكل القيم الباقية تعد قيمًا ماضوية، وهذا الانسلاخ في حد ذاته تأخر وتطرف ورجوع للخلف حتى لو تشكلت بشكل حديث أو سميت بمصطلح حداثة أو تطورت إلى ما بعد الحداثة.

توجد دوائر متشابكة بين الاسلام والعلم، والحداثة ما هي إلا قالب يستعمل لقولبة أي شيء ليتغير، وحتى إن كان هذا الشيء نفسه لا يرتبط بشكل كلي أو جزئي بالحداثة، فالنتاج العلمي البشري ما هو إلا نتاج علمي كقيمة منفردة، وهذا النتاج نفسه من الممكن أن يكون مكونًا أو له قالب حداثي، ومن الممكن أن لا يكون فيه قيم حداثية، فمن القيم الحداثية السعي وراء الاستهلاك بهذه الذروة فالفرد عليه أن يستهلك أي شيء، ولذلك وقوع قيم الاستهلاك للنتاج العلمي الحديث يعتبره الكثير حداثة، وهو كذلك، ولكن هذا لا ينصب على الناتج العلمي نفسه ولكن ينصب على القالب الذي يحتويه وهو قالب حداثي.

فبالنظر إلى منتجات التقدم التكنولوجي الحديث كالتلفزيون والموبايل والسيارة وغيرها يعتبره العديد من المسلمين “حداثة” وهي في الحقيقة نتاج علمي بشري تكنولوجي أفاد البشرية، ولكن تحول هذه الإنتاجات التكنولوجية من صناعات ثمينة لاستفادة مالكها منها إلى صناعات زهيدة الثمن رخيصة في قيمها الصناعية والتكنولوجية خدمة للسوق وآليات البيع وتعظيم الناتج المادي منها ودخول البشرية (الفرد) في القيم الاستهلاكية التي تفرض على الفرد الانسحاق داخل دائرة الاستهلاك البشع حتى لو لم يكن الفرد يحتاج تلك المنتجات فعليًا، ولكنه مرغم على تغيير سيارته وموبايله كلما عرض في الأسواق منتج جديد تماشيًا مع الخيار “option” الأوفر والأحدث وهو في ذلك قولبة ذلك النتاج العلمي بقالب حداثي.

وذلك يبين الفارق بأن ليس كل من امتلك أو استخدم أدوات التكنولوجيا الحديثة كالتلفزيون والموبايل والسيارة وغيرها فهو في ركاب الحداثة، ولكن من ينغمس في المضمون الاستهلاكي فقد تشبع بالحداثة تمامًا، وكذلك فالأسواق والمتاجر الكبرى التي انتشرت انتشارًا رهيبًا كإحدى علامات الحداثة وإغراق الإنسان في عالم استهلاكي مادي، فهل معنى ذلك بأن استخدام تلك الأسواق وشراء منها قائمة ما يحتاجه فعلًا هو حداثة في حد ذاته، أو بأن الدخول في هذه الأسواق والانبهار ببهرجة المعروض وشراء ما يبتغيه المرء وما لا يبتغيه تحت وطأة التسويق والاستهلاك ما هو إلا حداثة مفرطة؟

عند غياب قيم المحافظة على البيئة وانتشار التلوث والرضا بتعرض كوكب الأرض لشتى أنواع التغيرات المناخية والبيئية وتشويه البيئة والعبث في المحيط الطبيعي والجغرافي لصالح قيمة واحدة فقط ألا وهي زيادة النمو الاقتصادي ودعم التنمية والتطوير، ذلك الأمر في الحقيقة ما هو إلا حداثة ناصرت القيمة المادية على حساب باقي القيم السابقة. هل يستطيع الإنسان لجم نفسه بالاستغناء عن تقدم تكنولوجي جديد أو الاكتفاء بابتكار جديد يستطيع به مجابهة الحياة في سبيل الحفاظ على بيئة أفضل وأنقى؟ أم ستجبره الحداثة على قبول أي شيء في سبيل إشباع الرغبة المادية لصالح المنتج بزيادة اقتصاده ولصالح المستهلك المنغمس في النمط الاستهلاكي؟

وكذلك عند إهمال المباني الأثرية أو التراثية ومحاولة تغيير نمط أي مدينة ووجها الثقافي بغية فقط تطويرها وتحديثها وبغية الاستفادة المادية من علو قيمة تلك المباني التي تقع في أماكن معظمها يكون باهظ الثمن فيكون مصيرها الإهمال وعدم الاهتمام بسبب الرؤية الحداثية التي تهتم فقط بقيمة العائد والريع من قطعة الأرض، بينما لو كان العائد المادي لهذا المبنى التراثي يزيد بقاءه تراثيًا تجد الحفاظ عليه بسبب قيمته المادية، فتجد أن القيمة المادية هي محور القيمة، هي المحركة لها.

وكذلك في مجال تسويق الأدوية هذا المجال الذي تحول من تسويق لقيمة العلاج إلى هدف زيادة العائد المادي الاقتصادي لشركات الأدوية، وهو بالطبع شيء إيجابي. ولكن أن تختزل كل القيم إلى قيم اقتصادية بحتة ويكون الهدف الأوحد زيادة قيمة العائد المادي وفقط وزيادة الاستهلاك من ناحية المستهلك، وبذلك يتم تسويق الدواء بالزيف والتلفيق وعدم توضيح الإرشادات العامة ولا الآثار الجانبية وتكبير حجم إيجابيات الدواء وتقليل حجم سلبياته، وتمويل معامل الأبحاث العلمية تمويلًا ماليًا ضخمًا يهدف إلى تزوير نتائج علمية لصالح شركة ما، وتزوير نتائج أخرى ضد مستحضر طبي لشركة منافسة، كل ذلك يعتبر أن القيم المادية الحداثية دخلت مجال تسويق الدواء، لتفريغ أي مضمون قيمي والاتجاه نحو العائد المادي.

ولذلك تحاول الرأسمالية الحداثية تجميل ذلك الوجه القبيح بمحاولة الالتزام نحو المجتمع ببعض التدابير الخدمية المجتمعية تحت عنوان “المسئولية الاجتماعية” والتي تشكلها الشركات الكبرى عبر مؤسسات تتبع لها لخدمة المجتمع، في حين أنها بالأساس قائمة على فكرة زيادة الربح المادي بأي شكل حتى لو أتى على سحق طبقات مجتمعية أو التفريط في أي قيمة من القيم للفوز بالإضافة المادية الاقتصادية، ويتمثل ذلك أيضًا في الدول الرأسمالية الكبرى التي دائمًا مع تقوم بإبادة شعوب كاملة وهدم بنيتهم التحتية، ومن ثم تدعو لمؤتمرات إعادة الإعمار التي غالبًا ما تحتفظ شركاتهم بأكبر حصة منها كنوع من أنواع فتح أسواق اقتصادية جديدة.

(3)
هل العلوم الإدارية الحديثة والتسويق إحدى آليات الحداثة؟

وبمقتضيات السلوك الحداثي العام أصبح البعض يعد العلوم الإدارية الحديثة والمؤسساتية والتسويق والشبكية والتشعب هي كلها أدوات حداثية، وكأن ليس أدنى علاقة يجب أن تربط بين القيم الإسلامية وتلك الأدوات. بالطبع يجب أن نفرق بين تفريغ القيمة الإسلامية من مضامينها الثقافية والفكرية لكي تسوق وتنال رضا الجمهور أو أكبر فئة من الناس؛ فهذا الشكل بالطبع يعد علمانية تامة وتقولبت بقالب حداثي وبروح رأسمالية، ولكن استخدام العلوم الإدارية الحديثة والتسويق في حد ذاته لا يعد أمرًا حداثيا، ولكن تفريغ القيمة من مضمونها لكي يتقبلها البعض فهو حداثة، وتوجد عدة أمثلة كثيرة أهمها تحويل القيم الإسلامية ذاتها وكأنها أداة استهلاكية أو “إسلام السوق” كما وصفه الكاتب الفرنسي (باتريك هايني) في كتابه الذي يحمل ذلك المصطلح، المهم فيها هي نتائج تأثيرها بغض النظر عن كيفية الوصول للنتيجة.

ومن جانب آخر يحاول البعض ربط الأشكال التنظيمية للتيارات الإسلامية وكأنها إحدى سمات الإسلام وأخرى إحدى سمات الحداثة، فيفسر البعض بأن النظام الهرمي (ما اتبعته التنظيمات التقليدية) هو النظام المتبع في التنظيمات الإسلامية وكأن الأفكار الإسلامية هي التي أنشأتها، بينما النظام الشبكي (طبقة الدعاة الجدد في التأثير على شرائح عديدة في المجتمع بعيدًا عن الشكل الهرمي التقليدي) يعتقد البعض بأنه نموذج حداثي، لأن النظام الشبكي حديث عن النظام الهرمي التقليدي.

ومن يتتبع تاريخ النظام الهرمي في التنظيمات الإسلامية يجد أنه نظام جديد تبنته تلك التنظيمات كجزء من تطوير أدوات الاتصال بين أفرادها، وقد تمت الاستفادة من لوائح وأنظمة الجماعات والهيئات المجتمعية في أوروبا وتم استيرادها منهم، نستطيع أن نقول بأنه محاكاة للنموذج العسكري الهرمي (وهو نموذج حداثي)، فهل اتّباع ذلك النظام لا يعد حداثة بعينه إن تم الاتفاق على أن النظام الشبكي الذي طور من أدوات الإدارة والتواصل واستثمر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في فكرة الانتشار الشبكي العرضي عن النظام الهرمي الرأسي، فهل يعد النظام الشبكي حداثة والنظام الهرمي أحد خصائص تلك الحركات الإسلامية بالرغم من أنهما كنظامين تم استيرادهما من الغرب؟

ولذلك فإني أعترض على رؤية باتريك هايني في تفسيره لذلك في كتابه إسلام السوق، لأن كلا النموذجين الهرمي أو الشبكي يعد شكلًا إداريًا ابتكره البشر في أسس التواصل ويستطيع المرء استخدامه أو قولبته بقالب حداثي مفرغ عن أي قيمة سوى القيم المادية والاقتصادية.

ومن الممكن أن يستخدم استخدامًا غير حداثي. بالطبع أعرف مدى ارتباط النظام الشبكي بفكرة التسويق الشبكي التي اعتمدت عليها كبرى الشركات الرأسمالية لتعظيم عوائدها المالية، ولكن أيضًا استخدمت أنظمة التسويق الهرمية بنفس الاستخدامات للوصول إلى أكبر عائد مادي لأصحاب رؤس الأموال مع انتفاء القيم الأخرى الأخلاقية من تضرر باقي عناصر التسويق الهرمي من الخسارة أو عدم الربح أو الدخول في نمط استهلاكي لمنتج لا نحتاجه نشتريه ليس لغرض الاحتياج ولكن لغرض التشبيك الهرمي وفقط، ولكن كنموذج يصلح لاستخدامه بأي صورة كما أسلفنا.

وقد استفاد المسلمون من خبرات الحضارات والثقافات الأخرى في الأمور الإدارية والتنظيمية وإدارة الدولة على مدار التاريخ الإسلامي، ومن أبرز ما استفاد به المسلمون من الحضارات الأخرى هي “الدواوين”، “الترتيبات والتنظيمات الإدارية”، وهل تلك الاستفادة تعد حداثة أم لا؟ استحدثها المسلمون من الغير حتى لو كانت من عصر غير عصر الحداثة.

وهذا التفريق الذي يعد تفريقًا شبه صعب بعض الشيء ولكنه أساسي في فهم تلك المعضلة، حيث غلب على البعض محاولة تزييف تفسير القيم الإسلامية وكأنها تتقبل كافة القيم لكافة الموروثات الثقافية والأفكار الأخرى، وذلك ضغط من ضغوطات حداثية ومحاولة تسويق ذلك تماشيًا مع الواقع أو مع الحديث أو مع العصرنة، بينما غلب على البعض الآخر عدم المساس بأي أداة من تلك الأدوات، العلوم الإدارية الحديثة والتسويق والأنظمة الإدارية؛ وكأنها علوم أنشئت للحداثة ذاتها ولم يبتكرها الإنسان لكي تفيد البشرية.

(5)
تحويل القيم الإسلامية ذاتها وكأنها أداة استهلاكية (التدين المادي الظاهري)

ويعد التدين المادي أو الظاهري المهتم بالقالب العام الظاهر دون المضامين من أهم مظاهر توغل الحداثة حتى في قيمنا الدينية، أو نستطيع بالأحرى أن نقول عليه تحويل القيم الإسلامية ذاتها وكأنها أداة استهلاكية أو إحصائية تعنى وتهتم بالأرقام الإحصائية مع غياب لمدلول تلك الأرقام كواقع (نستطيع أن نقول اهتمامًا بالجانب المادي منها وفقط كنوع من أنواع العدوى الحداثية). ويظهر في ذلك تجلي ظهور حالة تدين مادي ظاهري بعيد عن مضمون عملي فعلي نستطيع أن نقول بأن الأمة تغيرت به.

فبالنظر إلى عدد المحجبات في المجتمع والذي تحول معظمه إلى حجاب استهلاكي أو حشمة استهلاكية بعيدة كل البعد عن تأثيرات الحجاب نفسه على المرأة المسلمة وتدينها، وكذلك عدد المصلين بالآلاف في صلوات التروايح وقيام الليل في رمضان حتى صرنا نزهو ونفخر بالصلوات ونطلق عليها الصلوات المليونية والألفية كُنية لعدد المصلين دون النظر إلى انعكاس تلك الصلوات لتلك الملايين أو الآلاف، فإذا انعكست بالفعل تلك الصلوات بخشوعها على هذا العدد من المسلمين أظن أنه لن يستطيع أحد أن يقف أمام قضايا وأهداف المسلمين، فصار الجانب المادي الحداثي هو ما يعنينا في حديثنا حتى عن صلواتنا وغياب القيم الأخرى (المضمون)، حتى تداخلت الحداثة لتغزونا في قيمنا نفسها وصار التقييم الوحيد هو أيضًا تقييم مادي نعبر عنه بأرقام بعيدًا عن أي مضمون.

ويعد تحويل شكل العَالم في الإسلام من عَالم ذي هيبة وقيمة إلى دعاة جدد يبسطون المفاهيم تبسيطًا يخرج المفهوم والقيمة عن مفهومها وتحويلها إلى بعض المفاهيم المستساغة بغض النظر إن كانت متفقة مع المفهوم الإسلامي الأصلي أم مختلفة وبعيدة عنه، وتحويل مسلك هؤلاء الدعاة من دعاة إلى قياديين أو تربوين أو مستشارين إداريين مختصين في التنمية البشرية وتطويرها والانكفاء على الفرد والشخصية الفردية والابتعاد عن قضايا الأمة الكبرى أو المصيرية بهدف عدم الاصطدام مع الدولة بصورة مباشرة، فهي محاولة حثيثة لقبول الدعاة الجدد بهذا الشكل والابتعاد عن الشكل الطبيعي للعَالم في الإسلام.

وهذا بالطبع لا يقلل من دور التربوي والمستشار الإداري والقيادي، ولكن للذين كان دورهم الطبيعي كذلك فهم مربون ومعروفون بأنهم مربون من أول ما ظهروا إلى ما صاروا إليه، وكذلك فهم قياديون أو إداريون ومعروفون بأنهم كذلك من أول ما ظهروا إلى ما صاروا إليه، ولكن أن يتحول الداعية من داعٍ إلى الله إلى فئة الدعاة الجدد إلى قيادي أو مستشار إداري والتخلي عن النمط التقليدي للداعية يعتبر قولبة حداثية أدخلت عليه أو تسويق المنتج ليصل إلى أكبر فئة، وهنا أعني التحول عن الحالة وكأن الحالة السابقة التي كان عليها لا يريد أن يظهرها، وكأنها لم تكن جزءًا من كينونته البنيوية، وكأن جزءًا من تاريخه يجب التبرؤ منه.

وهذا لا يطرح على سبيل حصر كل الأمثلة فبالطبع توجد اختلافات بينية ولا نستطيع حصرها كلها في هذا المنطق أو عكسه، وهنا أؤكد أن التنوع واجب في فكرة طرح القيم في المجتمع، فدور العالم دور رئيسي وكذلك دور الداعية بشتى أشكاله، ولكن ننقد هذا التحول المقيت كما أسلفنا.

وبالعودة إلى الحجاب وظواهره في الفترات الأخيرة نجد ربط الكثير بأن الحجاب ذا اللون الأسود وكأنه هو الحجاب الوحيد الشرعي، بينما من يطور ألوانه وأشكاله فيقع في المنظومة الحداثية والتي من أحد مؤشراتها الموضة.

وبالنسبة للموضة فهي أداة من أدوات الحداثة وهي تهدف بالأساس إلى تغير موضة كل عام عن العام الذي يسبقه؛ لكي تستطيع كبرى محلات الأزياء العالمية الشهيرة جني الربح المادي المضاعف عامًا وراء عام، وذلك أيضًا للهث وراء القيمة المادية الحداثية وفقط، وليس حتى بغية التجديد والتغير وذلك نستطيع أن نتفهمه كموضة جديدة، فتجد موضة قديمة زالت قام صانعو الأزياء والموضة بإحيائها مرة أخرى (بعد أن بليت بأيديهم أيضًا في لحظات سابقة لتسويقها بأنها قديمة) ليس إلا أن يتم تغير شكل الزي من عام لعام لتجد المستهلك يلهث وراء كل ما هو جديد بشكل استهلاكي مقيت، فهو لا يريد منه إلا أن يلبس ما هو جديد لأنه حداثي، وما اشتراه العام الماضي يُعتبر من الماضي حتى لو كان أكثر أناقة وجاذبية وأفضل صناعة، ولكن ما يعتريه بأنه قدم (لأنه مر عليه أشهر فقط فهو يعتبر قديمًا).

ولذلك فالفرق واضح بين اتباع الحداثة الاستهلاكية في الموضة في الحجاب وبين تطويره وتغير ألوانه، فلم يثبت بأن السواد هو الوحيد الشرعي أو الإسلامي وأن لبس لون آخر يعتبر مظهرًا من مظاهر الحداثة الدخيلة، بينما لو ارتبط الحجاب ارتباطًا خاصًا بالموضة الرأسمالية وصارت كبرى شركات أزياء المحجبات تعتنق الهدف المادي للموضة بالشكل الحداثي الاستهلاكي وليس حتى من باب التغيير أو التجديد فتحول الحجاب هنا إلى ظاهرة استهلاكية تسويقية تقولب بقولبة الحداثة وقيمها.

(4)
الإسلام ما بين الحداثة والاجتهاد

يظل هناك ضغط حداثي غربي هائل على المجتمعات التي لها موروث ثقافي وفكري كالمجتمعات الإسلامية والمجتمعات التي لها علاقة بنفس الإشكالية حتى لو اختلفت بيئتها عن العرب والمسلمين ولكن يعانون من نفس التغول الحداثي الغربي في موروثاتهم الفكرية، على سبيل المثال المجتمعات اللاتينية في أمريكا الجنوبية والمجتمعات الأفريقية أو الآسيوية، فهذا الضغط الهائل من الإصرار على انتزاع القيم الفكرية الرئيسية والاستسلام لصالح التقدم الحداثي الغربي يعد أهم إشكاليات العصر الحديث، وخاصة إن احتاجت تلك المجتمعات إلى اجتهادات جديدة مستمدة من موروثاتها الثقافية، لأن حالة الجمود والتخوف من الاجتهاد أدت إلى تبني النماذج الحداثية بشكل كامل من قبل أفرادها كأحد السبل المطروحة لحل أزماتها.

تظل إشكالية الاجتهاد إحدى كبرى إشكاليات العالم الإسلامي، فغاب الاجتهاد الجديد من المجتمعات الإسلامية تخوفًا من تغير وتبديل القيم الإسلامية (الثوابت)، فلجأ بعض الإسلاميين إلى فتح آفاق جديدة للاجتهاد بغيتها ليس الاجتهاد نفسه ولكن بغيتها الاجتهاد من أجل الحركة واتساعها (نستطيع أن نقول قولبة الأفكار بقولبة حداثية)، فنتج عنها خلل في الاستنباط والاجتهاد وكثير منها نستطيع أن نقول عليه اجتهادَ سوق أو تحت متطلبات الجماهير (إسلام السوق)، فتجد الكثير ممن تبنى تلك الاجتهادات عاد وتراجع عنها سريعًا وغير حتى في اجتهاده الجديد إلى اجتهاد أجدد، دون رابط أو حاكم.

قدم المسلمون كمفكرين وباحثين وفقهاء العديد من الدراسات حول الإسلام والحداثة، ونحتاج في الفترة القادمة إلى تضافر الجهود في مجامع فقهية وبحثية وعلمية وورش عمل تضم علماء وسياسيين وحركيين واجتماعيين لإنتاج حلول للمعضلات التي تواجه الأمة في علاقة الإسلام والحداثة، والنظر في الإنتاجات المختلفة التي قدمها العالم وأدواتها، وهل هي متعارضة مع قيمنا أم لا، وهل استخدامها بطريقة معينة يعد تضاربًا مع الشرع أم لا يعد كذلك، لأن حالة التخبط الشديد التي تعانى منها الأمة في محاولات حثيثة لإنتاج اجتهادات فقهية ليست بسبب الاجتهاد ولكنها بسبب ضغوط الحركة (الحداثة) كما أشرنا.

حيث عدم خروج تلك الاجتهادات من فقهاء أو علماء اجتماع وعلماء علوم سياسة بل من إسلاميين حركيين، جعل الاجتهاد في تلك المسائل يعد مسخًا من تحليل وتحريم وتفسير وتنفير لآراء كثيرة في أوقات بينية قصيرة جدًّا، كانت بأسباب أبعد ما تكون عن الاجتهادات الفقهية المدروسة، وإنما هي اجتهادات حركية وصلت حتى لتشكيك العديد بهذه الأطروحات وعدم الإيمان بها، ومن جهة أخرى على تلك المجامع إنتاج أدوات مختلفة تنطلق من ثوابتنا لتشكل نظامًا متكاملًا نستطيع تسويقه كرؤية عملية واقعية على الأرض، تستطيع أن تترجم الأفكار والقيم إلى أدوات تستعمل على الأرض؛ بديلًا من التغول الحداثي على مصطلحاتنا وأفكارنا وآرائنا، ذلك إن أردنا أن ننحي جانبًا أية أطروحات خرجت بعيدًا عن الموروث الثقافي والفكري للأمة، وبغير السير في هذين الطريقين لن نجني في المستقبل سوى ما نشاهده في الحاضر من عمليات لنقاش سفسطائي لا يقدم ولا يؤخر شيئًا.

(5)
تعامُل المسلمين مع الدولة الحديثة الناتجة من الحداثة
تعاملَ المسلمون المهتمون بتأصيل الدولة الإسلامية وعلاقتها بالدولة الحديثة أحد أدبيات الحداثة الغربية في أربعة اتجاهات:

الأول: الرافض لأي إنتاج من الإنتاجات الحديثة في العلوم السياسية كأحد استنتاجات الدولة الحديثة وأحد أعمدة الحداثة والعلمنة الغربية والتركيز على الحاكمية بوصفها عمادَ مفهوم الدولة في الإسلام وأساسًا رئيسيًا في التشريع معتبرًا التدخل في القانون تدخلًا وضعيًا كاملًا ولم يصنفه كاجتهادات بشرية حتى لو كان الشرع يحكم قواعده وأصوله، ووضع الحاكمية حائطًا أمام الاجتهاد البشري حتى في الفرعيات وليس في الأصول.

الثاني: عاش تحت وطأة ومنطق الرد على الشبهات مؤصلًا للدولة الإسلامية بتميع قيمها محاولة خلق إسلام سوق يبحث عن إرضاء جمهور المُتلقي نافيًا أي شبه واردة عن دينية الدولة في الإسلام والتأكيد على مدنيتها ومحاولة إبعادها عن أي سياق ديني، وهو بذلك أفرغ بعض قيمها لصالح قيم عامة، ومحاولة أسلمة كافة أدواتها ووضع تأصيل شرعي لكل أداة وكأنها خلقت من الأصل إسلامية المحتوى، تحت ضغط إعلامي وثقافي وتعليمي وضع أسس معينة لصالح منظومة شكل الدولة الحداثية فوجد نفسه مرهونًا للتوافق معه بأي شكل (من الممكن أن نصنفه اجتهادًا من أجل الحركة ومقتضياتها والضغط وليس اجتهادًا من أجل الاجتهاد).

الثالث: الكتابات المقارنة التي تحاول تأصيل شكل الدولة في الإسلام وخصائصها بشكل الدولة الحديثة الناتجة من الحداثة الغربية وتأصيلها والبحث في خصائصها، وهذه الكتابات تحررت من عقدة المرجع القياسي الغربي وكأنه هو الوحيد الذي له الحق في صك المصطلحات وضبطها وتعريفها، وتعاملت مع النموذج الغربي بمنطق الند لا بمنطق الاستسلام له والذي يفرض سيطرته، وعلينا فقط السمع والطاعة والاستنساخ، ولكن يظل محافظًا بين حاجز الاستفادة من الناتج البشري دون الإخلال أو التغول في خصائص الدولة في الإسلام، حيث كان حاجز وقوف الاجتهاد في فترات معينة عن اجتهادات أدوات جديدة تشكل رؤية الدولة في الإسلام أحد أهم الأسباب في عدم بزوغ خصائص الدولة الإسلامية ومعالجتها لكي تصبح صالحة في كل زمان ومكان، مع الحفاظ على قيمها وخصائصها دون ابتلاعها من قيم الحداثة ودون الوقوف عندها وعدم تطويرها أو الاجتهاد فيها (من الممكن أن نصنفه اجتهادًا من أجل الاجتهاد).

الرابع: عاش تحت وطأة ومنطق عقدة المفهوم الغربي والذي يلزم علينا أن ننهل مفهومه للدولة الحديثة والحداثة وقيمها والاستغناء عن أي موروثات ثقافية فكرية تنبع من أفكارنا الإسلامية؛ فهو مستسلم لحالة الانبهار بنموذج الحداثة الغربي ويأمل في تطبيقه على واقعنا العربي والإسلامي مع آمال بأنه الخلاص، وهو لا يعرف بأن الواقع مختلف والفروقات ما بين المجتمعين العربي والغربي فروقات جوهرية لا نستطيع عمل استنساخ لتجربة ذاتية دون الرجوع إلى تجارب كل مجتمع ومعرفة مدى مواءمتها ومدى انفصالها أو معارضتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد