تابع أغلبنا بغرابة شديدة المقطع المصور الأخير للداعية المشهور عمرو خالد وهو يدعو في المسجد الحرام، وقد أعطى ظهره للكعبة واستقبل كاميرا المصور، بدلًا عنها، وأخذ يدعو بأسلوبه العاطفي المعتاد لعموم المسلمين، وخص بالذكر الشباب والشابات المشتركين عنده في صفحته، ولكنه لم يسلم هذه المرة من سخط رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين انتقدوه بشدة، وجعلوا منه مادة للسخرية، وقد وصل حد الاستياء من ذلك المقطع إلى درجة أن قال الأمير السعودي خالد آل سعود لعمرو خالد: أشهد أني أكرهك في الله.

الملاحظ في هذه الهجمة على الداعية المعروف أنها لم تكن لأسباب سياسية، بل لأسباب تتعلق بأسلوبة وطريقة ظهورة أمام الجمهور وهذا ما كان متوقعًا، وإن بدا غير منطقي إذا عدنا بالذاكرة عشر سنوات إلى الوراء، ففي ذلك الوقت كان يمدح عمرو خالد على أسلوبة وتصوره القنوات الفضائية هو وبعض الدعاة الآخرين على أنهم قدوة للشباب والدعاة على حد سواء.

كانت المشكلة منذ البداية في الأسس التي قامت عليها دعوة الدعاة الجدد، فهي كما يشرح باتريك هايني في كتابه إسلام السوق، دعوة معتمدة بشكل شبه كلي على أدبيات المنجمنت الأمريكية، أي علوم الادارة والتنمية البشرية والذاتية على الطريقة الأمريكية فهي أدبيات تؤصل للمشروع الحداثي العلماني في إطار بروتستانتي؛ فنتج عن ذلك دعوة تؤصل للفردانية وحب الكسب المادي والسعي إليه كغاية، وإلى النسبية المطلقة في كل شيء، وإلى التركيز على مغفرة الله ورحمته والتغافل شبه التام عن عقابة وعذابة وإلى تعظيم قدرات الإنسان مع تجنب الحديث عن جبرية القدر.

كما تركز تلك الأدبيات على أسلوب العرض والتقديم فيجب أن يتميز المحاضر بالحماسة والتفاؤل والحيوية ويجب أن يكون عاطفيا متقنا للعب على عواطف الجماهير ومتمكنًا من التعامل مع الكاميرات وعيون الحضور، منفتحًا على كل رأي ومعتقد ولا يرفض أو يتصادم مع أي منهم خاليًا من أية علامة تدل على تحيزه لرأي أو انتمائه لهوية بعينها.

قد تتضح الصورة الآن، فعندما تؤخذ مبادئ كتلك مع تغليفها بإطار إسلامي فيكون النتاج دعاة يهتمون بالمظهر على حساب الجوهر، دعوة قائمة على تقديس النجاح الشخصي والطموح الدنيوي والكسب المادي وقبول أي فعل ما لم يمس الأركان الخمسة، فكل شيء نسبي، وبالتالي كل شيء مباح، وبالتالي ينتج لدينا ذلك التدين السائل تمامًا الذي يتلاءم والمشروع الحداثي.

وأسباب انتشار ذلك النوع من التدين كثيرة فإغلاق أبواب السياسة في وجة الإسلاميين في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وعودة دعاة كثر من الولايات المتحدة محملين بفكر المنجمنت ونفور الشباب من أسلوب الدعوة القديم الذي كان يحملهم عبء الجهاد والقتال في معركة خسروها في النهاية ولا يذكرهم إلا بعذاب النار وعذاب القبر وبداية ظهور وانتشار البرامج الحوارية في العالم العربي كانت كلها عوامل انتشار ذلك التدين السائل الجديد.

ويفسر هايني أنه قد يكون كل ما سبق مقبولًا عندما يصدر عن واعظ في كنيسة بروتستانتية (فأغلب تلك الأدبيات صدرت عن وعاظ بروتستانتيين) أو عن مدير تنفيذي في شركة عابرة للقارات أو الموطن الغربي العادي، فهذه المبادئ لا تتنافى لا مع البروتستانتية كمذهب ديني مسيحي ولا مع النظام الرأسمالي كنظام اقتصادي فهي تشجع على الاستثمار وكسب الثروة والتنافسية، ولا مع التراث الغربي الذي أنتج الحداثة في الأساس.

لكن هذه الأفكار والمبادئ تتنافى مع الدعوة الاسلامية التقليدية ومع عدة مبادئ مؤصلة في الإسلام كجبرية القدر ولذلك نرى بعد مرور  عقدين على ذلك التيار أنه أنتج جيلًا يعاني من عدم الفهم الكامل للدين والتساهل الشديد في معصية الله فقد تعوّدوا أن الله غفور رحيم، جيلًا لم يعد يعرف ما المقبول والمرفوض دينيًا واجتماعيًا فقد شوشت النسبية المطلقة ودعوة التعايش نظرته للهوية والتراث.

وكان من الطبيعي بعد ثلاثة عقود ومع استمرار الدعاة الجدد في استخدام نفس الأساليب في الدعاية أن يظل أسلوبهم عاطفيًا إلى حد كبير، ومركزًا على المظهر في الدعاية، وجاعلًا التجربة خاصة إلى أبعد مدى ممكن، ولكن يبدو أن عدم قدرتهم على الخروج من دور رجل الاستعراضات وعدم إدراكهم أن روح العصر تغيرت ومعها أهواء الناس ووعيهم أدى إلى جعلهم مادة للتندر والسخرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب
رد الامير خالد آل سعود
صورة
عرض التعليقات
تحميل المزيد