في البدء أترك تقدير البحث لك عزيزي القارئ، ربما يستهويك، فتراه وجهة سديدة، وربما تجده مرتع سذاجة وجهل تنوء عنهما، على كل حال، دعنا – أنا وأنت– أن نفرق بين ما فرض علينا في الدين وعالم المورثات، الله نفسه يقبل الإيمان به والبحث والتشكيك، ورجال المورث، لا يسمحون، بناءً على أن ما صدر عن مجتهد أصبح بمرور الوقت دينًا.

لذلك أبدأ هذه السلسة بحديث صحيح رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن أبي هريرة، اجتهد الكثير في شرحه وتفنيده وربطه بالدين بكل جهد، حديث مربوط حقيقته بثقتهم في الراوي ليس إلا، وأن نكران ما أتى به الرسول كفر – لا حظ يقولون الرسول وليس الرواة– رغم أن لا دلالة واحدة، على قطعية ثبوت أنها من النبي رأسًا، ونكران ما أثبته البخاري ومسلم هو نكران لما قاله الله ورسوله، لأن صحيح البخاري في نظرهم أصح كتاب بعد كتاب الله!
المعرفة والحق والعلم لا علاقة لهما بالشخوص – لذلك نتجت ثقافة سمعية غير مضمونة المحتوى طالما اعتبروا أن الحديث من ضمن العلوم– قدر علاقتهم بالقياس المنطقي والذي يتجسد ها هنا برد الحديث إلى كتاب الله، وإلى العقل الحر المجاني الذي دفعنا جلّ علاه لنستخدمه، فوصلت إلى ما وصلت إليه. 

لكن..

قبل أن أرد شكوكي في هذا الأمر أحب أن أنوه أن كبار الأئمة تصدوا بالدفاع والتفنيد من باب الاجتهاد، ومن هؤلاء، الإمام ابن خزيمة وابن حبان والخطابي وابن قتيبة، ونقلها عنهم شرَّاح الحديث كالحافظ ابن حجر والإمام النووي، ولا ينقص ردي على ما أتوا به من قدرهم شيئًا يسيرًا، ولكل مجتهد نصيب، وكي لا يلتبس علينا الأمر في إبخاس، أعرض وجهاتهم أولًا.

عن أبي هريرة قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءه صكه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر.

               *ما أتى به الأئمة الكرام

                           (1)

– وأما الزعم بأن في متنه إشكالات تثير الريبة، فإنما جاء من الفهم السيئ، والصورة الخاطئة التي رسمها أصحابها في أذهانهم، فأوردوا بموجبها كل هذه الإشكالات ضاربين عرض الحائط بكلام أهل العلم وتوجيهات أئمة هذا الشأن، وذلك لأن استشكالاتهم كلها مبنية على أساس أن موسى عليه السلام قد عرف ملك الموت، وأنه جاء لقبض روحه، ومع ذلك دافعه ونازعه واعتدى عليه رافضًا الاستجابة لأمر الله.
وهذا الكلام مردود جملة وتفصيلًا لأمور:

أولًا: أن الله عز وجل إنما أرسل ملك الموت إلى موسى في المرة الأولى ابتلاء واختبارًا، ولم يرسله إليه وهو يريد قبض روحه حينئذ، وأمره أن يقول له: «أجب ربك»، أمر ابتلاء لا أمرًا يريد إمضاءه، كما أمر سبحانه خليله إبراهيم بذبح ولده أمر اختبار وابتلاء، ولم يرد إمضاء ذلك، فلما عزم على ذبحه وتله للجبين فداه بالذبح العظيم.ولو أراد سبحانه أن يقبض روح موسى عليه الصلاة والسلام حين لطم الملك، لكان ما أراد.

ثانيًا: أن موسى عليه السلام لم يكن يعرف في المرة الأولى أن الذي جاء إليه هو ملك الموت، بل ظنه شخصًا جاء ليعتدي عليه فدافع عن نفسه بما يستطيع، فأدت المدافعة إلى فقء عينه، لا أنه قصدها بالفقء، والدفاع عن النفس مشروع في جميع الشرائع السماوية والقوانين الأرضية، فلما رجع ملك الموت إلى ربه، وأخبره بما كان من أمره، أمره ثانيًا أن يرجع إليه وأن يقول له: «إن شئت فضع يدك على متن ثور فلك بكل ما غطت يدك بكل شعرة سنة»، فلما خيره الملك هذا التخيير، ورآه موسى قد عاد سليمًا مع قرب الوقت، علم وتيقن أنه ملك الموت وأنه جاءه بالرسالة من عند الله، عند ذلك طابت نفسه بالموت، ولم يستمهل، وقال: فالآن، فلو كان قد عرفه في المرة الأولى لتصرف كما تصرف في المرة الثانية عندما تيقن أنه هو.
ومسألة تمثل الملائكة في صور البشر، ومجيئهم إلى الأنبياء على هيئة لا يعرفونها مسألة ثابتة بالكتاب والسنة، كما في قصتهم مع إبراهيم ولوط عليهما السلام، وكما تمثل الملك لمريم عليها السلام في صورة رجل لم تعرفه حتى استعاذت منه وذلك في قوله تعالى: «فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا» (مريم 17- 18)، وكمجيء جبريل إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم– وسؤاله إياه عن الإيمان والإسلام والإحسان فلم يعرفه – صلى الله عليه وسلم– حتى ولَّى.
فمن كان جاحدًا لهذا كله أو مرتابًا فيه فليس كلامنا معه، ومن كان مصدقًا علم أنه لا مانع من أن يتمثل ملك الموت رجلًا ويأتي إلى موسى فلا يعرفه. كما أنه ليس هناك مانع أيضًا أن تتفق بعض شرائعنا مع شرائع من قبلنا من الأمم، ومعلوم في شريعتنا أن فقء عين الداخل إلى دارك بغير إذنك، أو الناظر فيه بغير أمرك مباح ولا حرج فيه، فربما كان فعل موسى من هذا الباب، حين رأى في داره رجلًا لم يعرفه، لأنه دخل داره بغير إذنه فأخذ يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه، فكان استعمال موسى لهذا الفعل مباحًا له، ولا حرج عليه فيه.
فالخلاصة أن الحديث ليس فيه أبدًا أي تصريح بأن موسى عليه السلام عرف أنه ملك الموت في المرة الأولى، أو أنه تعمد فقء عينه، حتى يقال: كيف يليق بالله تبارك وتعالى أن يصطفي من عباده من يبطش هذا البطش بملك من ملائكته المقربين؟! غاية ما فيه أنه جاءه من لم يعرفه، واقتحم عليه بيته، وخصوصًا مع ما عرف عن موسى عليه السلام من الغضب والحدة، فتعامل معه بمقتضى بشريته.
ثم ما قول هؤلاء الذين يرون في هذا الحديث خرافة لا تليق بالأنبياء، ما قولهم في ما أثبته الله عن موسى عليه السلام في القرآن من إلقاء الألواح، وأخذه برأس أخيه يجره إليه، ووكزه للقبطي حتى قضى عليه، هل كان القرآن يحكي خرافة لا تليق بالأنبياء، أم أن ذلك كله من الإسرائيليات؟!
ثالثًا: إن كراهية الموت أمر فطري في البشر، وقد شرع الله الدفاع عن النفس، ونهى عن إلقائها في التهلكة، والأنبياء أنفسهم أعظم الناس شجاعة، إلا أنهم مع ذلك اتخذوا من الأسباب الواقية المشروعة ما يدفعون به عن أنفسهم الأخطار وغوائل الأعداء.
فالنبي – صلى الله عليه وسلم– هاجر خفية، واختبأ في الغار، وأعمى أخباره عن الأعداء، واتخذ حرسًا يحرسونه حتى نزل قوله تعالى: «والله يعصمك من الناس» ( المائدة: 67)، فصرفهم عن حراسته، وقاتل يوم أحد بين درعين.
وموسى عليه السلام وقع له من ذلك أمور كما قال تعالى: «وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرًا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين» (القصص: 31)، وقال سبحانه: «وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين * فخرج منها خائفًا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين» (القصص: 21)، وهذا كله من الأسباب المشروعة التي لا تخدش في مقام الأنبياء ولا في مكانتهم.
فما المانع أن تكون حكمة الله عز وجل اقتضت أن يتمثل ملك الموت بصورة رجل، ويأمره الله أن يدخل على موسى بغتة، قائلًا له: سأقبض روحك لينظر ماذا يصنع؟ ولتظهر هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها حتى الأنبياء، فيكون في قص ذلك عبرة لمن بعده. ولا يقال حينئذ إن هذا يتنافى مع محبة لقاء الله، وما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»، لأن هذا الحديث يحكي حالة معينة في زمن معين، وهي حالة النزع وخروج الروح حين لا تقبل التوبة، ولا ينفع نفسًا إيمانها إن لم تكن آمنت من قبل، وحين يبشر كل إنسان بما هو صائر إليه فيفرح المؤمن بلقاء الله، ويكره الكافر والمنافق ذلك.
وقد جاء هذا مبينًا في رواية مسلم أن شريح بن هانئ جاء إلى عائشة رضي الله عنها فقال: «يا أم المؤمنين سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم– حديثًا إن كان كذلك فقد هلكنا، فقالت: إن الهالك من هلك بقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم–، وما ذاك؟ قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)، وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت، فقالت: قد قاله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر، وحشرج الصدر، واقشعر الجلد، وتشنجت الأصابع فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه».وكيف يزعم أن في الحديث ما يفيد أن موسى عليه السلام لا يحب لقاء ربه، وقد خير – بعد أن تيقن أن الذي جاءه هو ملك الموت– بين الإمهال والعيش سنين عديدة بقدر ما تواريه يده من شعر الثور، وبين الموت، فاختار الموت حبًّا في لقاء الله، وشوقًا إلى ما عنده.
رابعًا : أن الصورة التي تصور بها ملك الموت غير الصورة الحقيقة التي خلقه الله عليها، فلا يقال كيف تمكن موسى من الوقيعة بملك الموت؟ ومن ثم فإن اللطمة إنما وقع تأثيرها في تلك الصورة العارضة، ولم ينل الملك منها أي بأس، وذلك لحكمة أرادها الله سبحانه، حتى إذا رد الله عليه عينه، ورجع إلى موسى سليمًا في صورة كاملة مع قرب الوقت، كان ذلك أقوى في اعتباره.
وأما لماذا لم يدافع الملك عن نفسه مع قدرته على إزهاق روح موسى وأمر الله له بذلك؟! فقد سبق أن الأمر كان للابتلاء والاختبار، وأن الله جل وعلا لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ، ولم يأمره أمرًا يريد إمضاءه، ولو أراد سبحانه أن يقبض روح موسى – عليه الصلاة والسلام- حين لطم الملك، لكان ما أراد، وهو الذي يقول للشيء كن فيكون، فمن كان له اعتراض فليعترض على حكمة الله.
وأما ضياع حق الملك وعدم الاقتصاص له، فمن أين لهذا المبتدع مشروعية القصاص بين الملائكة والبشر؟! ومن أخبره أن ملك الموت طلب القصاص من موسى فلم يقتص له؟! وما الدليل على أن ذلك كان عمدًا حتى يطالب بالقصاص؟! هذه كلها أسئلة تحتاج إلى إجابة وتوقيف عن الشارع، وإلا فهو التخرص والافتئات على الشريعة.
إن هذا الحديث وأمثاله موطن من مواطن امتحان إيمان المرء بالغيب، وتسليمه لله ولرسوله وانقياده لشريعته، وعدم تقديم شيء بين يديها من العقول والآراء، ومن أجل هذا ذكره أهل العلم في جملة الأمور التي يجب على العبد اعتقادها والإيمان بها وتصديقها، شأنه في ذلك شأن أحاديث الإسراء والمعراج، وأحاديث أشراط الساعة، وأشباه ذلك مما صح به النقل من قضايا الغيب، وأمور الاعتقاد.
قال الإمام ابن قدامة – رحمه الله- في رسالته المسماة بـلمعة الاعتقاد: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي – صلى الله عليه وسلم– وصح به النقل عنه، فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج… ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه فرجع إلى ربه، فرد عليه… إلخ.
فالواجب على المسلم كمال التسليم لله ولرسوله – صلى الله عليه وسلم–، وتلقي خبرهما بالقبول والتصديق، وعدم معارضته بالعقول الفاسدة والآراء السقيمة، شعاره في ذلك: «سمعنا وأطعنا وسلَّمنا (آمنا به كل من عند ربنا)».
وبهذا يُنهي كرماء الذكر شرّاح الحديث، أدلتهم وبيانهم للأمر.

          *إسرائيليات بحتة رواها البخاري

لمّا فقأ موسى عليه السلام عين «ملك الموت»، ملك الموت الذي قال لله:
«أرسلتني إلى عبد لا يريد أن يموت».
منذ متى يأخذ ملك الموت آراء البشر حتى لو كانوا أنبياء، من الجائز مثلًا أن يستأذن شخصًا ما، أن ينُهي ما في يده لأنه بصدد الوفاة الآن، وطالما وصل بنا الحال أن يكون «البساط أحمدي»، ألا يمكن أن يُرفض الطلب رغبًا وطمعًا!
يبرر البعض أنه أتى ليختبره مثل إبراهيم ولوط عليهما السلام، لكن إجابة الملاك تقطع عليهم مرادهم هذا، أرسلتني لعبد لا يريد أن يموت، إذًا الأمر لا يحتاج أدلة، الله أرسل الملاك لمهمة واضحة ومختصرة، قبض روح موسى، فيستدعينا ها هنا أمران، يخالفان القرآن الكريم، سهي عنها كبار الأئمة، وجلّ من لا يسهو، نبدأ بكيفية قبض ملك الموت للأرواح، ورد فعل المقبوض.
قال الله تعالى: «حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ» [الأنعام: 61]، آية صريحة خاصة أن هذا الشأن لا يستثني الله فيه أحدًا، لا نبيًا ولا وزيرًا ولا غفيرًا.
ويقول: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا» [الأحزاب: 16] على سبيل المخالفات، يُقرّ القرآن، عدمية الفرار من الموت حتى ولو حاولت، ألا يذكرك هذا بــ «أرسلتني لعبد لا يريد الموت»!
«قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ»  (يونس 49) وهو رد على لسان محمد النبي، يخاطب به السائلين، محمد خاتم الرسل والأنبياء لا يملك في هذا الشأن قيد أنملة ليس لقلة شأنه، حاشا لله، لكن لأن هذا الأمر لا شأن لأحد فيه إلا الله، إرادة مطلقة خص بها الله نفسه! ثبوت عدم التأخير وعدم الاستقدام وفي رأي هذين الأمرين لا يُدرج بينهما مناقشات أو تخيير، بين «الآن أو بعد ذلك» كما ورد سلفًا في الحديث، لاحظ أن الله لا يميز في الموت أحد من الناحية البيولوجية، الجميع يموت وقت الموت، لا خيار ولا فقوس!

                         *تماثل الملائكة

الله حدد في القرآن مواطن تمثل الملائكة ولا حاجة لتكرر الحدث في حديث، هذه واحدة، ومع ذلك من الممكن الاختلاف فيها كما شئتم وشئنا، لكن الأمر الذي أضعه نصب عيني دائمًا، أن الملائكة رغم تماثلها، لا تستطيع كل أفاعيل البشر، لا تأكل لا تغيط، بما يجدر الإشارة إليه أن تماثلها شكلي لا يؤثر ولا يتأثر، فمن باب أولى أيضًا أن لا يصيبها مصاب البشر! خاصة لو كانت مهمتها قبض روح ما.
حري بنا كلما رأينا شخصًا يستشهد بزيارة الملائكة للرسل أن نتساءل، هل طباع الأنبياء فقأ العيون وعدم الاستجابة للموت، هل ورد في القرآن أن بنزولهم جائز أن تدور معركة! شرف نزول الملائكة يظل محفوظًا في كل الآيات ولم نرهُ يهتك في آية، حتى نستدل أنها حدثت مع إبراهيم، فلم نجد إبراهيم مقاتلًا لهم، كريمًا كان حتى وهو لا يعرفهم، وكذلك لوط.
ثم ماذا بعد الفقء! ثم كيف يخير الله رب العالمين شخصًا، بين الموت والحياة، نعم إن كانت هذه إرادته وأنى لي حتى أُملي على الله صوابًا، لكن الله نفسه نفى في كتابه ما يحاول أن يثبته كبار الأئمة دفاعًا عن الحديث، الحديث الذي يرفع من شأن «موسى» لدرجة تخالف آيات الذكر الحكيم، وهذا والله يضعنا في موازنة غير صائبة، أما القرآن أو الحديث!
ثم ما الفائدة التي عمّت عليّ في أخبار الرسل ها هنا، حسنًا لقد تعلمت الدرس، الأنبياء يفقؤون عيون الملائكة، لعل الملائكة تسحب سكاكين على الرسل! موسى لا يعلم أنه ملك الموت لذلك فقأ عينه! إذا كان موسى لا يعلم أنه ملك الموت، فملك الموت يعلم، ومُنزّل كي يقبض روحه، ويجدر بنا أن نتساءل مرة أخرى، هل فقء العين أصابته بآلام عطلت المهمة.
ثم يستدرك الحافظ ابن حجر: فمن أين لهذا المبتدع مشروعية القصاص بين الملائكة والبشر؟! ومن أين لنا أيضًا أن نقر أن هناك معارك بين الملائكة والأنبياء!؟ ما يجعلنا نرفض هذه وننكر تلك.
الآيات القرآنية لم تثبت ملامسة الملائكة – على الأرجح– للبشر، فتمثلهم لا يعني بأي حال من الأحوال ممارسة أفاعيل البشر، ناهينا عن أن الحديث يؤصّل أن الله يخير الرسل قبل الموت، وهذا أمر كما ذكرنا من قبل يخالف القرآن الكريم «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ»؟

              *طباع موسى التي يستدلون بها

لمّا دخل موسى عليه السلام على قومه ووجدهم يعبدون العجل، رمى الصحف، ودخل على أخيه ينهره، ثم قال للسامري بكل هدوء وهو أس الكفر:
– ما خطبك يا سامري!
لماذا لم يفقأ عينه أو يقطع يده التي صنعت صنم، يسجدون له من دون الله، أم الفقء والمحاسبة لملك الموت والسامري لا يستطيع عليه أمرًا، حتى وإن كان ملك الموت تجسد في ميتافيزيقية متلصص، أيهما أشد صانع صنم دون الله أم متلصص على موسى؟
لاحظ أن هذا الأمر في ريعان موسى، ومن الممكن أن يتصف بالشدة وسرعة الغضب على عكس موسى الكهل التي لاكته الدنيا بين فكيها، وشارف على الموت، ألم ينضج موسى بعد؟!

                    *كراهية الموت أمر فطري

لم يختر «موسى» عليه السلام الموت إلا بعد أن علم أنه حتى بعد سنين طويلة سيموت! لعل الرجل ظن أنه مُخلّد، ليتساءل ما فائدة وضع يدي على متن ثور، 100 أو 200 عام، لكنني سأموت على أي حال، لذلك اختار لقاء ربه، وفي القرآن والحديث والأثر، نرى العجب في دفع الصالحين للشهادة وتبشير الله لهما، وحب الصالحين للموت، أقول الصالحين وليس الأنبياء المصطفين على عين ومحبة الرب، لكن حال موسى هنا كمن يغض الطرف ويأخد وقته في التفكير! ثم يقرر أن لقاء ربه، بل وتمتد الشورى للمكان الذي يود أن يدفن فيه!

  *عقد المقارنة بين محمد الرسول وموسى النبي

يستشهد ابن حجر بأن النبي هرب إلى الغار خوفًا من ملاحقة عدوه، لكم موسى جالس في داره يحاكي ملك الموت، ملك الموت الذي فُقأت عينه منذ قليل وأتى إليه مرة أخرى فيسأله ثم ماذا، تعليقًا على عرض الملاك له، ألا ترى أن الأمرين لا يتشابهان، وأجدر بك أن تساوي بين فرار موسى من فرعون وفرار محمد من أعدائه فضلًا عن شخص جالس في داره آمنًا مطمئنًا بشخص تلاحقه مكة للقضاء عليه.
هل كوني مسلمًا، أقبل أي استشهاد طالما زججت محمد بداخله، ألم تستند منذ قليل أن حال أحاديث مثل «من أحب لقاء الله أحب لقاءه ومن كره لقاء الله كره لقاءه» لا تتساوى لاختلاف الحالات والزمن لكنك لا تكتب هذه، حتى تستشهد بأخرى مختلفة الحالة والمكان والزمان! على سبيل المثال لا الحصر، استدللت بهروب موسى من آل فرعون، قلت ما المانع في أن يدخل ملك في صورة رجل يقول له أتيت لأقبض روحك؟ لينظر الله ماذا سيفعل، ألم تسرد عدة أسطر في أن موسى لم يتعرف إلى الملك! إذًا ما المخيف هنا؟ رجل واحد في وسط قوم موسى النبي، وسيخشاه!
موسى الذي قتل رجل بقبضة يده وأهلك بأمر الله مُلك فرعون أعتى الجبابرة، يخشى رجل دخل عليه لمجرد أنه سيخبره أنه أتي ليقبض روحه! على الأرجح لو هذا ما حدث لاستلقى موسى على قفاه من الضحك.
 بالله عليكم أئمتنا الكرام «رحمة الله عليكم» أين وجه المقارنة بين فرعون وجنده وحاشيته المدججة بالسلاح وبين شخص واحد؟ هل خوف موسى من ملاحقة فرعون له، يجعله مرتاعًا مذعورًا على طول الخط حتى من رجل يخبره – على طريقة «بخ»– إنه أتى ليقبض روحه، ألا ترى أنها محاولة أخرى لترقيع الحديث، بأي طريقة كانت، وبأي استدلال غير منطقي، حتى لو – بغير قصد– بالتدليس على القارئ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد