يعيش العالم الإسلامي مؤخرًا موجة غضب جراء الرسومات الكاريكاتورية والتصريحات المختلفة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

وأصبح وسم مقاطعة المنتجات الفرنسية تتصدر مواقع التواصل وتطبيقها في أرض الواقع من طرف بعض الدول العربية وتبعتها تصريحات مضادة تدين ما ذهب إليه ماكرون من بعض السياسيين ورؤساء الدول خاصة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني عمران خان

ولفهم خلفيات مواقف الرئيس ماكرون ودوافع مصلحته من وراء تصريحاته تلك وموقفه من الرسومات الكاركاتورية لصحيفة شارلي إيبدو ضد النبي محمد ﷺ نحاول فهم الوضع الداخلي الفرنسي للرئيس ماكرون وقيمة الصحيفة في عالم الصحف.

من المعلوم أن الرئيس الفرنسي مقبل على انتخابات رئاسية مقبلة وبالضبط في فبراير (شباط) 2022، فهو يعتقد أنه الوقت المناسب لبدء حملته الانتخابية، وبالرغم من أنه فاز في الانتخابات الرئاسية السابقة، لكنها انتخابات شهدت أقل نسبة مشاركة وإقبال على مدى 40 سنة الماضية، وضد منافسته ماريان لوبان زعيمة اليمين الفرنسي الذي في نفس الوقت تزداد شعبيتها بطريقة شعبية وديمقراطية داخل فرنسا، ومن طرف بعض الدول مثل روسيا مثلًا. ووصلت شعبيتها إلى 35% وفق أحدث استطلاعات الرأي، وتثبت في الجهة المقابلة تراجع شعبية ماكرون أكثر فأكثر، إضافة إلى فشله الذريع في تسيير وإدارة وباء كورونا.

فتصريحاته المستمرة حول الإسلام وعلى التطرف الإسلامي قوله بأن: الإسلام يعيش في أزمة في كل مكان في العالم، يريد الظهور بأنه مهتم بالقضايا التي يهتم بها اليمين واليمين المتطرف في فرنسا مثل قضايا الإرهاب، والتطرف الإسلامي، وعنف المسلمين والمهاجرين المستمر، واستغلال صورة الإسلام المشوهة في الغرب عمومًا.

لهذا يحاول ماكرون مغازلة هذه الفئة وسرقة بعض الناخبين من القاعدة الانتخابية لماريان لوبان، وكسب تأييدهم والحصول على أصواتهم بغض النظر أنه ليبرالي ومتأثر بالليبرالية والقيم الأمريكية، فذهب يهاجم الإسلام والأقلية المسلمة في فرنسا، حيث صرح بأنهم يعشون في مجتمع مواز من القيم الجمهورية الفرنسية. وأن هناك فئات متطرفة تحاول فرض سيطرتها على الجميع وعلى الأقلية المسلمة، وهو بدوره يحاول فرض قوانين جديدة لمعرفة مصادر التمويلات الخارجية ومراقبة نشاط الأئمة وزيادة مراقبة التعليم الخارج عن المدارس الفرنسية.

فالهاجس الأساسي لماكرون هو إرضاء قاعدة اليمين واليمين المتطرف بالتزامن أن فرنسا شهدت عدة أعمال إرهابية بدءًا من حادثة ذبح الأستاذ إلى الأعمال التي شهدتها مدينة ليون مؤخرًا.

إضافة الرسومات الكاريكاتورية لصحيفة شارلي إيبدو فهي مجلة صغيرة جدًا ذات تأثير محدود، وأن شهرتها تستمدها من استفزازها للجميع «مسلمين، مسيحين، يهود، سياسيين، رؤساء دول…» فمن أهم اعتبارات هذه الصحيفة من خلال رسوماتها هي أغراض تجارية ربحية بالدرجة الأولى، ولا علاقة لها بحرية التعبير والرأي.

إذا تقاطعت مصالح ماكرون ومصالح الصحيفة، فالأول له أهداف انتخابية مقبلة، أما الثانية فلها أغراض تجارية ربحية.

فالرئيس التركي طيب أردوغان هاجم الرئيس الفرنسي أكثر من مرة ووصفه مرة بأنه مختل عقلي، ومرة أخرى بأنه مريض نفسي، وتوترت العلاقة بين باريس وأنقرة، وقامت فرنسا باستدعاء سفيرها للاحتجاج.

وسلك رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان خطًا موازيًا مع الرئيس التركي، لكن أقل حدّة منه، وأدان تصريحات ماكرون حول الإسلام، وأنه يعيش أزمة في كل مكان في العالم ومعارضته لهذه التصريحات.

وفي الدرجة الثانية عارضت بعض الدول العربية بطريقة دبلوماسية تصريحات ماكرون ونعني كل من المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، والمملكة المغربية…

بعد كل هذا وفي لقاء خاص للرئيس ماكرون مع قناة الجزيرة القطرية اكتفى ماكرون بأنه يتفهم مشاعر المسلمين، وأنه يدعم حرية التعبير في بلاده، وأضاف أن الصحيفة ليست ناطقة باسم الحكومة، لذا لا يمكن تحمّل مسؤولية صحيفة ما دام أنها تعمل وفق القانون الفرنسي.

إذًا فالمواقف الخارجية لأية دولة تكون بناءً على الأوضاع الداخلية، فالرئيس الفرنسي ليس الاستثناء في هذا، حتى الرئيس الأمريكي ترامب حاول تعويض فشله الذريع داخليًا وبالإنجازات الخارجية في الانتخابات الأخيرة، فالمصالح هي من يسير وفقها الرؤساء والحكام، وليس القيم أو المبادئ خاصة عند اقتراب المواعيد الانتخابية.

ويبقى السؤال المطروح: هل تصريحات ماكرون الأخيرة وتلاعبه بمشاعر المسلمين ستخدم مصالحه وتحقق له أغراضه الانتخابية المقبلة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد