النظام السياسى فى الإسلام

في النصف الأول من القرن المنصرم، وبعد سقوط الدولة العثمانية التي كانت تمثل خلافة المسلمين، ظهر كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لـ«علي عبد الرازق»، وادعى في الكتاب أن الإسلام دين لا دولة؛ بمعنى أن الإسلام ينظم علاقة الإنسان بربه، ولا يتدخل في السياسة والحكم، وانبرى علماء الأمة في عصره من الأزهر الشريف وغيره على مستوى العالم بالرد عليه (1)، بل وتم اتخاذ إجراءات قانونية صارمة معه، وفُصل من هيئة علماء الأزهر.

لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، فتتابعت حرب ضروس على مستوى الفكر بين أصحاب الفكر العلماني والإسلامي، حول حقيقة وجود مفهوم النظام السياسي في الإسلام؛ وهذا الخلاف منطقي فكلا الاتجاهين متعارضان، لكن مع الألفية الجديدة حدث في الأمر تطورًا رهيبًا، وخاصة مع بزوغ نجم المدرسة المقاصدية، التي ادعى كثير من أصحابها أن السياسة الشرعية خاضعة للواقع وفقه الممكن، وتُبنى على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وهذا الأمر لا يختلف عليه اثنان، لكن أن تعتبر هذه الأمور هي أصول السياسة الشرعية، تجعلنا نترك النص، ونخالفه بناء على هذه الدعوات، والحقيقة أن إشكالية هذا الأمر مبنية على تصورين أساسين، لو تم ضبطهما، ينتهي جزء كبير من هذه المعضلة.

الأول: هل نص الوحي من القرآن والسنة مصدر أساسيّ في العملية السياسية؟

الثاني: هل كل النصوص الشرعية هي محل تطبيق وتفعيل؟ وهذا التصور الكبير قائم على عدم التفرقة الواضحة بين جانب الاستراتيجيات والمنهجيات العامة في التشريع السياسي(2)، وبين الأدوات التي تتغير بتغير الزمان والمكان والحال.

وعدم وضوح هذا التصور في كثير من أبناء الأمة، يجعلها إما تلتزم حرفيًا بجميع النصوص، فتفسد أكثر مما تصلح، وإما على الجانب الآخر تتخلى عن هذه النصوص لعجزها عن تطبيقها، فتخالف أوامر الله ونواهيه.

لذلك يمكن أن نتصور المقال الأخير والذي كتبه الأستاذ الدكتور «الريسوني»، والذي ادعى فيه أن الدولة في الإسلام هي من الوسائل، وأن الحركات الإسلامية تجاوزت، حيث اعتبرتها من الأسس التي يبنى عليها الإسلام، مما أثار بعض ردود الأفعال على هذا المقال، وإن كانت دون ما أثير حول كتاب «الإسلام وأصول الحكم».

ومن وجهة نظري هناك عبارات تعد خطيرة جدًا في هذا المقال منها: لا نجد في شـرع الله -تعالـى- نصًا صريحًا آمرًا وملزمًا بإقامة الدولة، كما لا نجد في شأنها نصوصًا في الترغيب والترهيب على غرار ما نجد في سائر الواجبات. وإنما تقرر وجوب إقامة الدولة، ووجوب نصب الخليفة، من باب الاجتهاد والاستنباط، ومن باب النظر المصلحي والتخريج القياسي، وامتدادًا للأمر الواقع الذي تركه رسول الله.(3)

والحقيقة أن نصوص تنصيب الخليفة، والتي يترتب عليها نتيجة طبيعية في تكوين وتأسيس الدولة هي كثيرة جدًا في الكتاب والسنة، بل وأجمع على ذلك صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسارت على هديهم الأمة عبر قرونها، ولا نجد أحدًا شذ عن ذلك إلا ما قيل عن الأصم، لذلك يقول الإمام «القرطبي» -رحمه الله-: ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حججهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إمامًا يتولى ذلك. ودليلنا قول الله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}، وقوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ}، وقال: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} أي يجعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآيات، وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين. (4)

ونجد اهتمام «الصديق» قبل وفاته في اختيار الخليفة من بعده، وكذلك «الفاروق» في إمهال فريق الشورى ثلاثة أيام فقط لاختيار الخليفة من بعده، فكل هذه الدلالات تعطي إشارة واضحة حول اهتمام الصحابة -رضوان الله عليهم- في تنصيب الإمام وإقامة الدولة.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد