تسع سنوات رحلت من عمر الأمة ومضت معها تجارب أرخَت بظلالها على تفاصيل الحياة الصغيرة منها والكبيرة، تجارب حملت في طيّاتها شيئًا من السعادة والأمل كما حملت كثيرًا من الحزن والألم، فمن نعيم الثورات والمظاهرات والهتاف في ساحات العز، إلى جحيم الانقلابات العسكرية والانقسامات، والأطماع الخارجية والتدخلات التي عاثت فسادًا في جسد الأمة حتى تركته طريح الفراش مضرجًا بالدماء ومثقلاً بالجراح.

ولقد ابتلينا مع اندلاع هذه الثورات بصنفين من البشر هم أشد الناس ظلمًا لنفسه ولأمته، لم يفقه كلاهما الإسلام ولم يعرفوه حق المعرفة، فأعلن أحدهما براءة الإسلام من الثورات وأعلن الآخر براءة الثورات من الإسلام، فكانت الثورة سبةً وعيبًا للأول وكان الإسلام بعبعًا أو وحشًا ضاريًا عند الثاني.

أما الأول فهم أتباع العلمانية ودعاة الليبرالية الذين لم يتركوا منبرًا متاحًا لهم -وما أكثرها- إلا ودعَوا فيه إلى الحذر مما سموه «أسلمة الثورات» وصبغتها بصبغة إسلامية بعيدًا عن صبغتها الحقيقية، ويا ليتهم أخبرونا ما لون صبغتها الحقيقية التي يدّعون ونحن لم نر المظاهرات تنطلق إلا من أبواب المساجد ولم نسمع الحناجر تصرخ إلا بـ «الله أكبر».

فهل على الناس أن يكفروا كي يرضى عنهم من لم يروه في مظاهرة، ولم يسمعوا صيحاته في هتاف واحد، ولم يعرفوا أصله وفصله؟

وهل عليهم أن يهتفوا للطبيعة ويستعينوا بقواها وأن يتحللوا من الدين ويصادموا الفطرة السليمة كي يرضى عنهم من ليس منهم؟

وإن كنا نلوم هؤلاء لقولهم على الإسلام ما ليس لهم به علم وما ذاك إلا لجهلهم به -فالمرء عدو ما يجهل- أو لحقدٍ طغى في نفوسهم، فإن الملامة الكبرى على أصحاب الصنف الثاني، أولئك الذي لبسوا عمامة الإسلام وجبّته ودعَوا الناس إلى الخنوع والخضوع، والذل بين يدي الحاكم والركوع، والسمع والطاعة لولي الأمر وترك الثورات والرجوع.

إن هؤلاء الذين قالوا هذه المقولة الخاطئة ودعوا الناس فيها للسكوت والقعود، ما كان لهم أن يتكلموا باسم الإسلام لأنهم لم يعرفوا طبيعته، ولم يدركوا ماهيته، ولم يحفظوا سيرته في السابقين، ولم يفهموا آثاره في نفوس المؤمنين، ولم يفقهوا النظام الذي يسير فيه والوجهة التي يطلبها.

إن الإسلام بحد ذاته ثورة، بل هو سيد الثورات والثورة طبيعةٌ وجزء لا يتجزأ منه، وحلةٌ ألبسه الله إياها منذ أول آية أوحاها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم وأعلن فيها ثورة الإسلام على الجهل فقال: «اقرأ» ثم جاءت الثورة على الجاهلية في أضيق نطاق لها «وأنذر عشيرتك الأقربين» ثم تبعها النداء المزلزل الذي أعلن الثورة على الجاهلية العالمية: «وما أَرسلناكَ إِلَّا كَافَّةً للنَّاسِ».

ثورة على الجاهلية وأتباعها وأحكامها التي لا يخلو منها عصر من العصور وإن اختلفت المسميات، وثورة على الظلم والطغيان أيًا تكن قيمة الظالم ورتبته بين الخلق، وثورة على الفساد والإفساد، إذ لا سبيل للتعايش بين الإسلام والمفسدين، فالإسلام دعوة إلى الإصلاح الذي هو ضد الإفساد، ولا مكان لمفسد في بوتقة الإسلام: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر».

ولو قلبنا صفحات التاريخ لوجدنا أن السمة البارزة بين المنتسبين لهذا الدين الحاملين لواءه منذ أن رفعه المصلح الأعظم في تاريخ البشرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي الثورة على كل أمر واقع تفرضه عادات أو وقائع لا تمت للإسلام بصلة مهما عظمت تكاليفها، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يرضى بالحلول الجزئية ولو مؤقتًا مع قريش التي عرضت عليه السيادة والمال والجاه، وكان يستطيع أن يترأسهم لبرهة من الزمن، ومن ثم يفرض العقيدة عليهم فرضًا بعد أن يملك زمام الأمور وتخضع له العقول وتذلَّ له النفوس، ولكنَّ الإسلام يأبى ذلك لأنه يحمل طبيعة أخرى تتناقض تمامًا مع ما كان في الجاهلية، وقد أسهب سيد قطب في كلامه حول هذه النقطة في كتابه معالم في الطريق وختمها بقوله: «وليست وظيفة الإسلام إذن أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الارض، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان … لم تكن هذه وظيفته يوم جاء، ولن تكون هذه وظيفته اليوم ولا في المستقبل».

فهذا هو الإسلام؛ ثورة للحق على الباطل، وثورة للخير على الشر، وثورة للعدل على الظلم، وثورة للإيمان على الجاهلية، وثورة للعقل على الخرافة، وثورة للعلم على الجهل.

ختامًا لا بد أن أوضح أن الإسلام ما كان ليختزل في مثل هؤلاء الدعاة الذين هم قلة قليلة ولولا بعض المنابر لما سمعنا لهم صوتًا أبدًا، فالساحة مليئة بالعلماء العاملين الذين ثاروا وجاهدوا وضحوا بدمائهم وأنفسهم في سبيل حريتهم وكرامتهم ونصرة لأمتهم ولسنا نتكلم عن صفحات من الخيال أو رجال من التاريخ، بل هي صورةٌ مشرقةٌ في عهود الخوف والقمع وقد نقم الظالمون عليهم ذلك أشد نقمة، فالذين تمكنوا منهم قتّلوهم أو أخفوهم في غياهب السجون ومَن لم يتمكنوا منه طاردوه وحرموه من بلاده وأرضه، وإن شئت أن ترى عينة من هؤلاء الرجال الصابرين الصادقين فدونَك سجون مصر والسعودية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد