اشتقنا إلى زمن

اشتقنا إلى زمن، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، زمن اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، زمن لكم دينكم ولي دين، زمن لست عليهم بمسيطر، زمن اذهبوا فأنتم الطلقاء، زمن لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا ولا شيخًا فانيًا ولا امرأة ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه، زمن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، زمن حن الجذع وبكى، زمن إن لجسدك عليك حقًا، ولربك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، زمن غارت أمكم، زمن إني رزقت حبها.. زمن إني لا أقوى على فراقها.. زمن إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإن لفراقك لمحزونون.. زمن تبسمك في وجه أخيك صدقة.. زمن في كل كبد رطبة أجر… زمن الرحمة.

الرحمة بالإنسان

أنزل الله عز وجل الإسلام رحمة بخلقه، فهو العليم سبحانه ما فيه الرحمة للنفس البشرية التي لم يفهما الناس بالشكل،الذي يساعدهم على إدراك دين الإسلام. لأن فهمها ييسر عليهم تنزيل هذا الدين بالكيفية التي تتوافق مع حاجاتهم في جميع جوانب الحياة. ولا يعنى هذا أن المكلفين يتعاملوا إزاء الدين بحسب أهوائهم، وإنما الضابط عندهم هي القوانين والأحكام التي سن الإسلام، لكن المحزن أن بعض المسلمين حجر على نفسه وعلى الغير، فأساء من حيث أراد أن يحسن وظن أن العيش في عسر ومشقة هو عين الإسلام.. لا وألف لا أخي إنما نزل الإسلام لكي تحيى حياة الرحمة (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)1.

تفكير سطحي أورثنا التخلف

والتفكير على هذا المنوال كان له ما بعده على الفرد والمجتمع. أنتج فردًا يصارع نفسه فهي تجره إلى الشهوات وهو يحرمها من أدنى حقوقها مخالفًا (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها)2. ولما كانت الجراثيم سبب انتقال أمراض الأجسام، كانت الأفكار سبب انتقال الأمراض الاجتماعية. انتقلت العدوى الى المجتمع وأضحى الصراع بين أفراده. فتجد البعض لم يتلق تكوينًا شرعيًا ولا قرأ في كتب متخصصة، يضيق على إخوته لسوء فهمه للدين.. اهتم بالمظهر ونسي المخبر، وحصر الدين في التقصير والسواك.. لا يسلم إلا على من مثله في المظهر متناسيًا أو جاهلًا (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)3.

ماذا نريد؟

لقد آن الأوان أن نكون مسلم يبكي لبكاء أخيه في مصابه لا أن ينهال عليه بالمواعيظ، وأن يفرح لفرحه ويظهر له ذلك مما يثبت جذور الإخوة. وإذا رأى أخًا أو أختًا في معصية رفع أكف الدراعة داعيًا الله عز وجل بكل صدق أن يتوب عن إخوانه، لا أن يشمت فيهم ويسر لما هم فيه (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)4 ويحسن إلى زوجه ويعتبرها كيانًا له أحاسيس وعواطف ونصفه الذي لا يمكن أن يستغني عنه، وليست أرضًا لزرع نطفه. وأن يغرس في أبنائه قيم الرحمة والمودة تجاه الآخرين، لا الاستهزاء بهم وكرههم.

شمولية رحمة الإسلام

وتعدت رحمة الإسلام لتشمل الحيوان والأشجار. ولكون الإنسان هو المكلف وخليفة الله في الأرض، فإن الدين رسم له خطة واضحة المعاليم في تعامله مع الحيونات. فلا يدبح إلا بمدية حادة (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته)5 ولا يحمل على الدابة أكثر مما تطيق (أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملككها الله لك؟ إنه شكا إلى أنك تجيعه وتدئبه)6 وأن يسقي من به عطش ويطعم الجائع هذا من جهة. ومن جهة أخرى الرحمة بالشجر ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة، وأختم بهذا الحديث حدثنا الحسن بن موسى قال ثنا حماد بن سلمة عن فرقد السبخي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع حتى أخذه فاحتضنه فسكن فقال: لو لم يحتضنه لحن إلى يوم القيامة7 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ) الاية 185 سورة البقرة

2) الآية 286 سورة البقرة

3) رواه مسلم

4) متفق عليه

5) رواه مسلم

6) رواه مسلم

7) رواه عبد الرزاق

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد