بالتأمل الخاطف والسريع للمنطقة العربية سنجد هناك مشهدًا سرياليًّا متكررًا ومألوفـًا في المشهد العربي، لدرجة أن العقل العربي صار لا يستنكر ولا يستغرب من هذا المشهد، إنه مشهد  التعدد في الرؤى والفهم للواقع السياسي من منظور ديني إسلامي، أدى ذلك إلى ادعاء كل طرف بأنه هو من يمثل الإسلام الحق، وغيره مليء بالأخطاء والمغالطات، فأصبحت الساحة السياسية مليئة بالإسلامات المتعددة، التي يدعي كل إسلامٍ  أنه هو الإسلام الحق، وهو الإسلام الأفضل والأكمل.

ونجد أن هذا المسار يبدأ من الجماعات التي ترى بان اجتناب الحياة السياسية هو الدين الحق، إلى الجماعات التي تعتقد بأن الدين لا يقوم إلا مع وجود دولة وسلطة إسلامية، مرورًا بالجماعات التي ترى أن الديمقراطية وسيلة للوصول إلى الحكم وفرض نمط ديني معين ، إلى الجماعات التي لا تؤمن بالديمقراطية بتاتـًا، وترى أنها معارضة للدين وللعقيدة. كل ذلك أدى إلى نشوء مواجهات وصراعات بين كل تلك الأطراف، فأصبح المشهد يمثل إسلامًا يواجه إسلامًا .

هذه المواجهات تتنوع في الأشكال والمستويات، تبدأ من المواجهة الفكرية بأسلحة التكفير والتفسيق والتضليل إلى المواجهة المسلحة بكل الأسلحة المادية وأنواع متعددة من فنون القتل والتعذيب.

ولو دققنا أكثر وتعمقنا في جوهر هذه الصراعات والمواجهات سنجد أن كل ذلك ينطلق من فرضية أن للدين حضورًا مباشرًا في الحياة السياسية وفي الأنظمة السياسية، وأن هناك منطلقـًا رئيسيًّا تنطلق منه جميع تلك التيارات المختلفة، وهو أن الدين الإسلامي شامل لجميع مجالات الحياة.

وللأسف هذا الفهم توجد به عديد من المغالطات، أبرز هذه المغالطات هو مقولة إن الدين شامل لجميع مجالات الحياة، حيث إن تلك المقولة لا تعني بالضرورة أن للدين حضورًا في دائرة العقيدة والعبادات بنفس حجم وشكل الحضور والتأثير  في دائرة الاجتماع الإنساني، سواء في مسار الاجتماع السياسي أم الاجتماع الاقتصادي، بل يجب التمييز بين الدائرتين، ففي دائرة العقيدة والعبادات يحضر الدين حضورًا مباشرًا وعميقـًا، أما في دائرة الاجتماع الإنساني سياسيًا كان أم اقتصاديًا فإن للدين حضورًا وتأثيرًا أيضًا، لكن شكل هذا الحضور والتأثير يكون على مستوى المرجعيات الأخلاقية الكلية، بعيدًا عن إعطاء نماذج أو نظم أو قواعد مباشرة لتنظم الحياة السياسية أو الاقتصادية.

وبالتالي فإن أي تصور ينطلق من أن الدين الإسلامي قادرٌ على إعطاء موجهات محددة لبناء نظام سياسي أو اقتصادي فإنه سيصطدم بآخرين يحملون الفكرة الأولية نفسها لكنهم مختلفون في التوجهات النهائية لبناء ذلك النظام، ولأن الطرفين يعتقدان أنهما على المسار الصحيح للدين وكل منهما يعتقد أن الآخر على المسار المنحرف، عندها تكتسب تلك الخلافات السياسية ذات الطبيعية البشرية، تكتسب بعدًا مقدسًا ودينيًا ، مما يؤجج من قوة الصراع وشدته بينهما، وبالتالي فإن المتأمل لمنطلقات هذه الصراعات سيجد أنها تنطلق من فرضية الحضور الشامل للدين في دائرة الاجتماع الإنساني، لهذا يمكن توصيفها بأنه صراع إسلام ضد إسلام آخر، وأن الحل الجذري لهذه الصراعات لا يكون عبر مسكنات الألم مثل الدعوة للتعايش والتسامح، بل يكون الحل عبر مراجعات فكرية لأساسيات ومنطلقات تلك التصورات، فكما ذكرنا أن ادعاء كل طرف بأن تصوراته وتوجهاته السياسية تمثل الدين الإسلامي.

هذا الادعاء كاف لكي يبقي أساس الصراعات الدينية وجوهرها في المنطقة، فالحال في سوريا والعراق واليمن وليبيا ليس صراعًا بين أنظمة فاشلة ومستبدة ومقاومة ديمقراطية، بل هو صراع بين أنظمة فاشلة ومستبدة ملتحفة بلحاف مفاهيم دينية معينة ومقاومة لتلك الأنظمة تحمل الأفكار الدينية نفسها التي ترعى الاستبداد والفساد  في ذلك النظام؛ فالمتأمل للحالة الدينية وبالأخص مواقف علماء الدين تجاه الأحداث السياسية، سنجد أن قراءتهم للواقع السياسي وما يتبع  تلك القراءة من مواقف معينة تجاه سياسات أو أحداث سياسية، كانت تلك القراءة تلتحف بلحافٍ ديني، بحيث يصور بعضهم أن تلك القراءات والمواقف شأن ديني ثابت مقدس، ولكن في الحقيقة أن قراءات الفقهاء لهذه الأحداث السياسية لا تعد سوى كونها قراءة بشرية لموقف سياسي متغير، محتمل الصحة ومحتمل الخطأ فيه، وأن هذه القراءة تحتاج لعلوم ومعارف إنسانية بشرية لم يتطرق لها الدين تفصيلاً إنما ذكرها إجمالاً في قوله تعالى: “وإن لكل شيء سببًا” وقوله تعالى: “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم” وفي قوله تعالى: “سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا”.

لكن لم يبق الحال كذلك في دول الربيع العربي، بل وصل إلى انقسامات في  معسكر معارضي النظام وبالأخص ذوي الخلفية الدينية، حيث انقسموا إلى اتجاهات تتحارب فيما بينهما وأحيانا كثيرة يكون الصراع بينهما أشد ضراوة وقوة من صراعهم مع النظام الفاسد والمستبد،  وكلٌ من هذه الأطراف والاتجاهات تعتقد أن قراءاتها للواقع وتقديرها للموقف السياسي هي قراءة دينية مقدسة.

من المهم  أن ذلك لا يعني إطلاقـًا تحميل الدين هذه المفاهيم الخطأ للبشر حول علاقة الدين بالاجتماع الإنساني، بل المشكلة في الفكر الإنساني المتدين الذي يحاول ربط الدين بالاجتماع الإنساني بطريقة لا يقبلها الدين ذاته، مع التأكيد على أن للدين حضوره في الإطار الكلي للمرجعية الأخلاقية للاجتماع الإنساني.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد