أصبح طرح الذات العربية واتجاه انتمائها يعرف جدلًا واسعًا، بل محاكمة من طرف الإسلام والعلمانية مفادها: إلى أي جانب أصبحت تنتمي الذات العربية؟ تزامنًا مع النكبة العربية، طرح تساؤل عن سبب هذا الانهيار هل هو راجع للعروبة؟ أم راجع إلى التخلي عن الإسلام؟ أم راجع إلى العلمانية؟ إذ يرى بعض العرب في نكستهم أن سببها هو تخليهم عن الإسلام وتقمصهم المنطق العلماني الكمالي، كما اتهم البعض الآخر الالتصاق بالإسلام والتخندق وراء أفكار وهويات دينية هو من جعل الشعوب العربية غير عصرية.

كان العرب في البداية أكثر قابلية لفكرة تتريك القيادة أو الخلافة، خاصة وأن الدولة العثمانية كانت تنسجم معهم في عنصر الإسلام، علاوة على أنها تحارب أطرافًا لطالما كانت في نظر العرب مصدر عداوة وصراع، وحتى الآن – في سياق المقال- لم تتعارض العروبة والعثمانية بسبب البعد الإسلامي، فحدث انسجام وتقارب بين الهويتين وطبعت بالثقافة الإسلامية كقاعدة ومبدأ ديني تنطلق منها هذه الحضارة.1

بالنسبة للعرب وفي فترة ضعف، رأوا في الخلافة العثمانية حماية لجوهرهم العقائدي، كما أنها تمكنت من نقل أرض المعركة إلى ديار العدو، فتجنب العرب بفضل الأتراك فكرة أي غزو محتمل أو حملات صليبية على الأراضي والمقدسات، ما خلق حالة من الراحة الثقافية في العلاقات العربية العثمانية عصبها الرئيس الإسلام.

ونتيجة للتراجع العثماني وبداية التفكك، بدأ العرب يفكرون جديًا في أن الدولة العثمانية لم تعد ذلك الشريك أو الراعي، الذي يمكن الاعتماد عليه للحفاظ على الذات العربية الإسلامية، فأخذوا على عاتقهم تبني كفالة فكرة القومية، منتشرة عن هذا التبني فكرة القومية العربية، يميزها في ذلك طغيان منطق العروبة على المشهد السياسي والاجتماعي دون تغييب عنصر الإسلام.

لم يكن هذا المفترق بين العرب والأتراك بالصدمة، بل كان تراكميًا بدأ بالهزائم العسكرية، مرورًا بالضعف الداخلي، انتهاء باعتناق الأتراك سياق الكمالية، وتم في هذه المرحلة فصل الدين عن السياسة، الوضع الذي أدى ميكانيكيًا إلى انفصال العرب عن الأتراك حضاريًّا، وهنا بدأ السؤال العربي يطرح نفسه: هل السبب في الإسلام ودمجه في السياسة، أم في الابتعاد عنه؟

لوقت قريب، وربما ما يزال، ما زالت الذات العربية تتغنى بالفتوحات الإسلامية، وما زالت ترى في أن الأمة ما يزال فيها تلك المقدرات التي يمكن أن تفتح بها العالم من جديد، ظنًّا منها أن الأمة تعيش مرحلة ضعف مؤقتة سرعان ما سيزول، وتعود مقادير القوة إلى طبيعتها.

جدير بنا إخضاع انتصار المسلمين إلى دراسة البيئة المحيطة بهم وقتها، فقد انتصر المسلمون في معركتهم في أوروبا لأنها كانت صليبية محرفة باطلة، وكانت حرب عقيدة ودين، وكان الإسلام في الجانب الصحيح، أما الآن فقد عرفت أوروبا ثورة ضد الصليبيين، وانتصرت بذلك المدنية وغيبت الدولة الثيوقراطية، وتوجه الأتراك للعلمنة، ما يؤكد أن العالم أصبح يعرف مقاييس ومعايير جديدة تخضع اللعبة السياسية لمنطقها وقواعدها.2

من الإنصاف أن نذكر أن الذات العربية فهمت أن سبب التردي والتراجع يكمن في الابتعاد عن الإسلام، ولكن الخطأ كان في الحلول؛ والتي كانت حلولًا عكسية زادت من التشدد والتطرف، وأعطت صفة العروبة طابعًا إسلاميًا مركزًا، كان له الأثر البارز في تكوين حالة من عدم الفهم والتفسير، ما نتج عنه إسلام جديد أكثر تشددًا وراديكالية، يؤسس لمسلمة مفادها أن الغرب كافر لن يقهره إلا التشدد والحرب.

هذه القراءة كانت صحيحة في زمن مغاير، ويسبق الوقت الحالي بقرون، فكل زمان له مسلماته وبديهياته، فما كان بالأمس ضرورة أصبح اليوم مستغنى عنه، وما كان بالأمس من الكمالية أصبح اليوم من الضروريات، فدائمًا أول فكرة تكون كمالية لتخضع لعامل الوقت الذي يدمجها في نسق الحياة، لتصبح من الضروريات تتعرقل دورة الحياة بانتفاء وجودها، كذلك الأمر بالنسبة لفتح أوروبا من جديد، فالزمن الحالي أصبح يعرف متغيرات جديدة، كالبعد الاقتصادي، والعولمة، والنظام العالمي الجديد، إذ لا يمكن للأمة أن تقوم بحملات دينية في عالم يخضع لمنطق الواقعية، فمن السذاجة أن نلغي المعاملات الاقتصادية، والدخل القومي ، والموارد ، ونحاور العالم بفكرة الفتوحات الإسلامية إما الإسلام أو الحرب، حتى وإن كان منطق الحرب واردًا، فمن المؤكد أنها لن تكون بالسيوف.

إن انتصار المسلمين على الغرب وقتها كان مرده إلى خضوع أوروبا لدين مزيف ومحرف، أما الآن فقد حقق الغرب نقلته الحضارية على حساب الكنيسة، وأصبحت طرق التعامل ترضخ لاعتبارات أخرى، في حين بقيت العروبة تراوح مكانها، وبقيت ترى بأن الغرب عدو مشروع محاربته، مستندة في ذلك إلى الرؤية الإسلامية لذلك، إذ لم يتم فهم الإسلام بأنه منهج في الحياة يساعد على التكيف والتحديث مع العالم وتغييراته المتسارعة، كما أن معالمه صالحة لكل زمان ومكان.

من هذا المنطلق جدير بنا أن نذكر؛ أن منطق الصراع دائمًا ما يخضع إلى منهجية الغالب، والنظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لا يخضع للاعتبارات الدينية والأيديولوجية، إذ إن الولايات المتحدة انتصرت في صراع عالمي، ولم يكن لها أي عمق تاريخي أو ديني فيه، بل انتصرت على دولة ذات قاعدة ومرجعية تاريخية، وعلى هذا الأساس أصبح الصراع والحوار يخضع للمقاييس الأمريكية، بل إن العالم أصبح يسير وفق المنطق الغربي، الاقتصاد والهيمنة الفكرية والثقافية.

لسوء فهم أو إفراط في الفهم، تتخبط العروبة بين الطرحين «الإسلامية – العلمانية»، إما لأنها أيقنت أن النصر في الفتوحات وكذلك التوسع العثماني كان سببه الإسلام، فأطنب التفكير العربي في ذلك وأنتج إسلامًا متطرفـًا، وإما أنها فهمت في العلمنة حلًا، لأن التفاعلات العالمية الجديدة أصبحت تغيب البعد الديني، ولذلك يجب عصرنة الذات واللحاق بالركب ظنًا منها أن الالتزام بالدين تخلف.

دلالات أخرى وبعيدًا عن الغرب، وإنما في أقصى الشرق، قوة ثقافية حضارية تغزو العالم، إنها الصين، والتي تجتاح العالم اقتصاديًا، محيدة أي طرح أيديولوجي أو عقائدي، فهي تفتح العالم اقتصاديًا وتجاريًا لا كنفوشيوسيًا ولم يتأثر الإنسان الصيني لا في ثقافته ولا في تراثه بالغرب بعد الانفتاح عليه، بل أصبح الفرد الصيني معروفًا عالميًا بل يؤثر، لقد أدركت الصين أنه لا يمكن الاستغناء عن الثقافة، ولكنها أخذت في الحسبان مقاليد الحوار السياسي العصري، فجرى ويجري تحديث هويتها مع ما يدل على أنها في القرن الحادي والعشرين، إذ نجوب اليوم بيكين فنجد احدث التكنولوجيات وكذا ناطحات السحاب، لكنها وبمجرد مشاهدتها تدرك أنك في الصين، لأن الصينيين فقهوا أنه يجب أن يحافظوا على ذاتهم بجعل الروح الصينية تسكن العصرنة والأمور الغربية.

مرة أخرى نعود إلى التيه العربي، والذي ما يزال يؤمن بفكرة أن الدين هو الحل دون الفهم الجيد والعميق له، رغم أن الإسلام لم يكن يومًا مانعًا سبل الحياة السعيدة والعيش الكريم، فبقدر ما فيه من موانع، بقدر ما فيه من أضعاف هذه الموانع من ترغيبات في أمور دنيوية، كما أنه أوصى بالعصرنة مركزًا في ذلك على العلم وجعله العصب والروح للدعوة الإسلامية، وليس التفسير الخاطئ لمن يستدلون به: «لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، وهذا موطن آخر بعيد كل البعد عن سياق طرحنا ، كما حدث الإسلام على الحوار بين الشعوب وشدد عليه، وجعل من بين أركان اكتماله الإقرار بالرسالات والكتب السماوية الأخرى، وشدد النبي محمد – عليه الصلاة والسلام- ومن خلفوه على حقوق الملل الأخرى وأهل الكتاب.

إن طرح هوية بعيدة عن الدين والاستدلال بنجاح الغرب لذات السبب، هي دعوة باطلة فاقدة لبعد النظر وضعيفة، كما في الوقت نفسه الابتعاد عن الأصل والذات يخلق مجتمعًا ممسوخًا فاقدًا لهويته، وكأنما ذلك الابن غير الشرعي لنظام دولي جديد، إذ إن الانسلاخ من الدين يعني أننا لن نتميز عن صاحب الفكرة ونصبح بذلك في تبعية، لا تباين وتثاقف حضاري، وما يفسر ذلك أن الأتراك بدأوا في طرح الإسلام كهوية لتركيا لإثبات وجودهم، مع سعيهم الحثيث في الانضمام إلى أوروبا الصليبية العصرية.

يبقى طرح تصنيف الذات العربية إلى إسلامية أو علمانية، إشكالًا جدليًّا، إذ إن فكرة غزو العالم وفتحه تخضع لأدوات ذلك الوقت، كما أنه يجب المزاوجة بين العصرنة والهوية، وقتها لن يعرف الوضع تطرفًا لإثبات الوجود، ولا إلى العلمانية كذلك، وإنما لتحيين الفكر العربي، فما دام الإسلام أصلح فمن الأكيد لو أخضعناه لعوامل نجاح الغرب نفسها لكان هو المنتصر، وقتها سنفتح العالم من جديد، وتستقر الذات على وضع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد