«لقد جرت سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه أن يفتنهم ويختبرهم ليميز الخبيث من الطيب «الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)». ولقد اعتاد الظالمون من الحكام أن يضطهدوا الذين يخالفونهم في سلوكهم المنحرف، ويناهضوهم في أفكارهم الباطلة، ولم يسايروهم في أهوائهم، وينزلوا بهم أنواع المحن بعد أن أعرضوا عن أشكال المنح التي قدمها الحكام إليهم في ذلة وصغر، ولكن أنى للنفوس الكريمة ذات المعدن الطيب أن تغرى بالمال، أو يسيل لعابها على فتات الدنيا، أو تستمال بعرض زائل من الحياة.

أما المحن فقد استعدوا لها، وتحملوا نارها بصبر وجلد، وصابروا شدة بأسها بعزم واحتساب، لأنهم فقهوا قوله تعالى: «قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ»، وآمنوا بقول الخالق العظيم: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ»، وكان أئمة المسلمين من السادة والعلماء الذين اشرأبت الأعناق إليهم إجلالًا وتقديرًا وولاءً في مقدمة الذين أصابتهم المحن ونزلت بهم الشدائد الصعاب؛ فخرجوا منها ظافرين ظاهرين.

إنها كلمات الشيخ المجاهد عبد العزيز البدري الذي ضرب بسيرته عبر عمره القصير الذي لم يتجاوز الأربعين أروع مثل لصبر العلماء والدعاة أمام بطش الطغاة، آخذًا بالعزيمة مقدمًا روحه رخيصة في سبيل إعزاز دين الله، فكان نعم المثل والقدوة جرأة وصلابة، وصبرًا وثباتًا.

كتب هذه الكلمات مقدمةً لكتابه «الإسلام بين العلماء والحكام»، ليرد فيه على علماء السلطان الذين أرسلهم إليه عبد الكريم قاسم الرئيس العراقي حينئذ ليثنوه عن الاستمرار في مهاجمة نظامه المستبد وتعريته أمام الجماهير وتعبئتهم ضده ليؤدوا واجبهم تجاه دينهم ووطنهم وأمتهم، مظهرين له خوفهم عليه، مستنكرين اشتغاله بالسياسة، فالدين أقدس من أن ننحدر به إلى ألاعيب السياسة ودنسها، فكتب لهم هذا الكتاب ليقوم تجاههم وتجاه الأمة بالواجب كما في قوله تعالى: «لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ»، مبينًا للأمة أن هذا هو الطريق، أمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتصد للظالمين، وتبشير بالدين، وصبر على أذى المتجبرين، الطريق الذي سار فيه سلف الأمة الصالح الذين تصدوا للظلم والظالمين، وقدموا أروع الأمثلة للبذل والتضحية في سبيل إحقاق الحق وإعزاز هذا الدين، مثل ابن تيمية، والعز بن عبد السلام، وسعيد بن المسيب، والبخاري، وابن حنبل، وعز الدين القسام، وعمر المختار، وحسن البنا، وغيرهم من العلماء العاملين والمجاهدين.

وعظمة هذه الكلمات التي ربما يتقولها الكثيرون على منابر الدعوة في أوقات الرخاء أنها كلمات صدق لرجل صادق كانت مواقفه في إنكار المنكر والتصدي للظلم والظالمين أبقى أثرًا، وأعظم تأثيرًا من كلماته، وتعرض بمواقفه لأشد أنواع العذاب فما لانت له قناة وما زاد إلا صلابة وشموخًا، ولم يطأطئ لعدو رأسًا، ولم يعترف لهم بشرعية، ولم يعطهم تأييدًا، بل كان يصر عند التحقيق معه على أنهم عملاء وأذناب للمستعمر رغم هول التعذيب الذي كانوا يمارسونه ضده أثناء التحقيق، حتى إن بعض المعتقلين قد رووا أنه ضرب رئيس التحقيق عندما شتمه، فانهالوا عليه بالضرب حتى أغمي عليه. ثم ختمت حياته على يد زبانية الظالمين تحت أهوال التعذيب وقطعوا لسانه وسلموه جثة هامدة إلى أهله لترتفع روحه إلى بارئها تشكو إلى الله ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

أخي الثائر الحر الذي لم يخرج من بيته ليملأ ميادين الحرية إلا ليقول كلمة حق في وجه سلطان جائر طالبًا رفقة حمزة بن عبد المطلب في الجنة، هذا هو الطريق، محنة وابتلاء، وصبر ومعاناة، ثم نصر وتمكين أو شهادة، حقيقة فهمها هذا العالم الرباني الشاب الذي لاح له بريق الأجر فاستعذب كل ما يلاقيه في سبيل الله، ووقف على سير الصالحين ممن سبقوه فأبى أن يكون أقل منهم بذلًا أو دونهم أجرًا قائلًا بلسان حاله ما قاله غيره من الصالحين: «أيظن أصحاب محمد أن يستأثروا به دوننا؟ كلا، والله لنزاحمنهم عليه زحامًا حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالًا».

فليكن لك فيهم المثل، ولتجدد النية، ولتستظهر الرؤية، ولتعقد العزم، ولتستحضر بريق الأجر، ولتستمطر رحمات الله بالذكر، ولتنتظر بعد ذلك النصر. «وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد