من نافلة القول ـ وفضل الكلام ـ أن ينبه كاتب المسلمين بأن الإسلام دينُ الله الواحدُ، وأنه ـ عز وجل ـ لم يرتض دينا غيره لأحد من خلقه،فدانت به السماوات والأرض وما فيهن، كما دان به آدم ـ عليه السلام ـ وترك عليه بنيه،حتى اجتالت الشياطين كثيرا منهم عن دينهم،فأرسل الله الرسل أنبياء من لدنه؛ليقوموا ما اعوج من دين (تدين) الناس،فأبى أكثر الناس إلا كفورا،حتى أصبح اسم دين الله ـ بالنسبة لما اخترعه الناس من أديان اكتتبوها،فاعتنقوها،وارتضوها بديلا عن الدين الحق ـ الدين الحنيف.

ومن ثم أصبحت ملته الحنيفية،أي:(المائلة) عن سبيل أكثر الناس،والذين اختاروا الكفر (ستر الحقيقة وجحد الحق)،وتقلبوا بين أقسامه:فمنهم مشرك مع الله غيره،ومنهم ملحد (بتبديل أو تحريف) في شرعة الله ومنهاجه،ومنهم قليل دهري،فقد بوصلة الفهم،فظن أنه نبات العدم،وربيب الحظ،ومقدور المصادفة،ومآله إلى العدم مرة أخرى،بعد معيشة لا يدري لها حكمة أو غاية.

تعددَ الكفر بتعدد أديانه:فعابد مع الله حجرا أو شجرا أو بشرا،ومسقط لعبادة الله أصلا مع التزامه عبادة غيره، وتوحدَ الإيمان بتوحد دينه،فكان المؤمن من عبد الله واستعان به وحده، دون سواه،ولم يشرك مع الله غيره في دينه الذي هو:عقيدة،وأخلاق،وشعيرة،وشريعة. فمن بدل في واحدة أو بعض واحدة منها كان ملحدا،ومن غيرها كلها أو بعضها متحولا إلى غيرها فهو مشرك.

ومن لم يعبد الله ولا عبد غيره،فهو في دين المسلمين عابد هواه؛ إذ هو يختار ـ من حيث يدري أو من حيث لا يدري ـ ما يمليه هواه عليه بما ركن إليه وألفه،ويرفض ما يرفضه هواه كذلك،ومن ثم يكون ذلك الإنسان شيطانا،فما الشيطان ـ من الجن أو الإنس ـ إلا ذلك الذي هو عابد هواه:يطيعه ـ يعبده ـ متى حكم بأمر أو نهي.

وَمِمَّا سبق تظهر حقيقة إيمان المسلمين بأن الإنسان كائن متدين، بفطرته، أو بطبعه؛ فهو من حيث الجِبِلَّة وأصل الخلق مفطور على ضرورة الالتزام بقانون الحق أو دينه،وهو من حيث الطبع ـ أي:تنجيس الأصل بآخر محرف ـ مطبوع على الالتزام بقانون الباطل مهما كان طابعه.

الإنسان ـ بحسب المسلمين ـ ملتزم بقانون،مهما كان ذلك القانون، سواء كان قانونا نظريا، أو عمليا،ومهما كان قانونا إلهيا أو بشريا،ولا يملك الإنسان أن يخلع ربقة الالتزام القانوني ـ أي قانون ـ من عنقه؛إذ هو محاط بالسنن والقواعد أينما حلَّ أو ارتحل،فَلَو قُدِّرَ ـ مثلا ـ أن يكون من يدعي إنه فوضوي،وأنه لا يؤمن بقانون،كانت فوضويته تلك ـ في حقيقتها وجوهرها ـ قانونا،وطاعة فوضويته تلك عبادة،والتزام لوازمها:عبثيتها،ونوازعها،عقيدة وخلقا،وطقسا،وشريعة، بحسب توصيف ذلك اللازم.

فلابد أن يقال إذن:إن العبثية دين،وإن مدعيها متدين بالعبثية، وأن يقال:إن العلمانية دين،والقومية دين،والعقلانية دين، ومدعي الالتزام ببعضها أو جميعها صاحب دين يأمره وينهاه بلوازم دعواه التي يدعي نسبته إليها،فكل ما له أحكام يلتزمها الملتزم به فهو دين،وصاحبه متدين به.

وقد قال الله ـ تبارك وتعالى ـ عن قانون ملك مصر في عهد النبي يوسف ـ عليه السلام ـ أيام وزارته:”ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك… الآية”. أي:شريعته،وقانونه،وأحكامه.

وذلك كله معلوم عند أهل العلم والإيمان في الإسلام،ومقطوع بثبوته،ولم ينازِع فيه يوما غير أهلُ النفاق الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون غيره من أديان البشر،ويخشون التصريح بذلك؛إما رغبة في التغبيش على المسلمين من داخل صفهم،وإما طمعا في دنيا المسلمين،والتي قد تنقطع عنهم إن أظهروا كفرهم صريحا،وهذا قديم معروف لكل مسلم قرأ آيات الكتاب وحكمة السنة.

المسلمون يؤمنون بأن كل نبي أرسله الله إنما كان مسلما،يأمر الناس بالتوحيد،توحيد الله،ولست أعني أنه كان يدعوهم إلى عد كلمة التوحيد على المسبحة،ولا إزلاقها على طرف اللسان،ولكن أعني أنه إنما كان الأنبياء يدعون الناس إلى الالتزام بلوازمها:عقيدة،وخلقا،وشعيرة،وشريعة.

أقول:كان يدعوهم إلى الالتزام بلوازمها، ولو لم يتلفظ بها ذكرا قط لعارض أو طارئ،لا كبرا،أو مداهنة لأهل الكفر من الملحدين أو المشركين.

فأي توحيد هو ذلك الذي يقال فيه:”لا إله إلا الله”، ثم ترى قائلها وهو يبيع ويشتري على ملة وحكم يتعارضان مع مقتضى كلمة التوحيد،وتراه في القضاء على ملة،وفي الآداب على ملة،وفي السياسة على ملة … إلخ!

وكل ملة من تلك الملل تعارض آية محكمة أو سنة ملزمة،تراه كذلك،مؤمن بمسبحته،وتمتمات شفتيه،كافر بجوارحه وجوانحه وهواه ومحياه ومماته،ثم لا يخجل من اعتبار نفسه مسلما!

بل أعجب من ذلك؛ إذ تراه يعيب على الملتزم بأحكام الكتاب والسنة تمسكه بأحكامهما،مدعيا أن الملتزم يفعل ذلك تخلُّفا ورجعية،وقد حبب إليه هواه أن يلصق تلك التهمة بكل ملتزم بدين الله،فلا يأنف من نسبة الملتزم إليهما.

وما قصد ذلك الدعي بالتخلف إلا التقهقر إلى ركن الله،بحيث لا يتقدم المؤمن حتى يرى أمر الله ونهيه فيما هو مقدم عليه،وما قصد بالرجعية إلا الرجوع خلف خطا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛لينظر مواطن الأمر؛فيأتمر،ومواطن النهي؛فينتهي!

نعم إن التخلف والرجعية اللذين أطلقهما قائل: “لا إله إلا الله بلسانه”،وهو الصادُّ عنها بكل كيانه،إنما هما في نفسه وإطلاقه يحملان ذلك المعنى.

ولقد ختم الله ابتعاثه من الأنبياء رسلا،وقطع مدد النبوة إلى الأرض،بعد أن تحقق مراده ـ عز وجل ـ فكانت أمة قالت: سمعنا وأطعنا،فوعتْ وحفظتْ؛حتى بلغت،مصداقا لوعد الله ـ عز وجل ـ لإبراهيم ـ عليه السلام ـ ألا ينشئ بلاغا إلى الناس من غير نسله:فلطالما أُعطيِ أبناءُ إسحاق ويعقوب (إسرائيل) ـ عليهما السلام ـ الفرصة بعد الفرصة،حتى انقطعت حجتُهم،إذا ما احتجوا على تحويل مسار البلاغ عنهم،فكان من بعدهم أبناء إسماعيل ـ عليه السلام ـ الذين ختمت النبوة بواحد منهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وابتدأ بعده عهد بلاغ الأمة،عهد بلاغ الأفهام بعد انقطاع الوحي.

إنه ليس ثمة وحي بعد الوحي المحفوظ من الرسالة الخاتمة: كتاب الله، وسنة رسوله،ولكن بقى الفهم عنهما،وإنا لنشهد أن أبناء إسماعيل ـ عليه السلام ـ قد بلغوا وأدوا،فجزاهم الله عنا خيرا،ولم يبق الآن من نسب يُنتسب إليه،أو يُفرحُ به،غير نسب الدين،وأخوة الإسلام،فسحقا لكل نسب عرقي ـ مهما كان ـ وسحقا لكل دعوة قومية ـ مهما كانت ـ وسحقا لكل عصبية قبلية ـ مهما ادعت ـ وأكرم بدين الله ـ الإسلام ـ رابطة،ووطنا وقانونا،وأكرم بأخوة في الله،ومحبة فيه،أنعم بأخوة أخي وأبي فيها محمد وعيسى وموسى وإبراهيم ونوح ـ صلى الله على النبي محمد وعلى سائر الأنبياء وعلى آله وسلم ـ وهنيئا لأمة نبي الله محمد،والذين ينتسبون إليها برابطة الإيمان بالإسلام،لا برابطة الولادة من أبوين مسلمين،ولا برابطة جاهلية وعصبية وشرك يكذبون في نسبتها إلى الإسلام، هنيئا لكم أداؤكم الأمانة يا أمة النسب العقلي،وقد حملها ـ أي:كتموها،ولم يؤدوها ـ الناس.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإسلام

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد