يرجع السياق التاريخي لظهور العبودية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى عصر ما قبل الإسلام. غير أن مجيء هذا الأخير لم يمنع من استمرارها في المجتمعات الإسلامية إلى حدود أواخر القرن العشرين. فما هي الأسباب التي كانت وراء استمرار ظاهرة العبودية في المجتمعات الإسلامية؟ وما هو الموقف الرئيس للإسلام من العبودية؟

غالبًا ما يتم الترويج لصورة يوتوبية تدعي أن التشريعات الإسلامية المتعلقة بالرق تحاول تضييق الخناق على استمراريته وتجفيف منابعه. وذلك من خلال – على سبيل المثال لا الحصر – جعل عتق الرقاب ككفارة لإفطار الصائم، التشجيع على قبول المكاتبة… إلخ. زد على ذلك أن الإسلام أوصى باحترام العبد والنهي عن تحميله ما لا يطيق. لكن أليس هذا اعترافًا ضمنيًا بأن الإسلام لم يحرم العبودية بشكل قطعي؟

موقف الإسلام من ممارسات عدة كالجنس خارج إطار الزواج أو شرب الخمر مثلًا، موقف حازم وثابت ومدعوم بآيات قرآنية لا غبار عليها. إذًا ما الذي منع الإسلام من اتخاذ نفس الموقف تجاه ظاهرة الرق؟ وما الحاجة إلى عتق الرقاب لو تم تحريم العبودية أصلًا بشكل قطعي؟ المفارقة أن التشريعات الإسلامية تتسم بالتشدد في غير موضع التشدد والتساهل في غير موضع التساهل. بتعبير آخر ألم يكن الأجدر أن يكون موقف الإسلام أكثر يسرًا وتساهلًا في الممارسات ذات الطابع الفردي التي لا تضر الغير، ويكون في المقابل أكثر حزمًا فيما يتعلق بإلغاء الرق الذي يضر الغير بشكل مباشر ولا إنساني؟

إن القول الشائع بأن الإسلام لم يحرم العبودية حقيقة لا يمكن إنكارها. غير أنه لا يمكننا إنكار حقيقة أن الإسلام لم يشجع العبودية أيضًا. وبالتالي فموقف الإسلام بهذا الخصوص اتخذ حيادًا سلبيًا تظهر معه حقيقة أن إلغاء العبودية لم يكن أولوية كبرى. هذا الحياد السلبي فتح الباب على مصراعيه أمام تأويلات رجال الدين الذين أبدعوا في اجتهاداتهم لفرض الرق كأمر واقع والتطبيع معه كممارسة عادية.

المذهب المالكي – الذي يتم الافتخار به في المغرب كمذهب وسطي – كان من بين المدارس الفقهية التي استغلت الحياد السلبي للقرآن تجاه الرق ولعبت دورًا كبيرًا في استمراريته ومأسسته. لقد أنتج المذهب المالكي فتاوى أقل ما يمكن وصفها بها أنها مدعاة للسخرية وتشوبها الكثير من التناقضات. من بين هذه التناقضات أن أنس بن مالك – حسب شوقي الهامل – تعامل بانتقائية كبيرة في التشريعات المتعلقة بالرق. فمثلًا يستعمل المذهب المالكي ألفاظ «العبد والأمة» للاستدلال على العبيد والتطبيع مع العبودية، وهي ألفاظ نهى النبي عن استعمالها وتجنبها القرآن وفق الهامل (بالرغم من أنني أختلف معه في هذه النقطة لوجود آيات قرآنية ورد فيها لفظ العبد وتشير بشكل غير مباشر للعبودية). من جانب آخر، فالعبد – في الفقه المالكي – لا يملك صلاحية الإدلاء بشهادته أمام القاضي. ومن بين التناقضات الأخرى والأكثر غرابة في هذه المدرسة الفقهية، تحريم قران امرأة حرة بعبدها. لكن في المقابل، لا حرج في أن يشبع الرجل – الحر – رغباته الجنسية من جاريته مع تحريرها والزواج بها في حال تمخضت علاقتهما عن ولادة!

إن الفراغ الذي أحدثه غياب موقف قطعي يلغي الرق بشكل نهائي في النص القرآني إضافة إلى التأويلات والفتاوى التي تفننت فيها المدارس الفقهية – المذهب المالكي بشكل خاص – لا يجعلنا نستغرب عندما رد السلطان الحسن الأول على المبعوث البريطاني السير جون دروموند هاي (الذي زار المغرب في أواخر القرن التاسع عشر مقترحًا على السلطان المغربي إلغاء الرق) متشبثًا بموقفه قائلًا: إن الإسلام لا يحرم الرق. ولن نستغرب أيضًا حين تأخرت المجتمعات الإسلامية – التي كانت من المفروض أن تضرب المثل في الإنسانية واحترام الآخر – عن ركب الحركات المناهضة للرق في الغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد