مثلما هو مستحيل الجمع بين الأبيض والأسود، أو الماء والنار، الليل والنهار، يستحيل كذلك الجمع بين الإسلام واليسار، هكذا يبدو الأمر من نظرة سطحية نمطية، فاليسار كتيار سياسي منذ ظهوره وهو يأخذ موقف يزعج أصحاب الديانات بصفة عامة خاصة المسلمين منهم، لكن هل حقا علاقة الإسلام باليسار علاقة عداوة بالضرورة، أم هي فقط النظرة التقليدية المحافظة التي ترفض التغيير؟ سنحاول أن نرى مدى قبول الإسلام للمفاهيم الأساسية التي يتبناها اليسار: الاشتراكية، العلمانية، التقدمية، العولمة.

أولًا: الاشتراكية

الإسلام والاشتراكية، عند ذكر هاتين الكلمتين معًا يتبادر إلى ذهننا مباشرة الماركسي المسلم «علي شريعتي» الذي لم ير في الاشتراكية ما يتنافى مع الإسلام، بل قال إن الإسلام صار دين البرجوازية الصغيرة التي تتكون من رجل الدين والأثرياء؛ فنادى بضرورة الثورة عليهم وتحرير الإسلام من قبضتهم، فالإسلام في نظره ليس هو العطف على الفقير بل الجهاد ضد الفقر من أجل العدالة الاجتماعية.

كذلك نرى الاشتراكية عند «الصحابي أبي ذر الغفاري»، في عهد «عثمان بن عفان» الذي كان يهدر الأموال لصالح الطبقة الأرستقراطية القريشية من بني أمية، الأمر الذي خلق اختلالًا طبقيًا، طبقة في ثراء فاحش وطبقة تعيش على حد الكفاف، فتصدى له أبو ذر الغفاري بانتقادات لاذعة ووصف سياساته بأنها غاشمة لا ترضي الله، وقال: «بَشر الذين يكتنزون الذهب الفضة بمكاو من النار».

دون أن ننسى أن من أركان الإسلام «الزكاة» التي تفرض على الأغنياء إعطاء جزء من مالهم للفقراء كسبيل للحفاظ على التناغم الاجتماعي، وهذا جوهر الاشتراكية.

والإسلام يحرم الربا وهذا أمر يثير الرعب في قلوب الرأسماليين من أصحاب البنوك.

ثانيًا: العلمانية

مصطلح «العلمانية» هو من أكثر المصطلحات إثارة للجدل، دعونا أولًا نبدأ بما نتفق عليه، وهو أنه لا توجد كهنوتية في الإسلام، حيث لا يحتكر شخص أو جماعة فهم النصوص الدينية وتفسيرها للعامة كما فعلت الكنيسة، فعمر بن الخطاب عندما كان بعضهم يعتبر آراءه واجتهاداته أحكامًا إسلامية غضب لذلك غضبًا شديدًا وقال: بئس ما قُلت، لا تقولوا قال الله بل قال عمر.

إضافة إلى أن الإسلام يساوي بين جميع البشر مهما اختلفت خصائصهم في علاقتهم مع الدولة؛ حيث يقول الدكتور في علم الاجتماع كريغ كونسيداين «Craig Considin» إن الدستور الأول في الإسلام «وثيقة المدينة» يتوافق مع الدستور الأمريكي؛ فهو يساوي بين جميع أفراد الدولة في الحقوق والواجبات مهما اختلفت أعراقهم وأديانهم، فحتى الآن يوجد توافق تام بين الإسلام والعلمانية.

لكن الاصطدام يبدأ في نقطة «فصل الدين عن الدولة»، وهنا نتساءل هل «الدولة» دين أم دنيا؟ ونستطيع أن نعرف ذلك من كلام الصحابة عندما تولى أبو بكر الصديق الخلافة حيث قالوا: «رضيه الرسول لديننا أفلا نرضاه لدنيانا»، فهنا إشارة واضحة إلا أن الدولة هي أمر دنيوي يجتهد فيه البشر حسب قدراتهم وأفكارهم وزمانهم، وينطبق عليها حديث: «أنتم أعلم بأمور دنياكم».

إضافة إلى أنه إذا نظرنا إلى الآيات في القرآن ذات الطابع السياسي هي فقط أحكام عامة مثل العدل والمساواة وغيرها، التي هي متفق عليها في جميع الثقافات، والتي لا تكفي لإنشاء نظام سياسي واقتصادي واجتماعي شامل كما يعتقد بعضهم.

دعونا نتخيل فقط لو كان الرسول يعيش في ظل إمبراطورية مستقرة تسمح له بالدعوة هل كان سيهاجر ويؤسس الدولة؟ ذلك يبدو مستبعدًا.

ثالثـًا: التقدمية

التقدمية هي فلسفة تقول إن الحياة الإنسانية مبنية على التقدم المنبثق من التطورات العلمية والتكنولوجية، وهذا لا يتناقض مع الإسلام في شيء، بل الإسلام كان سباقـًا بهذه الأفكار؛ فكما قال علي بن أبي طالب: «لا ترغموا أبنائكم على عاداتكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم»، والإسلام كذلك هو من أكثر الأديان تسامحًا مع العلم والعقل، ويدعو إلى إعمال العقل؛ فأول كلمة نزلت هي «اقرأ»، وهنا يجب أن نذكر الفيلسوف الكبير ابن رشد الذي نفى وجود أي تناقض بين العقل والدين، فالله الذي أعطانا عقولًا لن ينزل علينا شرائع مخالفة لها، ففهم النصوص الدينية عند ابن رشد يجب أن ينطلق من العقل والمنطق والعلم.

رابعًا: العولمة

العولمة هنا لا نقصدها بمفهومها الرأسمالي، الذي يسعى لفتح الحدود أمام الشركات الكبرى والتجارة العالمية، بل هي الاهتمام بالمصالح العالمية قبل المصالح القومية وإهمال فكرة صدام الحضارات، كما كان كارل ماركس ينادي «يا عمال العالم اتحدوا» بغض النظر عن ثقافاتهم وأعراقهم وانتماءاتهم، وهذا بالتأكيد ما يدعو إليه الإسلام نفسه «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا»، فعلاقة المسلمين مع غيرهم من الحضارات الأخرى بعيدة تمامًا عن العداء والصراع، بل يجب أن تكون علاقة تواد وتراحم وانفتاح يستفيد كل من الآخر، كما استفاد خلفاء المسلمين من الحضارات الأخرى في بنائهم للعصور الذهبية الإسلامية، ودعوة المسلم لغير المسلمين تكون أيضًا بالحكمة والإقناع، كما تقول الآية «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة».

الصراع الحتمي

الأغلبية ما تزال مقتنعة بأن صراع الإسلام مع اليسار حتمي، لكن ما يبدو أن الحتمي هو التقدم والتغيير، فقبل هذا بعقود قليلة كانوا يعتقدون بأن الهواتف حرام والديمقراطية كفر والفلسفة زندقة، والآن كل هذا تغير، فالإسلام هو دين كبقية الأديان يجب فهمه وتفسيره وتأويله بطريقة «عقلانية» وإلا سينقلب على مقاصده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد