إن المنطق العقلي هو أساس التوازن والتميز بين الخطأ والصواب، وبين الصحيح وغيره، ومن هنا نجد القرآن معجزًا بأسراره العظيمة؛ فهو الذي يرشد ويصحح المفاهيم، وهو خير هاد للطريق الصحيح، فلا العلم سابق على القرآن، ولا العقل دون القرآن، يستطيع الوصول إلى أعلى وأرقى حالات التوازن والسلام.

انظر في الكون حولك؛ لترى العديد من الحقائق، انظر ثم انظر؛ لترى نواميس الكون خاضعة لمشيئة الله وقدرته، انظر في نفسك وفي السماوات؛ سترى العديد من العجائب والعلاقات الدالة على وجود خالق واحد للكون، هو الذي نظمه في تلك المنظومة التي لا ينحرف أي شيء فيها عن مساره نهائيًا، فالكل يسير وفق أمره وتقديره، ومن هنا فلسوف نستعرض بعض الأدلة الدالة على هذا التسليم لله، وإسلام الكون له من مجرات وأفلاك إنسان وجان ونبات وحيوان، ولن نستطيع إحصاء كل شيء، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن نجتهد لإلقاء ومضات ضوء في سبيل إيضاح الحقيقة بالحق المبين.

سوف نذهب لنقف على بعض الحقائق العلمية، ونواحي الإعجاز في القرآن العظيم، فنستعرض بعض ما أخبر به الله نبيه ورسوله محمد منذ ألف وأربعمائة عام، وقبل أن يتوصل العلم إليه في عصر وزمان لم يكن فيه أي تكنولوجيا حديثة أو متطورة، ومن خلال ربط تلك المعجزات العلمية والكونية بأدلتها سوف نصل إلى أن لهذا الكون خالق واحد، وأن القرآن حق، وأن الرسالة المحمدية قضية لا تحتمل أي شك أو تشكيك.

في البداية يتحدث القرآن ويخبر أن لهذا الكون إلهًا واحدًا، ولو كان هناك إلهان لذهب كل إله برأيه وخلقه في مكان مختلف، وبما أن الخلق كله في نطاق واحد، وكون واحد، فحتمًا إن هناك إلهًا واحدًا له، فقال في سورة الأنبياء: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ.

 وهذا بمعنى: لفسد التدبير أو لفسد الخلق أو لحدث فساد بما يقتضيه النزاع بينهما، فهذا يريد أمرًا والآخر يريد ضده، وكما بين في سورة (المؤمنون) فقال: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ. فأصبح التفكير في وجود إلهين خالقين أمرًا يخالف نواميس العقل والمنطق والصواب.

ولو سألت البعض كيف جاء هذا الكون العظيم؟ وكيف كان من قبل؟ فسيقول لك من خلال الحقيقة العلمية: إنه كان كتلة واحدة، ثم حدث انفجار هائل، تكونت على أثره سحابة من الدخان، ثم تكونت المجرات والكواكب والنجوم والسموات والأرض وغيرها، وهذا صحيح، فلم يكن معلوم قبل القرن الماضي، أي أقل من مائة عام مضت، كيف نشأ هذا الكون، ولكن هذه الحقيقة قد أثبتتها النظريات العلمية والعالمية، فما قولك إن علمت أن الله أخبر بها من قبل في القرآن منذ ألف وأربعمائة عام في سورة الأنبياء؛ حيث قال: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ!

 وهنا يتحدث عن معجزتين وحقيقتين علميتين في آية واحدة، كيف نشأ الخلق وتكونت الأكوان والسموات والأرض، ثم الأخرى أن كل شيء حي نشأ من الماء، وهذا ما أقرته النظريات العلمية الآن، والذي لم تتوصل إليه إلا في الأعوام الماضية.

ثم يصف بدقه متناهية الأرض التي نعيش عليها محددًا شكلها، حيث كان يظن البشر أنها ممتدة ومبسوطة فقط، إلى أن تم إثبات كروية الأرض، والعلم الحديث برهن على ذلك، وقال إنها ليست كروية مستديرة تمامًا، بل مبسوطة الأقطاب وبارزة من المركز، فشكلها بيضاوي، وليس مستديرًا، نعم فلقد أخبرنا الله بهذا؛ فهو العالم بخلقه جميعًا، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، فبين لنا في سورة النازعات على فرض أن الإشارة في خلق الأرض هنا بعدية ذكر، أي ليست تقتضي وجوب الترتيب، وربما تفيد المراحل التي نشأت الأرض عليها.

 فقال: أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ.

والدحي جاء بمعنيين: الأول هو المبسوط الممتد، والثانى من البيضة الكبيرة، حيث يشار إلى بيض النعام بالدحي، وذهبت متأملًا المعنى، فتعايشت في كيفيه نشأة الأرض، فقد ذكر القرآن أن الأرض خلقت، ثم السموات في قوله: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.

ثم ذكر في الموضع السابق لذلك أن السماء بناها، ورفع سمكها فسواها، والأرض بعد ذلك دحاها، ولا يوجد أي تعارض بين القولين، إنما هو بلاغة ودقة وإبداع القرآن في الوصف والذكر؛ فنجد الإشارة هنا تبين للمتأمل في سياق المعنى أن الأرض خلقت كتلة واحدة، ثم بعد ذلك السموات، ثم عودة إلى الأرض، وإعدادها للمرعى، أي للمخلوقات والحياة، ولقد أقر علماء طبقات الأرض ذلك.

 ثم يذكر الشمس والقمر فيخبر عن الشمس أنها سراج وهاج. والوهج مصدر إضاءة ذاتي، ويخبر عن القمر بأنه منير، فيقول: وقمرًا منيرًا. والمنير يستمد ضوءه من غيره، أي أن ضوء القمر هو انعكاس، وليس ذاتيًا، وهذا ما أقرته الحقائق العلمية حديثًا، حيث ميز الله كليهما في سورة الفرقان، فقال تبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا. لقد تعلمنا أن الشمس ثابتة إلى أن تبين قبل سنوات مضت، وبالتحديد في ثمانينات القرن الماضي، حيث ثبت أن الشمس تدور حول نفسها مرة كل 25 يومًا، والقرآن في سورة يس يقول: لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.

نظرية دورة حياة الماء في الطبيعة، وأن الماء يتبخر من المحيطات مكونًا السحاب الذي بدورة يسقط في شكل أمطار ليعبر عن دورة الماء في الطبيعة، وقبل أن تكتشف تلك النظرية أخبر الله بها في سورة الأعراف من القرآن العظيم، فقال وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

كما تتضمن الآيات نظرية إعادة الخلق والبعث، وفي موضع سورة القيامة يقول الله: بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ. أي أطراف الأصابع وإعادتها كما كانت، ليس فقط إعاده العظم واللحم والدماء والروح، بل منتهى الدقة في إعاده تكوين بصمات الأصابع، حيث تعنى بنانه أطراف الأصابع، والعلم يقول الآن: إن لكل شخص بصمة لا يمتلكها أي شخص آخر نهائيًا، ويتخذونها معيارًا للكشف عن هوية الأشخاص، والقرآن يخبرنا أن إعادة الخلق وكل إنسان في الحياة الحقيقية بعد الموت لن تتحمل أي خطأ في الأشخاص وفق ما ستتخذون من معيار يحدد ذلك.

كل ما سبق يستدعى التصديق بحقيقة أن هناك إلهًا واحدًا خالقًا لكل شيء، ومن خلال ذكر تلك الحقائق العلمية والمعجزات في القرآن، يكون بذلك دليل على حقيقة أنه من عند الله، وعلى صدق الرسالة المحمدية، وحقيقة أنه نبي الله وخاتم رسله، وإن الدين عند الله الإسلام، وأنه هو دين الله للوجود كله، ولنا بقية في المقال القادم لاستعراض نواحي الإعجاز الزمني والتاريخي مع جولة في عالم المخلوقات نكشف أسرارها من القرآن، وما اتفق العلم والتكنولوجيا الحديثة معه فيها، ولو اتبعت جموع العلماء القرآن، واستطاعوا فهمه جيدًا وتعمقوا في معانيه العظيمة، لبلغوا من الأسرار والاكتشافات ما تجعلهم يقفزون فوق عجلة الزمان ويحلقون في آفاق عالية، لم يسبقهم إليها إنس ولا جان، ولو صدق إيمانهم وصدقوا، لآتاهم الله من فضله وعظيم عطاياه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد