الدولة فى المرحلة المكية

إن من أكبر الإشكاليات التي تواجه هذه العقول التي ترفض وجود نظام سياسي في الإسلام، أنهم يحاولون تفسير الحكم النبوى فى المرحلة المدنية على أنه حالة ضرورة، فى قيادة مجتمع المدينة، وليس جانبًا تأصيليًا تشريعيًا، في الشريعية الإسلامية، كانت ملامحه واضحة في ذهن النبي – صلى الله عليه وسلم – لذلك سنحاول هنا أن نذكر الإشارات السياسية في المرحلة المكية، كإشارة واضحة إلى أن النبي – صلى الله عليه وسلم – يسعى ومنذ البداية إلى إقامة دولة، وترسيخ نظام سياسي يحقق العدالة الإلهية على الأرض، ومن الأمثلة الواضحة على هذا الأمر:

1- المشهد الأول: روي عن ابن عباس، أنه قال: لما مرض أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبي ﷺ وعند أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: «إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية». قال: كلمة واحدة؟ قال: «كلمة واحدة» قال: «يا عم يقولوا: لا إله إلا الله» فقالوا: إلهًا واحدًا ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. قال: فنزل فيهم القرآن: ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق. (ص: 2)[1].

وفي هذا الحديث دلالة واضحة، على اتجاه النبى ﷺ إلى تأسيس الدولة، حتى ولو أسلمت قريش، وهذا قيد مهم؛ لأن البعض قد يتصور أن دولة المدينة، كانت ضرورة لمواجهة تكذيب قريش، وبالتالي نقول: كيف للعرب أن تدين لقريش، وتدفع لهم العجم الجزية، إلا إذا كان هناك دولة، وجيش، ومؤسسات اقتصادية، تجمع هذه الأموال، ولها ضوابط وقوانين فى الجمع والتوزيع، وهذا ما تم بالفعل في المرحلة المدنية، وأصبحت واضحة جليلة لا يختلف عليها أحد من المسلمين، لكن قوة هذه الحادثة في الاستدلال، أنها كانت في المرحلة المكية، وتقريبًا في العام العاشر من البعثة، وهو العام الذى توفي فيه أبو طالب عم النبي ﷺ، بل قبل وفاته، ولا زالت نصرة النبي ﷺ من عمه باقية، فما الداعي من النبي ﷺ في التفكير بأمر الدولة، بل ما قاله النبي ﷺ، يدخل في الغيبيات، التي لا سبيل لمعرفتها إلا من الله، لذلك نقول، أن طبيعة هذا الدين وهو كونه عقيدة وشريعة ودينًا ودولة يعلمها النبى ﷺ منذ البداية.

2- المشهد الثاني: عن خباب بن الأرت، قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون[2]».

ووجه الاستشهاد بهذا الحديث، هو قريب مما استدللنا به في الحديث السابق، وهو أن النبى ﷺ بشر بالنصر، وإتمام الدين وكماله، والأمن في مناطق الجزيرة العربية، وهذا دليل واضح على التنبؤ والإخبار بالغيب من النبي ﷺ، بقيام دولة تنصر هذا الدين، وتؤمن الطرق، حتى يأمن المسافر على نفسه وعرضه وماله، ولا يخشى إلا الله،

ولتوضيح الأمر أكثر نقول: إن النبي ﷺ وعد بتمام الدين ونصره، والأمن، ولتحقيق هذا يمكن أن نضح احتمالين:

الأول: أن الجزيرة العربية تدخل سلمًا في دين الله، وتصبح الأخلاق هي الحاكم الأول، وهذا التصور يكذبه الواقع، فقد حارب النبي ﷺ، كثير من قبائل العرب وعلى رأسهم قريش، كما أن إيمان الناس جميعًا نفاه صريح القرآن وصحيح السنة.

الثاني: أن تؤسس دولة وهي التي تحمي المسلمين، وتدافع عنهم وتؤمن طرقهم، وهذا هو الذى يقرره الواقع، وهو الذي حدث بعد ذلك بالفتوحات الإسلامية، ففي رواية عدى بن حاتم قال: «فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله»[3].

ومعلوم أن عدى بن حاتم  عاش أكثر من 100 عام، فقد مات في خلافة معاوية، فرأى ملك الإسلام وفتوحاته والتي أنهت أكبر طواغيت الأرض الفرس والروم، ولا يمكن للأمة أن تواجه طواغيت الأرض، وتحقق الأمن للناس إلا إذا كان لهم دولة، وقوة، وهذا ما بشر به النبي ﷺ، أصحابة وهم ضعفاء مضطهدون في مكة، وكذلك بشر به عدى بن حاتم حين قابله، ورأى ضعف المسلمين عددًا وعدة، فبين له النبي ﷺ، اننا سنملك الأرض وستدين لنا الناس، ويتحقق الأمن بعدل الإسلام، وكان ما بشر به النبي ﷺ.

3- والمشهد الثالث الذي نؤد ذكره هنا هو موقف عرض النبي ﷺ دعوته على بني شيبان وطلبه النصرة منهم، وبعد حوار طويل ذكرته كتب السير قال له المثنى بن حارثة ولم يكن أسلم بعد قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا، واتباعنا إياك على دينك، وإنما نزلنا بين ضرتين، فقال رسول الله ﷺ: ما هاتان الضرتان؟ قال: أنهار كسرى ومياه العرب، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى لا نحدث حدثا ولا نئوي محدثا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نئويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله ﷺ: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه الله من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلًا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم، ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه[4].

وهذه الرواية من أهم الروايات التى تدلل على الفكر السياسي الواضح في منهج النبيﷺ، بل إن الرسالة الواضحة أن النبيﷺ يطلب النصرة، من بنى شيبان، في مواجهة كل من يقف فى وجه الدعوة، والأغرب حقيقة في هذه الرواية هو ذلك الفهم الراقي والعميق لطبيعة هذا الدين، من عرب أميين، فرغم أن الرواية لم تذكر أن النبيﷺ أخبرهم بشيء عن طبيعة الإسلام سوى ما أعلنه منذ بداية دعوته، من التوحيد الخالص والعبادات ومكارم الأخلاق، لكن أدرك هؤلاء أن الملوك لا تقبل هذا وتكرهه فقال سيدهم: إني أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نئويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، ففهموا أن هناك مواجهه ودولة وحروب، وعهد وسلم،

كما أنه من الدلالات الهامة، هو رفض النبي ﷺ هذا الشرط، وقوله مقولة واضحة: وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه الله من جميع جوانبه، فهل يعقل بعد هذا كله، أن يقال أن الدين عبارة عن شعائر عبادية وقيم أخلاقية فقط، هذا الفهم المعوج تكذبه الروايات وفعل النبيﷺ.

4- وأيضًا أورد أصحاب السير قصة النبيﷺ مع بني عامر فقالوا: (.. وأنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس، والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء، فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك! فأبوا عليه[5].

ويقول الأستاذ منير الغضبان وهو يعلق على على هذه الرويات: إن من نعمة الله علينا أن نجد بين أيدينا نصوصًا عن أحلاف لم تتم لأنها تكون هادية لنا على الطريق نتعرف من خلالها على ما يحل لنا وما لا يحل في مجال المعاهدات والأحلاف السياسية، ولو لم تتعثر هذه المباحثات، لم نتعرف على حدود الحركة السياسية النبوية التي نتوخى من خلالها حدود حركتنا اليوم، أما المحادثة مع بني عامر بن صعصعة، فقد تعثرت لسبب واحد هو أن رسول الله ﷺ لم يعدهم بأن يكون لهم الحكم من بعده، وهي التي جعلتهم يرفضون إيواءه ونصره كما قال زعيمهم بيحرة بن فراس: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، وبذلك خط لنا رسول الله ﷺ خطًا إنه مهما كانت حالة الضعف لدى الحركة الإسلامية فلا يحق لها أن تفاوض على إقرار غير المسلمين على باطلهم، والاعتراف لهم بحق الحكم بغير شريعة الله. فالأمر ليس ملكًا يورث، إنما هو شريعة تسود، ولا بد من التفريق بين الأمر الواقع، وبين إقرار المسلمين به وموافقتهم عليه. وأن يكون باسم الإسلام بعد ذلك. فليست القضية هي حكم أشخاص بذواتهم وأعيانهم في الإسلام إنما هي حكم من ينفذون شريعة الله، وعندما يدخل الناس في دين الله، ويحقق الله تعالى موعوده بالنصر. فلا يحق لفئة مشركة أن تتسلط على الحكم والسلطة، بحكم أنها كانت تناصر هذه الدعوة وتساندها.

ويتابع معلقًا على وفد بنى شيبان: وبذلك انتهت المفاوضات دون تحالف؟ لأن بني شيبان قدموا الحماية حسب إمكاناتهم على العرب فقط. أما كسرى فلا، فلقد عاهدوه أن لا يحدثوا حدثًا أو يؤوا محدثًا، ولعل كسرى يغضب أشد الغضب لو علم بذلك، فهو أمر تكرهه الملوك، إن الحماية المشروطة أو الجزئية لا تحقق الهدف المقصود، فلن يخوض بنو شيبان حربًا ضد كسرى لو أراد القبض على رسول الله ﷺ وتسليمه، ولن يخوضوا حربا ضد كسرى لو أراد مهاجمة محمد رسول الله وأتباعه، وبذلك
فشلت المباحثات، وأحب رسول الله ﷺ أن يغزو قلوب بني شيبان بأن حدثهم عن موعود الله بنصره، وأنهم ورثة الأرض من دون المشركين إن هم آمنوا بالله ورسوله وسبحوه[6].

وللحديث بقية.


[1] – الحديث أخرجه أحمد والترمذى وغيرهما، وقال الترمذى: حسن صحيح، وصححه الشيخ أحمد شاكر فى تحقيقه للمسند، وصححه الحاكم ووافقه الذهبى، وقال الشيخ شعيب وتلاميذه: اسناده ضعيف.]مسند أحمد- تحقيق: الشيخ شعيب، وآخرون- 3/458- رقم: 2008-مسند ابن عباس g، سنن الترمذى- تحقيق: بشار معروف- 5/219- رقم:3232- دار الغرب الإسلامي – بيروت- 1998 م، مسند أحمد- تحقيق أحمد شاكر- 2/483- رقم: 2008- دار الحديث – القاهرة- 1416 هـ – 1995 م، المستدرك للحاكم- 2/469- رقم: 3617- تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا- دار الكتب العلمية – بيروت-1411هـ – 1990م[.

[2] – الحديث اخرجه البخارى وغيره من حديث خباب d.]صحيح البخارى- باب: باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر- 9/20- رقم: 6943[

[3] – صحيح البخارى- باب: علامات النبوة فى الإسلام- 4/197- رقم: 3595.

[4] – الحديث رواه بتمامه ابن حبان فى الثقات، وأبو نعيم فى دلائل النبوة، وقال العقيلى: هذا الحديث بتمامه لاأصل له، ومقصود العقيلى هنا الرواية الكاملة التى ذكرت، وإلا فقال ابن حجر فى الفتح: وقد أخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل بإسناد حسن عن ابن عباس g.]الثقات لابن حبان- 1/88- إشراف: محمد خان- دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند-1393 ه‍/1973م- دلائل النبوة- أبو نعيم- 1/282- تحقيق: محمد رواس، عبد البر عباس- دار النفائس- بيروت- الطبعة: الثانية- 1406ه/1986م، فتح الباري- ابن حجر العسقلانى- 7/220- اشراف: محب الدين الخطيب- دار المعرفة- بيروت- 1379ه[.

[5] – السيرة النبوية (من البداية والنهاية) لابن كثير- 2/158- تحقيق: مصطفى عبد الواحد- دار المعرفة- بيروت- 1395ه/1976م،

[6] – المنهج الحركى للسيرة النبوية- الغضبان- 1/143- مكتبة المنار – الأردن –الطبعة: السادسة، 1411 هـ – 1990 م.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد