إن انفجار بعض القضايا الإيديولوجية في بعض المنابر الإعلامية، والمحتويات الافتراضية التونسية والعربية يحيلنا إلى التساؤل أحيانًا عن مدى جدوى مبدأ الصواب السياسي ونجاحه في إخماد الكثير من النقاشات والإشكالات، التي لو جرى البت فيها لكان للكثير من الحقائق وجه آخر. فما يفعله الصواب السياسي هو عملية تجميل للمواضيع الشائكة والملغمة، مع تجنب الذهاب عميقًا في أي خلاف مخافة جرح مشاعر الطرف الآخر، أو فضح ما يخفيه البعض من حقائق قد تبدو رهيبة في نظر آخرين!

سيتضمن ما يلي فكرة عامة لما يطرحه أشرس المهاجمين لفكرة «الصواب السياسي»، المعاصر «سلافوي جيجك»،  مع الاستعانة ببعض الأمثلة الواردة على لسانه في محاضراته واسعة الجمهور،  كما سنحاول طرح بعض القضايا المحلية من وجهة نظره؛ لتكون الصورة واضحة للقارئ بعيدًا عن المتاهات الفلسفية والإشكالات اللغوية.

ما الصواب السياسي؟

 هو بكل بساطة «تجنب أي قول أو فعل من شأنه أن يستفز أو يقصي أو يهين أي مجموعة من البشر، مضطهدين اجتماعيًّا أو يتعرضون للتمييز»(1). ولكن ماذا لو لم تكن تلك المجموعة مضطهدة؟ ماذا مثلًا لو كنت غريبًا في مكان ما، فكيف أعرف ما لا يجب علي قوله؟ مثلًا لو اعتدت تناول كلمة بصفة عادية في محيط ما، ثم اتضح أنها تعد عيبًا لفظيًّا في محيط آخر، ما يعبر عنه بالملاءمة اللغوية، فهل أعتمد غيرها تفاديًا لما يعد «عيبا»، وهو ما يمكن أن يصل إلى تكويني ونشأتي، أم أتمسك بالخطأ على قياس ثقافة المكان على اعتبار أنها لا تشملني؟

اللاصواب السياسي هو الحل؟

الحل لكثير من المشكلات الاجتماعية هو تناولها عميقًا و الخوض فيها عوضًا عن تجنبها

إن جيجك يعد من أبرز من تناول الموضوع وعارضه(2)،  فيعتمد هذا الأخير على النكات الفلسفية، والتي عادة ما تكون عنصرية أو جنسية، وتتعارض مع مبدأ الصواب السياسي. كما أنه يلجأ  لاعتماد الكوميديا السوداء لطرح قضاياه، معتبرًا أن «الكوميديا هي جوهر الفلسفة الجدية» محتذيًا في ذلك بسقراط في مواجهة غرمائه. فيما يخص توجهاته، يعد جيجك من الماركسيين الجدد، حيث يشيد بالتجربة الصينية؛ لأنها اعتمدت حسب رأيه جوهر الشيوعية وديناميكية الرأسمالية. من جهة أخرى، يعد هذا الفيلسوف من أشرس المنتقدين للسياسات الليبرالية والليبرالية الجديدة، إذ يرى أن الحرية التي تروج لها هذه السياسات ما هي إلا حرية مزيفة في ظل افتقارنا لأدوات للتعبير عن عدم حريتنا، كما يرى أن الناس صاروا يسعون لتوفير السعادة بدلًا من الإحساس بها، في إشارة إلى ظاهرة الاستهلاك الإدماني العالمي.

وفيما يتصل بالصواب السياسي، يرى جيجك أنه أكبر تجل للنفاق البشري الجماعي، وأن الحل، حسب رأيه، للكثير من المشكلات العنصرية هو تناولها عميقًا والخوض فيها إلى أن تحل جذريًّا، أو على الأقل يبين كل فرد ما يكن وما يسر تجاه الآخر، فتبقى له حرية الاختيار في التعامل. فيرى أن كثيرًا من الموضوعات المعاصرة تحتاج إلى البت فيها، إذ طالت عملية تغطيتها وتجنبها، فهو يحذر من مغبة ذلك في ظل مرحلة ما بعد الحداثة التي بدأت تطل ومع تصاعد موجة الشعبوية في العالم، كصعود أحزاب يمينية في أوروبا، وتراجع المعتدلين سياسيًّا.

أوروبا، الإسلام وأفريقيا..إ متى النفاق؟(3)

كل الدول الإسلامية تمنع بناء كنائس جديدة

يرى جيجك مثلًا أن من أكثر  الموضوعات المحرجة في الغرب مثلًا هي تناول موضوعات تخص الإسلام؛ إذ يتحاشاها أغلب المفكرين مخافة أن يتهموا بالإسلام فوبيا وباستفزاز مشاعر المسلمين، ولكن في كل مرة، يقول جيجك، تطرح قضية ترتبط بالإسلام، كقانون منع بناء المآذن في سويسرا، والاستفتاء الشعبي حول ذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، إلا ويثور المسلمون ضد أوروبا كلها، في حين أن كل الدول الإسلامية تمنع بناء كنائس جديدة، وتسمح فقط بترميم الكنائس الموجودة بعد أخذ إذن خاص من أعلى مستويات الحكومية.

 بعيدًا عما يدعو إليه جيجك، فإن الأمر نفسه بالنسبة لحريات اللباس والسلوك، إذ إن أغلب الدول الإسلامية لها قوانين تنظم اللباس بدعوى الأخلاق، فتصنف بعض الملابس على أنها «ملابس فاضحة»، كما هو الحال في السودان مثلًا وللجدل حول ذلك سنة 2017، طبعا لكل مجتمع الحق في الحفاظ على هويته في إطار ديمقراطي، ولكن لماذا نطالب الغرب بالسماح بارتداء الحجاب والبرقع، رغم عدم توافق هذه الملابس مع هويته؟ أو ليست هذه من تلك؟ ألم يئن الأوان للانتهاء من هذه الكليشهات الواهية؟

 فلنذهب أبعد من ذلك، أتذكر استغراب كثير من الفرنسيين على مواقع التواصل الاجتماعي ونددوا، مما أسموه «شماتة الأفارقة» إثر هزيمتهم ضد المنتخب البرتغالي في نهائي كأس أوروبا 2016، وقد عددوا مناقب فرنسا التي تضم عددًا كبيرًا من المهاجرين وفضلها عليهم؟ لكن، أليست فرنسا ذاتها من تمص ثروات سبع دول أفريقية(4)، إذ تفرض عليهم التعامل بالفرنك الأفريقي ذي الصبغة الاستعمارية، والذي تربطه مباشرة بالبنك المركزي الفرنسي، متسببة بذلك في «فرملة» اقتصادية متعمدة لمستعمراتها السابقة، وما يصاحب ذلك من فقر وخصاصة؟ كل ذلك ويمن الفرنسيون بالفضل على الأفارقة الذين ركبوا مراكب الموت بعد رحلة طويلة في الصحراء الكبرى! ألم يحن الوقت بعد للصراحة؟ لماذا هذا الإصرار من السياسيين الأفارقة على الإشادة بدور المستعمرين السابقين، وخاصة فرنسا، في إرساء قواعد الحياة العامة في بلدانهم؟ مع أن الاستعمار والمستعمرين السابقين هم أصل الداء بتواصل سياساتهم الكوليانية، ولكن من الظل هذه المرة.

مسرحية النفاق الاجتماعي؟

 النكات العنصرية والجنسية.. مصالحة مع الذات والمجتمع

يرى جيجك أن الحل يكمن في أن أكبر احترام لنا، نحن المسلمين، هو معاملتنا كبالغين راشدين، ومناقشتنا ونقدنا بلا مراءات ولا نفاق، وتجسيد اللاصواب السياسي واقعًا مفروضًا بعيدًا عن محاولات التعاطف والتسامح المثير للشفقة، ويرى أيضًا أنه يجب احترام الأفارقة عبر التعامل مع لوننا بصفة عادية، وعدم إخفاء النكات العنصرية في حضورنا والتندر بها في غيابنا في مسرحية عنوانها النفاق الاجتماعي.

قبل أن أختم أود أن أشير إلى أن ما أردته من خلال هذا المقال، هو تقريب وتبسيط فكر هذا الفيلسوف، والتعريف به بعيدًا عن كل استعراض عضلات لغوي وتعنت فلسفي، إذ إن المطلوب هو أن يجد القارئ والمتلقي نصًّا لينًا يلبي تطلعاته في مادة سهلة الهضم، إذ طالما ساءني ما يعمد إليه العديد من الكتاب والمفكرين والمترجمين التونسيين من الغور في المفاهيم المعقدة المركبة، والتي لا تتلاءم مع عربيتنا، ولا يفهمها إلا عدد بسيط من المتخصصين، وهو ما يفسر القطيعة بين عموم القراء والنصوص التونسية خاصة، والعربية عامة.

ختامًا، أود أيضًا أن أنبه إلى أن ظاهرة حراس الضمير  كذلك يجب أن تنتهي، وهؤلاء الأشخاص الذين يتربصون بكل من تصدر عنه كلمة، يمكن أن تفسر حسب الأهواء، ليحرروا فقرات في الأخلاقيات والسلوكيات، ومحاضرات طويلة لتنتهي بمحاكمة تصنيفية، بالرغم من أن الأدوار يمكن أن تنقلب في أي لحظة بعد قراءة أي كتاب أو مشاهدة أي فيلم، فلماذا التشدد مع الأفكار واعتبارها جرائم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد