الإسلام وتنطع العميقين

يتهافت الكثير من الناس على رأسهم بعضًا من المفكرين من أبناء الجلدة الإسلامية، والذين ينسبون لأنفسهم الفهم العميق، والغوص الشديد في مدلولات الحياة، وبواعث النهضة، وفقاعات القيامة لما يرونه تخلفًا في المجتمع الإسلامي، وجهلًا بين أبنائه نظرًا لتمسكهم بقيمه العادلة، ومكنوناته الملهمة، وأسسه العالمية.

لقد تغرّب الكثير من هؤلاء فتشربوا أفكار الغرب، واستصاغوا قيمه، ومارسوه في حياتهم؛ حتى صار في نظرهم أن شعوب الإسلام عبارة عن دراويش قديمة، وعقول ضحلة، وذوو أفكار رجعية، لا يملكون غير التمتمات في المساجد، والأحكام في الوضوء، والحيض والنفاس.

إن هذه الحداثة المزعومه، والاسطوانات المشروخة التي يتبناها قليلو الاطلاع بشمولية الإسلام، ومطلقو الأحكام قبل التعمق في درره، ومدلولات الشريعة الغراء التي جاءت لبث منظومة المصالح، وقاعدة المنافع الواسعة، ودلائل الحياة الحقيقية للمرأة والطفل، للمسلم والكافر، للإنسان والحيوان، للصلاة والسياسة، للعلم والقوة، للصناعة والنهضة التي تظلها بشمول نادر، وتحويها بترتيب وانتظام حقيقي ودقيق لا يقتصر على زوايا محصورة، أو منافذ ضيقة كما يراها ذوو الأفهام الناقمة، والعقول الحاقدة أرباب الاسطوانات المشروخة، والفقاعات المثقوبة التي أثبتت تغيرها وتبدلها وعدم صلاحيتها كلما تجدد الزمن، وتغير العصر، وتطورت العلوم، وتنورت العقول، لقد كانت في الماضي دين هؤلاء الحداثيين، وديدنهم الذي ينهمون به، ويقذعون الإسلام كحال اليوم، فقد كانت الرأسمالية والاشتراكية، والديمقراطية، واليوم الإنسانية التي اعتبرها الكثير دين الحداثة، وواقع اليوم، ومظلّة العالم، وسماء التوافق ولا غرر في ذلك طالما آمن بها ودعا إليها، ووضح مدلولاتها بعلم، وفهم وإقناع، لا بالتجني والنقمة من الإسلام الذي هو دينه، ومنهج ربه الذي خلق عقله ذا الفكر الأعرج، والفهم القبيح.

إن قلّة الاطلاع، وضحالة الفكر، وجهل هذه الافهام بهذا الدين قد جعلهم سهام الغرب، وفجرة الزمان، وقهقاهي المواقع والمنصات لبث أفكار مغلوطه، وعبارات ناقصة حول الإسلام وأرضيته الصلبة التي تكسر جمجمته الفارغه لو أنه وعاها.

إنه لمن المعيب جدًا، والمخجل أن ترى من أبناء الإسلام يناضح عن هذه الاسطوانات المشروخة التي أثبتت وتثبت تغيرها وتبدلها فقد تسود بمنفعة ما ثم تضمحل، ولا يعني أن نلغي كل ما يأتي من صالح عام للأمة من الشرق أو الغرب، لكن ياترى لما هذه النقمة غير المبررة ضد الإسلام.

إن هؤلاء الأبواق الذين يقدمون على ذلك لا يعرفُون أن شرائع الإسلام هي أعظم من شرائع الإنسانية، وأن الإسلام هو أكثر إنسانية من الإنسانية نفسها، لأن الإسلام هو أول من طبق وأوجد الإنسانية وشرع قوانينها وكرم الإنسان ورفع قيمتهُ وكرامتهُ. قال تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ».

والإسلام يحافظ على الإنسان ويحوطه في دنياه، ويسعى لحمايته وإحاطته حتى في الآخرة، كون الحياة ليست النهاية، فهناك حياة أخرى تستوجب حفظ الإنسان من العذاب والوقوع في غضب الله سبحانه.

وأما مصطلح الإنسانية اليوم فلا تكاد تنفعك في الدنيا فقط؛ لأن مصطلح الإنسانية ليس كاملًا، والإسلام هو ما يكمل الإنسانية؛ أي أن الإسلام يحقق شروط الإنسانية، لكن العكس غير صحيح. فالإسلام بمفهومه الصحيح، وشموله الواسع يحث المسلم الحقيقي على أن يكون في قمة الإنسانية عند تعامله حتى مع غير المسلمين يحفظ لهم حقوقهم ويصون عرضهم ويحترم جوارهم ويحسن إليهم.

أن تكون مسلمًا أي أنك تتحرك بأخلاق الإسلام، وقيم العدل، وباعث الإيمان، تحق الحق، وتزدري الباطل، وتحارب الجهل، وتحادد الظلم، تقارع الفساد، وتبغض العنصرية.

أن تكون إنسانًا، أي أن يحركك غضبك، وتسودك شهوتك، وتغويك نفسك، فهذا مسطح بن أثاث الذي شارك في حادثة الإفك، والذي كان أبو بكر الصديق ينفق عليه، فقرر أن يمنع نفقته عنه حتى نزل قول الله «ولا يأتل أولى الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين…» إلى أن قال: «وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم».

لذا فقد منعه من خلال باعث الإنسان، حتى نزل أمر الله وباعث الإسلام فغلب باعث الإسلام على إنسانية أبي بكر الصديق رضي الله عنه، إن باعث الإنسان الذي قد دعاه إلى الغضب، وقطع العلاقات، والانتصار لحظ النفس، وإن كان محقًا فهنا تتجلى قيمة الإسلام على قيمة الإنسانية، وما جاء الإسلام إلا ليحفظ الإنسانية، ويعلي من قيمتها..

وليس هناك أفضلية للون، أو الشكل، أو الجنس، وإنما الجميع متساوون في الحقوق والواجبات، ولا يوجد أي نظام أو دين حقق مبدأ المساواة بين البشر مثل ما حققه الإسلام حيث تجاهل جميع الاختلافات والفروق بين الخلق وجعل ميزان التفاضل الوحيد هو التقوى بين المسلمين، والمعاملة القائمة على الاحترام المتبادل، وإعطاء كل ذي حق حقه مع غير المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا مَن ظلَمَ مُعَاهَدًا، أو انْتَقَصَهُ حَقَّهُ، أو كَلَّفَهُ فَوقَ طاقَتِه، أو أخَذَ مِنهُ شيئًا بِغيرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنهُ، فأنَا حَجِيجُهُ يَومَ القِيامةِ»، يظهر من هذا الحديث عِظَم شأن الإنسان أيًّا كان دينه عند الله ورسوله فالمعاهد هو الشخص الذي بينه وبين المسلمين عهد، وقد يكون المعاهد من أهل الكتاب أو من غيرهم من الكفار والمشركين، ففي هذا الحديث بيان لحقوق أهل الذمة وتحريم وقوع الظلم على أي أحد، حيث جعل رسول الله نفسه خصيمًا للظالم يوم القيامة.

إن المشرّع هو الله، والخالق هو الله الذي يعلم الإنسان وطاقاته، ويعرف الإنسان وحدوده، فلا يشك عاقل أن مشرّعًا غاب عنه أمر المستقبل يُقصّر تشريعه عن تحقيق متطلبات الإنسان، ومشرع خلق الإنسان ويعلم دخائله، فالمستقبل عنده كالماضي والحال، فإن تشريعه يحقق للإنسان إنسانيته، من غير أن يتعدى أحد على أحد أو أن يكون له مصلحة في زيد دون عمر.

أما ديدن أصحاب الأديان الحداثية فإن لهم كل وقت أديان، وثقافات تنتعش فترة بفعل الإنسان، والعلم المتاح، ثم سرعان ما تضمحل، ويخفت نورها، فيسعى المنظرون تارة أخرى للبحث عن مظلة يسيرون تحت ظلها فيقدسونها ويشعلون العالم بها فتضمحل وهكذا، فبالأمس الرأسمالية، ثم الاشتراكية، ثم الديمقراطية، فالإنسانية وغيرها من الاسطوانات التي سرعان ما تنشرخ وتُثقب بفعل المستجدات والأحداث والتطورات إلا أن المكابرة تقتلهم دون أن يشعروا.

إن الإسلام لم يأت من أجل شخص، أو فئة، أو مجتمع معين، بل للعالم كل العالم بإنسه وجنه وحيوانه ونباته، لذا فهو مظلة لكل ما في الحياة، ونور لمن يريد أن يبصر، وهداية لمن يبحث، وفكر لمن يتدبر، وسبيل لمن يبحث عن الحقيقة.

فمتى كان الإسلام ضد الإنسان، ومتى تعارض مع مصالح الإنسان؟

إن من يقدم هذه الاسطوانات المشروخة على نظام الإسلام فوق الإنسانية لا يدل إلا على قلة وعيه، وقصور فهمه للإسلام فهمًا حقيقيًا، ووعيًا دقيقًا فلا يسفه فيه إلا جاهل، ولا يقلل من نظامه إلا جاحد أو مريض نفسي.

إن الأخطاء التي تصدر من المسلم لا تعني بحال وجهة نظر الإسلام، وإن التصرفات المغلوطة لا تدل على فكرة الإسلام، فكل خلق دميم، وتصرف مشين لا يمثل إلا صاحبه، ولا يدل إلا على فاعله بعيدًا لقلة فهمه، وقصور وعيه.

إن الناظر لحال الأمة اليوم ومدعي الإنسانية يجد عجبًا فعندما تخيط الفيروسات الأمم بفعل دعاة الإنسانية، وعندما تُباد شعوب وقرى، وتهجر أسر، وتنزح مجتمعات بفعل دعاة الحضارة والإنسانية يتضح للمرء هراء هذه الاسطوانات، وقبح أصحابها، وتفاهة الأبواق الساذجة التي يستخدمونها لتنظيف قذاراتهم، خصوصًا ذوو العقول التي صُنعت على أيديهم، وطُبخت في مطابخهم، وعُجنت في صحونهم المليئة بالحقد ضد كل ما هو من رحم الإسلام، دين مبنيٌ على الحب والسلام، ومفتاحه الرحمة والسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد