في العقود الكثيرة السابقة تعالت الأصوات بالدعوة إلى الزهد عن الدنيا، وترك المال، وتحبيب الفقر إلى النفوس، مع أن الاسلام ينكر أشدّ الإنكار النظرة التقديسية للفقر، بل يجعل الغنى نعمة يمتن الله بها على عباده، ويطالب بشكرها، ويجعل الفقر مشكلة يُستعاذ بالله منها، وهو الذي يقول في القرآن الكريم: «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى» [سورة الضحى: 6-8] ولعل الغنى الذي تعنيه كلمة الغنى في القرآن الكريم أن يكون مستغنياً عن الناس، أن يجد حاجته وليس غنى الاستعلاء والسرف. فقد ورد من دعاء النبي «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ» وأيضاً «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ؛ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ؛ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ» وورد عنه، صلى الله عليه وسلم، «كاد الفقر أن يكون كفراً».

فهل من الممكن بعد هذا الكلام أن يكون في الإسلام دعوة للفقر والزهد في الدنيا. وقد بالغ البعض مثل محمد إقبال بأن الزهد فلسفة غير إسلامية، إلا أن الدكتور محمد الغزالي هذب هذا المعني حيث قال: «إن الزهد ليس ترك الدنيا إنما ترك التعلق بها»، وقد ذكر موقف أبي الحسن الشاذلي – وهو شيخ طائفة من أكبر طوئف المتصوفة- حينما جاءه رجل ووضع يده على ثوبه وقال له مستنكراً: «هل هذا ثوب يعبد الله فيه»، فقال له الشيخ ثوبي ينادي علي بالغنى عن الناس، وثوبك ينادي بالفقر إلى الناس». ويزيد الدكتور فيقول إن ليس الدين عدواً للدنيا لكن املكها في يدك ولا تجعلها في قلبك.

ويضيف الدكتور الغزالي رحمه الله في كتاب الإسلام المفترى عليه «إن كل دعوة تحبب الفقر إلى الناس أو ترضيهم بالدون أو تقنعهم بالهوان في الحياة أو تصبرهم على قبول البخس والرضا بالدنية، فهي دعوة فاجرة يراد بها التمكين للظلم الاجتماعي، وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فرد أو أفراد، وهي قبل ذلك كذب على الإسلام وافتراء على الله».

ويقول عدنان إبراهيم إنه لا توجد آيات تحض على الفقر، لكن هناك الآيات التي تصف المال بالخير «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)» البقرة 180.

وأما التوصيات النبوية بالحث على الغنى وهي كثيرة أيضاً، فعن سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، قال جاء النبي، صلى الله عليه وسلم، يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال يرحم الله ابن عفراء قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال لا، قلت فالشطر قال لا، قلت الثلث قال فالثلث والثلث كثير إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس ويضر بك آخرون ولم يكن له يومئذ إلا ابنة، رواه البخاري. وقال أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» رواه مسلم.

ومن الشعر ما يصف هذا المعنى ويعززه لقيام الأمم والحضارات فيقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

بالعلم والمال يبني الناس ملكهم… لم يبن ملك على جهل وإقلال

ثم يتوجب علينا تباعاً أن نذكر كيف حارب الإسلام الفقر وكيف كانت التوجيهات الدينية ضد الفقر وانتشاره فكان منها:

أولاً: الحث على العمل والتقرب لرزق مضمون، لكنه يحتاج إلى حركة، إلى سعي، أرأيت إلى الطير، تغدو خماصاً، وتعود بطاناً، كأن النبي، عليه الصلاة والسلام، ذكر الطير ليضرب المثل الأعلى في ضمان الرزق، ومع ذلك تغدو من أعشاشها خماصاً، وتعود بطاناً، تتحرك. فعن ابن عباس قال: قال المصطفى «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا» رواه الطبراني فإذا سعيت في طلب الرزق، أديت الذي عليك، بقي الذي لك من الله عز وجل.

وثانياً: وجوب الإنفاق على الأقارب والمحتاجين لقوله عز وجل «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً» [سورة الأحزاب: 6] وأيضاً هذه الآية التي يتلوها الخطباء في كل خطبة من دون استثناء من أكثر من ألف وأربعمئة عام «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» [سورة النحل: 90].

هذا كان الحث على الانفاق على النفس والأهل.

ثم يأتي بيت القصيد من كلامي الذي جاء المقال بسببه وهو ثالثاً: التكافل الاجتماعي فكان الأمر الإلهي في سورة الطلاق الآية 7 «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً» وأيضاً أمر ذي العزة والجلال في سورة التوبة الآية 103 «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ». فهذه كانت الأوامر الإلهية بوجوب الإنفاق على المجتمع، ولهذا فرضت الزكاوات المختلفة لضمان التكافل الاجتماعي ولإتمام الصورة التكاملية للمجتمع. هذا وقد حث الإسلام على إنشاء الأوقاف حتى تكون هناك صورة مستدامة للإنفاق المجتمعي ولرفع الفقر والعوز عن الناس.

وفي الختام

وقبل أن ننهي هذا المقال أعلم أن هناك الكثير ممن لن يرتضوا قولي وما كتبت، وأن هناك من الأحاديث ما يدعو إلى التخفف من الدنيا وإلى هؤلاء أقول إن عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف وهم من هم، كانوا من أغنياء القوم، ولم يمنعهم هذا من أن يكونوا من العشرة المبشرين بالجنة وأي فضل أو شرف بعد هذا.

ولكن، إن من الناس من يصلحهم الغنى وإن من الناس من يصلحهم الفقر. فليس المقصد من الكلام هو أن يلعن الفقير فقره، ولكن ليسعى أن يحسن وضعه قدر الاستطاعة وكذلك يحسن من حالة دائرته القريبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الاسلام, الفقر
عرض التعليقات
تحميل المزيد