علي عزت بيجوفيتش أول رئيس جمهوري لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء حرب البوسنة والهرسك، هو ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي، مؤلف لعدة كتب، أهمها الإسلام بين الشرق والغرب، وطرح نظرته الفلسفية تجاه معاناة المسلم الأوروبي في العصر الحديث، الذي يجد نفسه ببن حدين، فإما أن يتبنى المسيحية الغربية التي غرقت في الغيبيات والروحانيات، مع تجاهل للواقع المادي، وإما اعتناق الإلحاد الذي يقوم على المادة فقط، دون أهمية للمبادئ والقيم التي تخالف قوة الأفكار المساهمة في صناعة الواقع، والمحرك الأبرز للأحداث الكبرى في تاريخ البشرية.

العداء بين الغرب والإسلام لا يتعلق بالصراعات والمناوشات الممتدة منذ الحروب الصليبية، بل إلى تجربة الغرب مع الدين في العصور الوسطى، الذي عجز عن فهم جوهر الإسلام وحقيقته، وعدم إدراك أهمية مفاهيم مهمة في حياة المسلم؛ كالصلاة والزكاة والوضوء، والأمة التي تجمع جميع البلدان الإسلامية بعضها ببعض دون وجود للدولة القومية «كما أن التجربة التي خضعت لها أوروبا من معاداة الدين واحتكار السلطات والثروات في أقلية من الرهبان، والمتاجرة بآمال غالبية الشعوب وأرواحهم عن طريق صكوك الغفران، والأحداث التي أشعلت حربًا أهلية ذات طابع مذهبي بين الثوار على «سلطة الفاتيكان» البروتستانت، بقيادة مارتن لوثر وأنصار الكنيسة الكاثوليكية، في صراع من أعنف الصراعات في تاريخ البشرية، نتج عنه إبادة ثلث أوروبا في وقت كانت الحضارة الإسلامية تعيش في أوج ازدهارها، والعدالة بين الحاكم والمحكوم، والمساواة بين المسلم واليهودي، وثقافة تقبل الآخر في كنف مجتمع متنور.

eliffoundherway: Quran ♥ auf We Heart It - http://weheartit.com/entry/124455530

تتصف الشريعة الإسلامية بالروحانية والمادية في الوقت ذاته من وضعها النواة لأسس العلوم، مع كفالتها للحريات والأفكار بتنظيم الحياة في كل موقع، مع توفير احتياجات العصر، والتسليم الكامل لله، أن علينا ألا نستسلم لسلطة الأجداد الفكرية، وألا نضحي بمبادئنا وقيمنا الإسلامية من أجل الاتباع الأعمى للثقافة الغربية، بالمحافظة على نظام الفطرة الإنسانية، بتقبل الإيجابي من الجديد، مع المحافظة على هويتنا وثقافتنا المتجسدة في الفلسفة الإسلامية، التي ازدهرت حتى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، ثم أضاءت بعد ذلك في فترات متقطعة، استقرت فكرة أن العلم والوحي متفقان بالضرورة، وقد اعتنق هذه الفكرة بقوة كل من ابن رشد والفارابي، ولقد أثبت التاريخ الحضاري للإسلام بشكل مقنع أن الدين والعلم يمكنهما حقًّا أن يتفقا ويساهما في تغيير الواقع تغييرًا جذريًّا.

يتميز الإسلام بجعل الأصل في الإباحة وليس التحريم، كما يفعل المتطرفون في بعض الأقاليم، من تشويه لجوهر الدين الذي تطغى على طبيعته الإنسانية والتراحم، فضلاً عن مراعاته لمقتضيات العصر والزمان بتنوع الفتاوي والتفاسير الشرعية واختلافها من دولة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل، بخلاف معظم الديانات التي تفرض طريقة فكر جامدة لا تتصف بالمرونة والتيسير.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن،
قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله،
قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو.
فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله.

بنيت الحضارة الإسلامية على الفلسفة الإغريقية والحضارات السابقة، كالآشورية والرومانية والبيزنطية ضمن فهم صحيح واجتهاد من قبل علماء لا يخدمون مصلحة السلطان على حساب الطبقة الكادحة من الأمة الإسلامية، حتى مجيء القرن السادس عشر الذي بدأت فيه حالة من الانحدار الحضاري والفكري والأخلاقي، بعد وجود حالة من التعصب الفكري والانغلاق بداخل قوقعة لدى بعض الفقهاء، بتحريض العامة على الاكتفاء بتعلم الجوانب الشرعية وإهمال العلوم بكافة أنواعها، وخاصة الفلسفة والمنطق، وجعل الموسيقى والفن الراقي الذي أوجده المسلمون في الأندلس من تقديسهم للجمال والإبداع ضمن الإطار المحرم شرعًا، بعد مغالاتهم في الاهتمام بالآيات والأحاديث بشكل ظاهري، وأخذ النص عن جمود دون تفكر أو تفسير فقهي! لتبدأ بعدها مرحلة صعود للبلاد الغربية وانحدار الحضارة الإسلامية، التي اهتمت بالجانب الروحي مع إهمال الجانب المادي في آخر مراحلها.

الثقافة هي تأثير الدين على الإنسان، أو تأثير الإنسان في نفسه، بينما الحضارة هي تأثير الذكاء على الطبيعة أو العالم الخارجي. الثقافة معناها الفن الذي يكون به الإنسان إنسانًا، أما الحضارة فتعني فن العمل والسيطرة وصناعة الأشياء صناعة دقيقة، الثقافة هي الخلق المستمر للذات، أما الحضارة فهي التغيير المستمر للعالم، وهذا هو تضاد: الإنسان والشيء الإنسانية والشيئية.

                                                    علي عزت بيجوفيتش

المعرفة البشرية كانت تتضاعف قديمًا كل 100 عام، وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت تتضاعف خلال 25 سنة، وبحسب شركة IBM من أعظم شركات البرمجيات المعرفة تتضاعف الآن كل 18 ساعة، فإذا لم نتخذ خطوات جريئة تجاه العقلية المحافظة الأصولية ستندثر الأمة العربية إلى غير رجعة، وتخرج عن الوجود خلال بضعة عقود، إلا أن التقدم دون قيم يعرضنا للمخاطرة بالاجتثاث والضياع كما يحدث حاليًا في المجتمعات الرأسمالية المتوحشة، من تكنولوجيا وتقدم فكري إلا أنها تحتضر كنتاج لوجود 80% من الشعب ضمن شريحة كبار السن، وأقلية العنصر الشاب التي تبنى بسواعده البلاد، بسبب عدم الإقبال على الزواج والاكتفاء بالعلاقات غير الشرعية، بالانحراف الجنسي تجاه الإشباع المؤقت، فضلاً عن زيادة طردية بمعدلات الاغتصاب والسرقات والجرائم، رغم وجود نظام أمني وتكنولوجي متقدم، تعوض الأنظمة الرأسمالية العنصر البشري باجتذاب سكان الدول الضعيفة اقتصاديًّا وإهدائهم الجنسية الوطنية ضمن شروط معينة للمحافظة على ذاتها من الانقراض، مع دفع ضريبة لتغيير الهوية والثقافة الداخلية إلى ثقافة تقوم على أفكار المهاجرين واللاجئين، مما تدفع بالهوية الوطنية الغربية نحو الاندثار التدريجي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست