قد لا نختلف إن قلنا إن الأمة الإسلامية قد عاشت بعزلة حضارية بعد أن خفقت الرايات العثمانية على طول العالم القديم وخاصة في سنواتها الأخيرة، حين استفاقت أوروبا وافتتحت ثورتها الصناعية، والتي لم تستطع دولة الخلافة مواكبتها رغم محاولاتها والتي اقتصرت للأسف على محاولات فردية وآنية.

بعدها، حضر المستعمر بجبروته وعقليته المتعالية، وعندما رحل تركنا بأيدي أزلامه الذين أوصلهم بطريقة أو بأخرى لحكم العالم العربي، وأيدهم بعلماء دين اشتغلوا على بث الصبر والرضا بقلوب الجماهير، بغية تخديرهم وإقناعهم أن ما ينتظرنا بعد الموت هو أفضل وأبقى.

بعد ثورات الربيع العربي وما تلاها، وجد العربي المسلم نفسه في أوروبا من غير تخطيط مسبق ومن دون تحضير.

وللمرة الأولى ربما، وجد نفسه، هذا التعِب الفار بروحه، وجهًا لوجه أمام حضارة قد تجاوزت بلده بسنين ضوئية، ولم يكن يجد أمام هذه الصدمة الحضارية، إلا أن يعاود التمسك بجذوره خشية ذوبانه داخل المجتمع الأوروبي وتوهانه، ولم يجد رابطة أقوى من رابطة الدين ليعتصم بها، وينافح بها عن نفسه، بل وليستجدي الاحترام، كون تعاسة وضعه وما عاشه فيها من البؤس أكثر ما فيها من الفخر.

وإن كنا نرى أن ما وصل إليه حالنا العربي هو بشكل أو بآخر من نتائج سياسات المستعمر، وأن من حق العربي أن يجد موطئ قدم آمنًا، خاصة بعد أن وقف العالم أجمع ليشاهد وببرود غير مسبوق، مراحل التدمير التي يتعرض لها العالم العربي ماديًا وتاريخيًا ومعنويًا وروحيًا.

وإن كنا نرى أن لا ضير في أن يتمسك المسلم بعاداته وتقاليده وبدينه وشخصيته المتميزة، وهذا حق تكفله كل دساتير الدول الأوروبية، إلا أننا نجد أن الأساليب التي اعتمدها ذلك القادم الجديد لم يحالفها التوفيق أبدًا، وبدأ يخلق فجوة بدت تزداد، وبدت تؤثر حتى على الحاضنة الاجتماعية التي ضغطت من قبل على حكوماتها من أجل فتح الحدود، والاستقبال اللائق للفارين بأرواحهم من التصفية.

هنا نحن أمام معضلتين؛ فإما أن نتحدث بصراحة وشفافية، ونُظهر الواقع وما يحمل من تداعيات قد تكون كارثية، الأمر الذي قد يزعج الجاليات التي تعاني ما تعانيه في مجتمع تعتبره معاديًا نوعًا ما.

وإما أن نصمت ونحاول أن نتنصل من روابطنا مع تلك الجالية كي لا يشملنا ما سوف يشملهم بعد حين.

وهنا، سنكون قد خسرنا الكثير من مصداقيتنا وإنسانيتنا، إضافة لتُهم العمالة والتبعية والتي تجيد كل تلك الجاليات توزيعها على كل من يخالف توجهها الذي يتسم دومًا بغريزة القطيع.

هنا، نشير إلى معاناة الوافدين الجدد إلى أوروبا مع اللغات المحلية، والتي غالبًا تسمعها للمرة الأولى.

وعلى الرغم من أن أغلبية الوافدين لا تحسن حتى الآن التعامل مع اللغات المحلية، والتي وجدوها مختلفة جدًا عن الإنكليزية. فإن من أتقن اللغة، ما زال لا يحسن التعامل مع المجتمع المحلي، والذي هو الآخر مختلف اختلافًا جذريًا عن فكرة تلك الجاليات عن المجتمعات الأوروبية، تلك الفكرة التي ما زالت تعتمد على الثقافة التلفزيونية للتعامل مع الآخرين.

ولكي نكون أمناء في الطرح والتوجه، نقول إن نصيحتنا الوحيدة هنا للجميع، أن يعتصموا بكتاب الله ويتمثلوا الرسول الكريم في أقواله وأفعاله. وأن يرموا خلفهم كلام تجار الدين والمتفيقهين الذين حذر منهم رسولنا الكريم.

كونوا ربانيين وأحبوا الناس على اختلاف أديانها وألوانهم. احترموا أنفسكم والآخرين. ابتعدوا عن خطاب الكراهية والعنصرية، وابتعدوا ما استطعتم عن الفكر الشاذ والنصوص المختلف عليها. عليكم بالظاهر الناصع. عليكم بالمحبة، فبها فقط ستفلحون، وبها فقط ستنالون الاحترام الذي تطلبون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد