ظهور الإسلام السياسي، في هذه العبارة إيماء إلى أن السياسة في الإسلام حديثة، وأن نشأة التدبير وإدارة دواليب الدولة لم تكن موجودة في عهد الرسول الأكرم ولا في القرآن الكريم، لكن نشأة السياسة الإسلامية تقترن بالوحي إقترانًا لم يتضح للبعض، سنحاول من خلال هذا المقال المتواضع توضيحه، صحيح كلمة السياسة لم ترد في القرآن الكريم لا في الآيات المكية ولا المدنية ولا في أي لفظة مشتقة منها وصفا أو فعلا وقد يتخذ بعضهم من هذا دليلا على أن القرآن أو الإسلام لا يُعنى بالسياسة ولا يلتفت إليها ولا ريب أن هذا القول ضرب من المغالطة، فقد لا يوجد لفظ في القرآن الكريم ولكن معناه مبثوث في القرآن.

كلمة «العقيدة» لا توجد في القرآن ومع هذا مضمون العقيدة موجود في القرآن كله، كلمة الفضيلة لا توجد في القرآن ومع هذا القرآن مملوء بالحث على الفضيلة واجتناب الرذيلة.

إذن القرآن، وإن لم يجئ بلفظ السياسة جاء بما يدل عليها وينبئ عنها، مثل كلمة الملك الذي يعني حكم الناس وأمرهم ونهيهم وقيادتهم في أمورهم.

الملك الممدوح، قال تعالى: «فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا» النساء 54

ملك فرعون الذي قال فيه الحق سبحانه: «إن فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدين» القصص الآية 4

كلمة التمكين «الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور» الحج الآية 41

كلمة الاستخلاف: «وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقون». النور 55

كلمة الحكم: «وأن احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقين». المائدة 49

وكل هذا حديث عن السياسة والسياسيين دون ذكر لفظ السياسة

إن السياسة في الإسلام متطورة ومرنة تنسجم مع التجديد وتتعارض مع الجمود، نعم التجديد المتصل بالأصل والمرتبط بالعصر بناءً على مقاصد الشريعة من القرآن والسنة دون التشبث بحرفية النص المعزولة عن السياق وسبب النزول ومقصد الشارع ودون تعطيل للنص أو تحريفه فالتجديد لا يعني التبديد.

على العلماء الموازنة بين النص الجزئي والمقصد الكلي وهذا معلوم عند أهل الذكر، أي الفقهاء المتخصصين والمجتهدين، ليس هذا مجالًا للتوسع في ذلك!

كثيرون هم من يعيبون السياسة الشرعية وهنا يقول ابن القيم «إن العيب ليس في الشريعة وإنما العيب في الذين يسدون باسمها كل باب لرعاية المصالح والنظر في المقاصد والتدبر في المآلات والموازنات والأولويات ويضيقون على الناس ما وسع الله عليهم ويضيعون على الأمة مصالح بسوء فهمهم وتزمتهم وجمودهم». إذن فالحكم على الشيء بالمدخول عليه غلط أو مغالطة!

ويذكر د. يوسف القرضاوي- الذي كانت مواقفه حجر أساس هذا المقال- في كتابه الدين والسياسة: «وإن كان من وراء ذلك من ضرر على المجتمع والأمة ما فيه بدعوى أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان. فالواقع أن في إمكان الإنسان أن يفعل الكثير إذا توفر له العلم والإرادة ولا سيما في عصرنا الذي منح الإنسان طاقات وقدرات هائلة لم تدر بخلده من قبل، وبالتالي وجب النظر في الأحكام القديمة في ضوء الظروف الجديدة وهنا يكمن أن تعدل وتغير وفق الظروف والمصالح المستحدثة ولا يجوز الجمود على القديم».

في الحقيقة الشريعة مبنية على العدل والمصلحة، ثنائية ضرورية لبناء دولة مدنية إسلامية، دولة مؤسساتية تؤمن بالديمقراطية مرجعيتها القرآن وما ثبت من السنة النبوية الشريفة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» في «رسالة في الحسبة» ما نصه :فإن النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى: «اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً».

وقال الإمام الذهبي في «السير» (6/58): قُلْتُ: فَرِحنَا بِمَصِيْرِ الأَمْرِ إِلَيْهِم، وَلَكِنْ – وَاللهِ – سَاءنَا مَا جَرَى؛ لِمَا جَرَى مِنْ سُيُولِ الدِّمَاءِ، وَالسَّبْيِ، وَالنَّهْبِ – فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ – فَالدَّولَةُ الظَّالِمَةُ مَعَ الأَمنِ وَحَقنِ الدِّمَاءِ، وَلاَ دَوْلَةً عَادلَةً تُنتَهَكُ دُوْنَهَا المَحَارِمُ، وَأَنَّى لَهَا العَدْلُ؟». فلا شك أن إقامة العدل وأداء الحقوق لأهلها من أسباب بقاء الدول وتفوقها وغلبتها.

ولما سمع عمرو بن العاص المستوردَ بن شدادَ يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: تقوم الساعة والروم أكثر الناس. قال له عمرو: أبصر ما تقول؟ فقال المستورد: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمرو: لئن قلت ذلك؛ إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك. رواه مسلم.

فكأنَّ عمر رضي الله عنه يحكم بأن هذه الخصال هي السبب في بقائهم وكثرتهم، وفي المقابل يكون الظلم وتضييع الأمانة وإهدار الحقوق هي معالم الخراب والهزيمة، وهذا أصل مقرر في علم الاجتماع، وقد عقد له ابن خلدون في مقدمته فصلا بعنوان: (الظلم مؤذن بخراب العمران).

والمقصود أن الأمم الكافرة إن توفرت على معالم قيام الدول ونهضتها أقامها الله وجازاها بجنس عملها، ولا يظلم ربك أحدًا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها. رواه مسلم. فالله تعالى يعطيهم في الدنيا ما يستحقونه باعتبار ما عندهم من خير وما يبذلونه من حق.

فهذا جانب، وهناك جانب آخر لا يصح إغفاله في هذه القضية، وهو أن الله تعالى قد ينصر أمة كافرة على أمة مسلمة؛ عقوبة لها على معاصيها، وشاهد هذا ما حصل في غزوة أحد، كما قال تعالى: «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ». {آل عمران: 152}

 وقال د. ربيع بن محمد بن علي في كتابه (الغارة على العالم الإسلامي): الأمة الواعية كذلك هي التي تدرك أنها بتجرئها على المعاصي وابتعادها عن منهج إسلامها وشريعة خالقها، تجلب عليها سخط الله الذي قد يتسبب في أن يبعث عليها من يسومها- بسبب معاصيها- سوء العذاب، وفي الأثر أن بعض أنبياء بني إسرائيل نظر إلى ما يصنع بهم بختنصر من إذلال وقهر وإبادة وقتل وتشريد فقال: (بما كسبَتْ أيدينا سلطتَ علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا). وذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض أنه قال: أوحى الله إلى بعض أنبيائه: (إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني)، إذن نتبين من خلال ما سبق أهمية العدل في بناء الدولة الإسلامية، فالعدل من صميم السياسة الشرعية «وإذا حكمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرا». النساء 58

وفي كتابه إعلام الموقعين يقول ابن القيم «الشريعة مبنية على مصالح العباد، هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى البعث ؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل ؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام [ ص: 12 ] على سواء السبيل.

فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح؛ فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها ; فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة».

هناك من يقرر بأن الدين أرقى من وسخ السياسة أي الدين نقاء وإستقامة وطهر والسياسة خبث والتواء وغدر… والحال أن من السياسة ما هو مأمور به من الله ومن السياسة ما ليس خبثًا ولا التواء ولا غدرًا بل استقامة على منهج الأخلاق ومن السياسة ما يبتغي به الآخرة ومثوبة الله.

اعلم أن الدين الإسلامي دين شامل ومتكامل، هو منهج تفصيلي فالإسلام الذي شرعه الله لم يدع جانبًا من جوانب الحياة إلا وتعهده بالتشريع والتوجيه، فهو بطبيعته شامل لكل نواحي الحياة مادية وروحية فردية واجتماعية، وقد خاطب الله تعالى رسوله بقوله: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِين» النحل- الآية 89

ختاما أشير أن الإسلام يؤكد حق الأمة في اختيار حكامها، فلا يفرض حاكمًا عليها، يقودها، رغم أنفها، يعتبر الحكام أجراء عندها، لها حق مراقبتهم ومحاسبتهم. كما عليها تقديم النصح والعون لهم، والطاعة في المعروف، فمن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة، ومن اعوج وانحرف، وجب أن يقوم بالنصح والإرشاد، وإلا فالعزل والإبعاد. والحكومة بهذا ـ وإن كانت إسلامية ـ ليست حكومة «دينية»، بالمعنى الذي عرفه الغرب في العصور الوسطى، فهي دولة تقوم على البيعة والشورى والعدل، وتحتكم إلى قانون، لم تضعه هي، ولا تملك تغييره، وليس قوامها «رجال الدين»، بل كل قوي أمين، حفيظ عليم، من الذين إذا مكنهم الله في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد