هل من الممكن أن يغير الإنسان عقيدته؟

من الصعب جدًا أن تجد رجلًا قد غير دينه أو عقيدته ثمَّ انقلب إلى دين آخر، هذا أمر يكاد ينعدم، وإنْ تم فهو يتم على مستوى ضئيل جدًا يوشك ألَّا يُذكَر، بمعنى لا تجد مسلمًا قد تحول إلى المسيحية ولا يهودي إلى الإسلام، وحتَّى ضمن الإسلام نفسه من النوادر جدًا أن تلتقي بسني قد تحول إلى الشيعية أو العكس، ذلك لأنَّ الإنسان مستعد أن يموت ويضحي بنفسه دون أي تردد على أن يغير دينه، هذا أمر في غاية الصعوبة حتى ولو كان الرجل يسجد لصنم أو بقرة أو خروف، سيموت على هذا الأمر ولن يتركه، وإنْ حصل لفرد ردة فعل معينة من دينه، فإنَّه لا يبحث عن دين آخر وإنَّما يختار طريق الإلحاد، الإلحاد أهون عنده من أن يتحول إلى دين آخر، هذا الأمر يحصل مع المسلم والمسيحي واليهودي وكل أديان الأرض.

كيف تعامل القرآن الكريم مع هذه القضية؟

عندما وجه الخطاب القرآني كلامه للآخرين كان في قمة العقلانية: «قُلْ يَا أَهلَ الكِتَابِ تعَالَوْا إلى كَلِمةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَيْنكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بهِ شيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقولُوا اشْهَدوا بِأَنَّا مسلمون»[ آل عمران:64 ]، خطابٌ رباني صريح يدعو فيه المسلمين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى إلى الوصول إلى أرضية مشتركة بين الجميع، تتلخص في الوحدانية المطلقة لله بصفته حاكمًا مطلقًا مُسيطرًا على الكون وما وراء الكون وما قبل الكون وما بعده، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحدًا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ولم يكن له شريك في الملك، إلهًا عزيزًا حكيما، وأن نبتعد عن تقديس الفرق والطوائف والشَّخصيات مهما كانت صفتها، حتى ولو كانوا أنبياء، لا يجوز أن نبالغ في تقديسهم ونرفع بعضهم إلى مقام الربوبية.

 بالتالي لم يأت الإسلام ملغيًا للآخرين وناسفًا لدينهم، وإنما جاء مكملًا ومصححًا، «يا أَهلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولوا على اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رسولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إلى مريمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيرًا لَّكُمْ إِنَّما اللَّهُ إِلَٰهٌ واحدٌ سبحانهُ أَن يَكونَ لهُ وَلَدٌ لَّهُ ما في السَّماوَاتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكفىٰ بِاللَّهِ وَكِيلا»[ النساء:171 ]، لم يطلب الله منهم في هذه الآيات نسف الدين، بل طلب الكلمة السواء وعدم المغالاة، وبإمكاننا أن نعمم هذا الخطاب على كل أديان الأرض، الخطاب بين جميع الأديان يجب أن يكون على أرضية الكلمة السواء، وليس إلغاء الآخر وطمس هويته، وبالمناسبة تصحيح العقيدة أمر أهون على النفس بكثير من نسف الدين كاملًا وتغييره، كل الأديان على وجه الأرض حتى البوذية والهندوسية لها روح صحيح وفيها الكثير من الأشياء الجميلة والرَّائعة ولا تُنسف بالكامل، المطلوب تصحيح المسار ورد الأمر إلى النَّبع والجوهر وهذا يكفي، وبذلك يحقق الدين الرباني رسالته العالمية.

«إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون»[البقرة:62]

«لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُون * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِين * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِين». [آل عمران: 113-115]

خطورة تفريق الدين واللعب فيه وتحويله إلى مذاهب وطوائف

التعددية والحرية الفكرية بكافة أشكالها تعبر عن مجتمع متحضر خال من العقد والأمراض الاجتماعية، وهذا لن يتحقق إلا في ظل توفير مناخ سياسي يكفل لهذه الحرية سيادتها، فالمذهبية الدينية وتنوعها مثلًا عبارة عن حالة رائعة وشكل من أشكال هذه الحرية، طالما أنَّ النص مرن ويحتمل الاجتهاد، وكون الدين يتماهى مع معطيات كل عصر فجعل العرف جزءًا من هذا التشريع.

ولكن الخطورة الكبرى تكمن في تحويل هذه الاجتهادات والرأي البشري إلى رأي مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكأنَّ قائله مفوض رسمي وناطق باسم الإله، وهذا ما نلحظه من علماء عصرنا الذين لا زالوا يدورون في فلك فقهاء العصور الوسطى، فتراه عند كل مسألة يلزق فلان وعلان، ونسوا أن هؤلاء كانوا أعلامًا ومجددين في عصرهم وتماهوا مع مستجدات ذلك العصر، ولكن من الجهل في مكان أن تطبق معطيات العصر العباسي على القرن الواحد والعشرين.

الخطورة الثانية هي أن تتحول التعددية المذهبية والرأي البشري إلى ما يسمى الطائفة، أي تقوقع الناس ضمن مذهب معين وانغلاقهم على أنفسهم وإعلانهم العداء المباشر لكل مخالف، وهذه الطائفية المقيتة هي البلاء القاتل والسوس الذي ينخر المجتمع من داخله، ويجعل منه قنبلة موقوتة على وشك الانفجار في أي لحظة، وحتى نكون منصفين فالسلطة السياسية كان لها الدور الأكبر في ذلك من خلال اللعب على هذه التناقضات وتغذيتها في سبيل تعزيز سيطرتها، فاختيار المذهب ليس من شأن الناس، وإنما بيد السلطة الحاكمة حسب ما تقتضيه المصلحة، فمثلًا المأمون تبنى فكر المعتزلة وقمع السنة، ثم جاء المتوكل وفعل العكس، والدولة الفاطمية اعتمدت المذهب الشيعي فشن عليها العباسيون فى المشرق والأمويون في الأندلس حملة عنيفة، وشككوا في أصلهم ووصفوهم بالخوارج والملحدين، طبعًا كان صراعًا سياسيًا على الحكم أكثر منه دينيًا، فأهل الحكم لا غيرة لهم إلا على الكرسي، وكذلك فعلت بلاد فارس المجوسية مشت مع السوق وتبنت الإسلام الشيعي وقمعت السنة ونكلت بهم.

ونتيجة لذلك تقوقعت بقية الطوائف غير المرضي عنها، وشكلت كيانًا منعزلًا اجتماعيًا أو سريًا تنحصر دعوته على فئة من الناس، إذن هذا لعب سياسة، أما الدين الرباني فواحد لا يتجزأ أبدًا، ليس فيه سنة ولا شيعة ولا ولا، كله كلام فارغ، من جعل من هذه المذاهب فرقًا دينية هم أهل الحكم ورجالهم من مشايخ السلطة، بالإضافة إلى مجموعة من العلماء عن علم أو جهل، والقرآن لم ينكر الاختلاف وجعله سنة ربانية في الأرض «ولو شاءَ رَبُّكَ لَجَعلَ النَّاسَ أُمَّةً واحدة ولا يَزَالُونَ مُختلفين»[هود:118]، ولكنَّه حارب بكل قوة مفهوم تحول هذه الاختلافات إلى فرق دينية ووصف أنصارها بالمشركين بل وأكثر من ذلك توعد زعماءها بالعذاب العظيم.

«إنَّ الذين فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانوا شِيَعًا لستَ مِنْهُمْ فِي شَيءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى الله…» [الأنعام:159]

«فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِين * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» [الروم:30-32].

وصف القرآن هؤلاء وصفًا صريحًا «مشركين»، وأخطر قول على تفريق الدين واللعب فيه «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم» [آل عمران:105]، وأولئك لهم ماذا ياسادة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مقال فكري لا يعبر إلا عن رأي صاحبه
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد