1- الإنسان حيوان يتمرد

يقول كامو: «الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يرفض أن يكون كذلك».

فيرتقي بالبحث عن الجمال والتزيين ويقاوم نزعته الحيوانية بالتمرد إلى منزلة أسمى وأعلى.

في هذه الحياة يوجد تياران الأول روحاني والثاني مادي. ولكي تحيا حياة خيرة سليمة وجب أن تجمع بين التيارين. أن تتمتع بالازدواجية أن تتقبلها جيدًا وتعيها. فالفلسفة لا تقبل الازدواجية بل تدعو إلى مبدأ ثابت جامد واحد لا يتجزأ، وأن الفكر في ذاته شكل من أشكال الواحدية. فلذا إن تعريف الدين في جهة والمادة في جهة لا تتفق. لأن الدين يقتضي أمورًا دنيوية كثيرة كالزواج كالعدالة. والمادية مثلًا كالاشتراكية فإنها تحتم عليها اللجوء لبعض الصور الروحانية الإنسانية كاحترام كبار السن كالسماح بالفردية! في رأي بيجوفيتش:

«الاشتراكية نتيجة عملية واجتماعية للمادية لا تتعامل مع إنسان، بل على الأرجح مع تنظيم حياة الحيوان الاجتماعي».

هناك تنازلات في كلا التيارين هناك ازدواجية معيارية. وهي واجبة. ومن هذه النقطة يتضح أن الإسلام هو الدين الذي جمع بين المادة والنفس والإنسانية والعلم.

كالزكاة كالصدقة كالصلاة في أركانها الجسدية والنفسية والاتصال بينهما.

2- «الإسلام هو – وينبغي أن يظل كذلك – البحث الدائم عبر التاريخ عن حالة التوازن الجواني والبراني».

إنا بذلك نتحدث عن الصدام العقلاني والصوفية. فالعقلاني يستبعد الناحية الأخلاقية الدينية يركز على المكونات المادية العقلية والاجتماعية كمجرد قومية أو حركة سياسية.

أما الصوفي فيستعبد كل ذلك ويقتصرها على الكينونة الدينية الخالصة لا عقل فيها مجرد رمزية غيبية.

وفي الحالتين لا إنصاف لنهج الإسلام!

فإذا كان الإسلام حركة حياتية سياسية بدون الغيبيات بلا الأخلاق فما فرقه عن الأيديولوجية الإمبريالية؟! خطأ بالطبع خطأ. وفي الرؤية المتصوفة اعتزال الحياة من أجل الرب ما فرق ذلك عن عصور الظلام والرهبنة؟ إن الإسلام شامل واسع يضمن حياة الدنيا والآخرة بكل ما فيه من غيبيات وأسس علمية وإنسانية وروحانية!

التناقض بين الضمير والعقل والوجود والطبيعة!

الضمير في الناصية والناصية في المخ والمخ مادة خاضعة لقوانين جسدية لكنها تطورت وانفردت بذاتها لتخرج من إطار المادة والأحاسيس المتعلقة بالأنا إلى الوعي بين الصواب والخطأ مد يد العون والإيثار، تفضيل الخير على الشر.

أوليس هذا يأخذنا إلى الازدواجية مرة أخرى؟

العقل يعمل ليوفر الراحة الهيكيلية راحة الأعضاء التوازن داخل الجسد أي الإشباع الحيواني ما يبقيك على قيد الحياة.

أما الناصية الـfrontal lobe تحديدًا الـprefrontal area في تشريح المخ فهي تختص بالعاطفة بالسلوك بالبصيرة!

3- الإنسان حيوان ذكي حُر

يقول جون واتسون:

«لا يوجد خط فاصل بين الإنسان والبهيمة».

يرى الفلاسفة الماديون أن أصل الإنسان نتاج عوامل طبيعية وتطور كيميائي. فعند داروين على سبيل المثال أنت نتاج تطور الطبيعة وترضخ لحتميتها. فالإنسان بهيمة مستهلكة  تأكل الأوراق تتكاثر والغلبة للأقوى. إلى أن اكتُشفت اللغة واليد فبدأت الحضارة بانتصاب الإنسان على قدميه وتفنن بحرفية يصنع ويبتكر ويخترع وبذلك نضع الجوهر الإنساني والضمير والإرادة جانبًا فأنت بالنسبة لهم مجرد حيوان استطاع أن يمتلك ويستخدم الأدوات ويسود.

تقف عاجزًا أمام أبيات جوته حائرًا بين شطوره تحاول أن تفهم ما ورائيات هذه القوافي البديعة. في نظر بيجوفيتش إن الفنون ترمي لإنسانية الإنسان كما انتمائه للطبيعة الأم.

فبيتهوفن أصيب بالصمم كيف تفسر هذه السيمفونيات الجبارة أيها المادي؟ هناك شيء ما داخل المرء يحركه بلا أي دافع إلى فعل فن من الفنون التي يعجز عنها الحيوان بدون مقابل هكذا، كما انسياب القصيدة من فم الشاعر.

باختصار الحيوانات تعيش بأجسامها فعليك أن تعيش بروحك.

تعامل مع ازدواجية الحياة، فإن الثقافة تؤدي إلى الدين والإنتاج العلمي والعملي يؤدي إلى الحضارة.

فالثقافة هي انعكاس الإنسان على نفسه أو صورة مدى تشرب المرء بدينه وبيئته وذكرياته ورجوعًا بأصله وماهيته ووجوده. كقول الشعر والأدب والفنون المسرحية والشعبية كل تعبير عن الذات كالمتاحف كالأوبرا.

أما الحضارة فلا يبنيها غير سواعد العمال ونبوغ العلماء بأنماطها البدائية كمناهج تعليمية كوظائف مجتمعية ضرورية كأي عمل يُقام به لضمان المأكل والمشرب ومأوى آمن.

وهنا نجد الصراع الأبدي بين: المضي قدمًا ومونولوج الذكريات، الماضي والحاضر، الإنسانية والآلة الساعية بلا مشاعر بلا عواطف بلا مؤثرات برانية أو جوانية.

لا يمكن التخلي عن أي جانب من هذه الجوانب وإلا هلكت البشرية.

4- إن جميع المعجزات طبيعية لأن الطبيعة نفسها معجزة

إننا أمام جهل بيّن نقاومه بعنجهية وغرور بمبررات أكثر جهلًا. فمثلًا التأمل في هجرة طيور السنونو أو حتى هجرة الأسماك الموسمية واليومية ليلًا ونهارًا من السطح للقاع ومن التيار البارد للماء الأكثر دفئًا. ما السر وراء ذلك؟ ما يدفعها؟ وكيف تعرف العصافير أعشاشها؟ من أين لها التصميم الهندسي البسيط لتكون بيتًا على أحد الفروع الباسقات؟ كيف تزن نفسها في جو السماء؟! ما حجم الأجهزة في الطائرات ومدى دقتها الفيزيائية لتضمن طيرانًا آمنًا بين السحب بينما وزن الحمامة لا يتعدى الكليو أو النصف!

أهي الغريزة التي يعتمد عليها النمل في تنظيم بيته وقومه وعمله ومشربه ومأكله في بياته الشتوي؟ أهي متابعة الأجيال والمطابقة التي تصنع خلايا النحل؟!

إننا حقًا جُهل ندعي المعرفة بتأصيل الخلق إلى المادة المجردة إلى ذرات لا تعرف شيئًا عمياء لا ترى!

أما بالنسبة للذرات ففرضية أنها وجدت صدفة وأن الخلق مجرد تطور مادي غريزي فكيف نفسر سمة النفعية والمصلحة الإنسانية فينا؟ المادة لا تعرف الصواب والخطأ لا تملك لنفسها ضرًا ولا نفعًا.

من أنت؟ فتش في باطنك، اتبع صوت نفسك، اترك التنقيب في قمامة العقل. اسمع العقل الباطن وعِ اللا وعي. الثقافة والعادات والبيئة التي نشأت فيها تؤثر بشكل ما في تكوين حياتك إذا كنت منشغلًا عن اكتشاف لحنك الصحيح ورقصتك الصحيحة بقمامة عقلك. تجري خلف المال والشهوات. الشهرة والأهواء تاركًا بذلك أصل الوجود، أصل البحث عن الذات. تحليل النفس هو أصعب شيء والأكثر ألمًا

الوعي الزائد يجلب الهم واليأس. ما به اليأس ما به التعب من قال إنك خلقت عبثًا ومرحًا بل في كبد يا مسكين. الحكمة لا تمنع الحب كما الليل لا يوقف جريان النهار.

عليك محاولة فلسفة اللا شعور. وإن فشلت فلا بأس.

فنحن نحيا واقعيين لا يهم ما تقره الفلسفة وما لا تقره، على رأي بيجوفيتش.

المساواة والسمو الإنساني خاصيتان لا يمكن تطبيقهما إلا عن طريق الدين. فلا يمكن أن تتساوى كل هذه الطبقات الاجتماعية والأعراق والتعددات الأممية إلا في إطار واحد وهو أننا جميعًا عباد الله. فلا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. ولا قيمة لثري على فقير ولا سلطة لقوقازي على زنجي! صحة البدن لا تزكي السليم على العليل!

إن المساواة مستحيلة في وجود المكتنزات المادية من علم ومال وثروات تقسم الشعوب لدول متقدمة وأخرى نامية. الفئة العاملة الكادحة والفئة البورجوازية الناهبة.

ونرى ذلك في الأدب الروسي كأعمال ديستويفسكي والأدب الفرنسي كشخصيات روائية مثل جان فالجان وفانتين.

وكل الأعمال التي جسدت الثورة الفرنسية حيث قامت على مبادئ روحية إنسانية بحتة.

5- «عندما يكون الإنسان واعيًا بحريته وعيًا حقيقيًا فإنه في الوقت نفسه يصبح مقتنعًا بوجود الله. فالله والحرية لا ينفصلان». كارل جاسبرز.

«الله وحده هو القادر على أن يخلق مخلوقًا حرًا. فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق». علي عزت بيجوفيتش.

الحرية هي جوهر الروح.

إننا استطعنا أن نصنع آلات تشبهنا تقوم بمهامنا وتمت برمجتها على تلبية حاجاتنا لكن لم نستطع منحها الحرية.

فلا تمييز لها ولا إرادة ولا ضمير مجرد مسخ من جلد ومسامير وقطع حديدية متلاحمة.

فإذا وجدت الحرية وجدت الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإسلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد