ظهرت دعوة القرامطة في الضفة ما بين بلاد الرافدين والحجاز، نسبة لحمدان ابن الأشعث الملقب بقرمط في العام 899م، هذه الدعوة التي إنتقلت فيما بعد إلى دولة صغيرة، سكنت البحرين والأحساء.

دعوة هؤلاء القرامطة قائمة على تفكيك الأمم الإسلامية والدعوة إلى اتباع البدع ومحاولة إضعاف أي مشروع إسلامي، تظهر مثل هذا الدعوات التي قد تتحول إلى دول صغرى في أوقات الضعف، سواء على مستوى الوحدة الإسلامية، أو ضعف الدول التي تتبنى الشريعة الإسلامية كشريعة حكم، فلنا بالقرامطة مثال حيث تبلورت دعوتهم وتكونت في ظل ضعف الدولة العباسية، وتفكك أركانها، وانقسام الدولة الإسلامية إلى دولتين: عباسية وأخرى فاطمية، وهذا ما جعل دعوة القرامطة تتحول إلى دولة القرامطة التي قامت في ظل هذا الضعف الإسلامي بسرقة الحجر الأسود وقتلوا المسلمين الحجاج في مكة!

لا أريد هنا أن أسرد التاريخ ومجرياته فهناك مجلدات للسرد والتحقق، أريد هنا أن أؤكد على أن التاريخ عبارة عن خط متصل يدور حول نفسه ولا ينقطع، التاريخ يتكرر وقد يكون الحدث الجاري حاليًا أسوأ من مثيله في الماضي، الدعوات السياسية السابقة تتكرر على مر التاريخ، والدول التى ظهرت في الماضي قد تظهر في وقتنا الحالي، لكن بنموذج أردأ من السابق!

القرامطة الجدد لا يختلفون كثيرًا عن قرامطة حمدان بن الأشعث، بل تطوروا، وأصبح لديهم أكثر من دولة، وإن اختلفت مواقعها الجغرافية، صاروا دولًا وأشخاص يعملون في شتى المجالات، في الفن وفي السياسة وحتى في الدين أيضًا! ففي مجال الفن يقومون بتشويه أي شكل أو مظهر يحمل في طياته قيم الإسلام، ودائمًا يظهرون الشخص المتدين في مظهر الإرهابي، أو المتخلف، أو الرجعي، فهذه رسالتهم الفنية! وفي مجال الدين أصبحوا قرامطة هذا العصر يقومون بمحاولات عديدة للتشكيك في كل أركان الدين والدعوة إلى فصل الدين عن حياة الإنسان المدنية وأصبح منهجهم في الدعوة قائم على زعزعة ثقة المسلمين في أبرز الشخصيات الإسلامية كالصحابة والتابعين والتقليل من الإسلام كدين وعلم وهم يرتدون ثوب الدعوة الإسلامية!

قرامطة هذا الزمن أصبحت لهم عدة دول تؤثر وتعمل في مجال السياسة، تقوم سياسات هذه الدول التي للأسف يعتبر فيها دين الدولة الإسلام بمحاربة كل مشروع إسلامي تتبناه أي دولة عربية كانت أو غير عربية، تدفع المال السياسي للطغاة لطمس أي معلم إسلامي وتسعى لصنع الخلافات بين الدول الإسلامية لتفرق بين الشعوب المسلمة، يجندون أبناء المسلمين بالمال ليتقاتلوا. فيما بينهم، لهذه الدرجة التاريخ كرر لنا القرامطة، لكن بصورة أبشع، وعلى شكل دول لا دولة واحدة.

قرامطة الماضي قاموا بسرقة الحجر الأسود وقتل الحجاج ونهب البيوت، قرامطة اليوم سرقوا حريات الأمة الإسلامية، شككوا بمعتقدات الإسلام، حاربوا كل المشاريع الإسلامية، سلطوا الطغاة على رقاب المسلمين، باعوا مقدسات الأمة للتقرب من المعادين ونشروا جنودهم لقتل المؤمنين وتناسوا قول سيد الخلق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حين نظر للكعبة وقال: ما أطيبك، وأطيب ريحك، ما أعظمك، وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله، ودمه.

قرامطة هذا العصر لا يملكون مشروع حقيقي قائم على أسس جامعة لدولهم، ليست لديهم دراية بالقيم والأخلاق التي تقوم عليها الأمم، دائمًا تراهم القرامطة إن كانوا على شكل دولة أو أشخاص تغيظهم الهوية الإسلامية وكل ما هو إسلامي، يقربون من يعادي الإسلام ويبعدون من ينادي بالإسلام.

التاريخ قد يعيد نفسه مرات عدة، لكن خطورته تتضاعف مع كل مرة، لابد أن نقرأ التاريخ لا من أجل القصص، بل من أجل أخذ الحيطة والحذر ومن أجل صب نماذج التاريخ على نماذج الحاضر لنفهم من هم القرامطة الجدد وما هي الوسيلة لتخليص الأمة الإسلامية من شرهم.

دعونا نتذكر دائمًا أننا «قوم أعزنا الله بالإسلام»، ومهما زادت قسوة وشدة قرامطة هذا الدهر، فلنستذكر عظمة الإسلام الذي إذا حاربوه انتصر، واذا تركوه امتد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد