يعاني الكثير من الشباب في زماننا حالة من التيه في الفكر والتوجه، وحالة من التردد في الإنجاز، وحالة من فقد الطموح واضمحلال الهدف واحتقار الذات. مرجع هذا إلى عوامل كثيرة أهمها تردي الأوضاع العامة لأمة الإسلام سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وغياب القدوات الصالحة، وغياب التربية الواعية المعنية بإعداد كوادر ناجحة وليس مجرد تابعين للعرف العام سواء كانت هذه التربية على مستوى الأسرة بالتنشئة والتكوين، أو على مستوى الدولة بالإعلام والتعليم، بل إننا نجد الإعلام يجعل من الشاب مجرد مسخ تافه الأهداف حقير الوسائل شهواني التلذذ مادي المتعة.

إن  الإسلام يعتبر الشاب أو الشابة منذ بلوغه الحلم (بحد أقصى 15 سنة) هو فردًا مُكلَّفًا بتكاليف الإسلام ويبدأ إحصاء أعماله وحسابه عليها يوم القيامة، هذا مغاير تمامًا لبعض الأعراف التي تعتبر الشاب قبل العشرين من عمره طفلًا عديم المسؤولية متحررًا من كل قيد، فينشأ على هذا ويصبح سلبيًّا يسري مع موجة المجتمع بصحيحها وسقيمها، هذا غير تأكيد نصوص الإسلام ومبادئه على دور تربية النشء وتأهيلهم بصورة تجعلهم ذوي شأن في مجتمعاتهم.

وفي تاريخنا الإسلامي الكثير من النماذج والقدوات الصالحة التي كانت تجاربها رائعة على المستوى الفني والمهاري، ونبيلة على المستوى القيمي والأخلاقي، وأصيلة على مستوى الانتماء والاعتزاز بالدين، فنفيد بعرضها تقويم خلل انعدام القدوات وخلل غياب البوصلة الأخلاقية وخلل الإعجاب بالغرب وازدراء كل ما صفته الأصالة.

النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه الرسالة توجه بها أولًا إلى الشباب ليتغير بهم نظام الأرض كلها، فكان معظم المسلمين الأوائل من الشباب فهذا الزبير بن العوام – حواري رسول الله وأول من سل سيفه في سبيل الله – حين أسلم كان عمره خمسة عشر عامًا فقط، وسعد بن أبي وقاص الذي كان النبي يفتخر بأنه خاله وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله حين أسلم لم يكن عمره تجاوز السابعة عشرة، وطلحة بن عبيد الله الذي كان يلقبه النبي بطلحة الخير  حين أسلم كان عمره ستة عشر عامًا، وتلكم الثلاثة من العشرة المبشرين بالجنة ومن وزراء النبي وخيرة صحابته ولم تمنعهم حداثة سنهم أن يكونوا في الصفوف الأولى وضمن اللبنات الأساسية التي قامت عليها حضارة الإسلام وسادت الأرض قرونًا، هذا غير الأرقم بن أبي الأرقم الذي كان بيته ملجأً للنبي والمؤمنين يعقدون جلساتهم فيه في سرية تامة مقاومة لمطاردة أهل قريش، الأرقم صاحب هذا العمل الأساسي حين أسلم كان عمره ستة عشر عامًا، ومعظم المسلمين الأوائل كانوا في العشرينيات من عمرهم.

والأمثلة عن شباب قدوات في جيل الصحابة كثيرة جدًّا؛ فهذا زيد بن ثابت شاب في الثالثة عشرة من عمره يطلب من النبي أن يجاهد فيرده النبي لصغر سنه وعدم قدرته على حمل السيف، فعاد يبكي إلى أمه التي ربته على حب دينه وخدمة أمته فأشارت عليه أن يجيد القراءة والكتابة ويخدم بهما دينه، وبالفعل صار هذا الشاب الصغير – بعد مثابرة في التعلم – ترجمان النبي صلى الله عليه وسلم وأحد كتبة الوحي. هذا غير معاذ بن جبل الذي كان النبي يعتبره أعلم أمته بالحلال والحرام والذي مات النبي وهو في العشرينيات من عمره.

أحكي لك عن شيء، مقتل أبي جهل – فرعون هذه الأمة – كان على يد شابين صغيرين هما معوز بن عفراء 13 سنة، ومعاذ بن عمرو بن الجموح 14 سنة، كل ما في الأمر أنهما علما أنه يسب النبي ويؤذي الإسلام فقررا أن يخوضا مغامرة ربما كانت تؤدي إلى مقتلهما دفاعًا عن النبي ودينهما الذي يعتقدانه، وفي التضحية لا يُنسى مصعب بن عمير الذي ترك النعيم الذي كان يحيا فيه في سبيل اقتناعه بفكرة سامية وهدف غال وكان أول سفير في الإسلام، وأحد أهم أسباب تأسيس أول دولة في الإسلام.

لم يكن تاريخنا حافلًا فقط بشباب قدوات في التضحية، ولكن أيضًا بشباب قدوات في الإدارة والتوجيه؛ فها هو أسامة بن زيد يقود جيشًا يذهب لقتال الروم وسنه بعد لم يتجاوز الثامنة عشرة، فأسامة رغم صغر سنه وفقره ماليًّا وعدم شهرته لم يستسلم وكان كفاءة عسكرية عالية جعل ذلك النبي يختاره على رأس جيش فيه أبو بكر وعمر.

أخبرنا النبي (لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ) ويمر الزمن ويكون هذا الأمير هو محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينة وهو في الثالثة والعشرين من عمره.

وعند ذكر الشباب لا يُنسى عبد الرحمن الناصر الذي استلم دولة مفككة في الأندلس فأعاد وحدتها وبنى بها حضارة وجعلها أقوى دولة في العالم في وقته، ولقبوه بأقوى ملوك أوروبا – ولا يزال هذا لقبه حتى الآن – وهذا رغم أنه استلم الحكم وهو في الحادية والعشرين من عمره.

تُرى، هل ما زلت يائسًا من نفسك ويتملكك إحساس العجز؟!

إن هذه النماذج جميعًا صاغها الإسلام يوم أن التزموا بمنهجه واهتدوا بهديه وتربوا على تعاليمه، إنهم جميعًا كانت تواجههم عقبات ومشكلات كالتي تواجهنا أو أشد، ولكن من يسع يوفقه الله ويرشده.

يا معشر الشباب، إن سوداوية الأوضاع حولنا يجب ألا تُفقدنا الثقة بأنفسنا ولا أن ترغمنا أن نكون كالعدم نأتي لهذا العالم ونذهب منه ولا نترك أثرًا.

إن الأمة والوطن هو مجموعنا كأفراد، فإذا ما أصلح كل منا حاله ورفع للحق راية وتحرك بها يصلح عيبًا أو يقوّم خللًا أو يتعلم شيئًا، فلا شك أن وضعنا العام المؤسف سيزدهر وينصلح. دعونا لا ننسَ أبدًا «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، فلا يليق بالشباب أن ييأسوا أو يتهربوا من مسؤولياتهم تجاه دينهم وأمتهم، ذلك لأنهم رواد الحضارة وصانعو التغيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد