عاشت الأمة الإسلامية مرحلة صعبة بعد سقوط الكيان السياسي الجامع لطاقتها العقلية والبشرية والمجتمعية –الخلافة الإسلامية- بعد فترة راكمت من الثغرات والعيوب الناتجة عن جمود مفكريها وندرة باحثيها وقلة حيلة دعاتها وقلة مؤرخيها وكتاب تاريخها وفساد رسالة جزء من علمائها وارتباطهم بالسلطان.

مع ذلك لم ينقطع الخير من هذه الأمة المحمدية عبر جهود مخلصيها من الثابتين من العلماء والسياسيين والمفكرين والدعاة وأهل الفن، سعوا فيها إلى المحافظة على ريادة الإسلام على العالم بالتغطية عن الضعف المكنون في حامليه، لكنها السنن لا تحابي أحدًا!

قيض الله للأمة جملة من المصلحين في الأقطار والجهات المتعددة للأمة في جهد متكامل متراكب، عملوا فيه على استقراء التاريخ والبحث عن السنن الحاكمة له والعودة بالأمة لمشربها الصافي مع التجديد في الرؤية للواقع والأدوات والوسائل وتوجيه لجهود الأمة للعمل والبذل والعطاء، عرف فيها المجددون المرض الذي أصاب الأمة في واقعها المعاش محددين تشخيصًا دقيقًا للداء الذي كان السبب في السقوط والانهيار المتمثل في ثلاثية الضعف: تخلف، انقسام، استعمار.

بداية مشروع الإقلاع الحضاري (ما قبل الصحوة )

ورثت الأمة ببداية القرن العشرين حالة حضارية مفككة معقدة مركبة من ثلاث أزمات انكشفت بمجرد سقوط الإطار الدولي الجامع للمسلمين الخلافة الإسلامية سنة 1924:

1- انكشاف الضعف الحضاري وحجم التأخر الذي تدحرجت إليه الأمة الإسلامية نتاج تراكم القرارات الخاطئة عبر القرون المتعاقبة، لكنها تجلت بداية وقت مرض الدولة العثمانية في آخر فترة حكمها وطفحت للسطح عند سقوطها.

2- تفكك عروة الإسلام  وتقطع خريطة تربته وانقسامه لدويلات مفتتة مجزئة، وترسيخ فكرة الوطنية وتحجيم جغرافية الحركة والبذل في قطر العيش والتواجد والميلاد.
3- سقوط قلب الأمة الإسلامية بتفكك وانقطاع أطرافها وسقوط كيانها الجامع، واحتلال حماها وأوطانها ووقوعها تحت ربقة الاستدمار والإمبريالية.
عرف مجددو الأمة الإسلامية وعلماؤها وقادة التغيير في القرن الماضي الواقع بعد تشخيص عميق بذكاء وفطنة كبيرة على غرار عظماء أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والإمام الشهيد حسن البنا والشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس ورجال عظام أخر، فأنتجوا مشروع الانبعاث الحضاري الجامع المعالج للأزمات الثلاث فكان مركبًا من:

1- التقدم والتنمية والنهضة وأستاذية العالم في مقابل التخلف.

2- الحرية وتحرير الأوطان في مقابل الاستعمار .

3- الوحدة والرؤية العالمية في مقابل التشتت والتمقطر.

لقد أنتج مجددو الأمة مقاربات فكرية تجديدية وخططًا حركية عملية لتحقيق ثلاثية الحرية، الوحدة، النهضة، مجتمعة في كيان سياسي قائد جامع لكامل الأمة. دعا المجددون لبناء الفرد المسلم وتأهيله لمباشرة مهمته الحضارية عبر إحياء عقيدته وربط شعوره بالإسلام وتبني قيمه باعتبار ذلك مرحلة هامة والحرص لميلاد مجتمع جديد وتمكين الفكرة فيه، مجتمع يحمل على عاتقه مشروع الإقلاع الحضاري. مجتمع يبتغي تحرير وطنه وإعادة بناء مؤسساته والحرص على نمائه وتطوره ونهضته وفق منظور إسلامي تلتقي فيه الجهود في وحدة جامعة.

أنتجت تلك الجهود حركية عاطفية إيمانية سميت بالصحوة مكنت للقيم الإسلامية في المجتمع وجعلت الأمة تصحو من غفوتها، لقد حققت الصحوة وقت السبعينيات والثمانينيات أهدافها كاملة في ميلاد مجتمع ترتبط مشاعره وآماله بالإسلام عبر كتلة شبابية مؤمنة ومؤسسات مجتمعية باذلة، أعادت للأمة شعورها بقيمة فكرتها وقدرتها على القيادة بها وارتطمت بحقيقة عقم الواقع وقلة الأدوات والوسائل وتعرفت على المحيط الخارجي التي تعيش فيه مع ذلك غلب على الصحوة العاطفة الجياشة والقوة والعنفوان وعدم اكتمال الرؤية والفوضوية غير المنتظمة واستعجال الوصول للهدف وغلبة حركة الحشود مثلها مثل الإنسان المستيقظ لتوه من نومة عميقة.

الصحوة أول الطريق

حققت الصحوة أهدافها كاملة في تثبيت فكرة الإسلام في المجتمعات الإسلامية عبر تشكيل حركية بشرية كبيرة مؤمنة بقيم الإسلام وقدرته على تسيير الحياة البشرية، متحركة بحماسة وعنفوان مع أنها بفوضوية لتحقيق مشروع النهوض ووالحالة الحالمة بعودة الإسلام للريادة، في ظل كل ذلك اصطدمت الجماهير بواقع عقيم من حيث النظم والأدوات والوسائل الموصلة للحلم وارتطمت الآمال الحالمة والشعارات العاطفية الصادقة بالتحديات والمنغصات أمام تحقق حلم الحرية والوحدة والنهضة المجتمع في خماسية: الطغاة، الغلاة، البغاة، الموات، الشتات.

تعيش الأمة الإسلامية الآن واقعًا جديدًا أنتجه تدافع مشروع الانبعاث الحضاري المنطلق في القرن الماضي وأفرزته حركية الأحداث بين حملته وحملة مشروع الاستعمار والهيمنة، واقع يحمل في رحمه فرص النهوض وتحديات تمثل في الجزء منها ميراث القرن الماضي وفي الجزء الهام الآخر إكراهات القرن الجديد بسننه الاجتماعية السائدة.

يحمل هذا القرن الجديد التحديات الكبرى التالية:

1– الطغاة

الظلم وطغيان الحكام وتفردهم بالسلطة في الأقطار الإسلامية الممزقة وما يحمله من ارتدادات ونتائج وأمراض سواء على الحياة الاجتماعية بغياب العدالة الاجتماعية وتدهور الحياة المعيشية، أو في الحياة السياسية بغياب الديمقراطية والحريات وانتشار التزوير والاستبدادالسياسي وتشكل حاضنة طفيلية حامية لأنظمة الحكم في الدولة والمجتمع، أو ما تحمله الحياة الثقافية من انتشار لطبقة من المثقفين وعلماء البلاط ونماء دورهم في شرعنة وتأصيل الأخطاء والعيوب التي تفرزها منظومة الحكم، أما في الحياة الاقتصادية فخلف هذا الواقع تدهورًا وتخلفًا اقتصاديًّا وطبقة فساد عميقة من أرباب المال واللولبيات المختلفة المتدافعة على الدينار.

2- البغاة

العولمة والنظام الدولي الأحادي وحجم السيطرة الحضارية التي أنتجت استعمارًا منوعًا آخر بعد سقوط الاستعمار التقليدي، هو استعمار اقتصادي مالي ضاغط عبر المؤسسات العابرة للقارات والبنوك الكبرى واستعمار فكري ثقافي عبر مؤسسات العلاقات العامة والدبابات الفكرية ونخب فكرية وفنية واستعمار قانوني سياسي عبر منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الأممية.

3- سقوط المسجد الأقصى المبارك

قلب الأمة وعاصمة إمامتها ومرتكز قوتها في أيدي الصهيونية ومشروع تهويد العالم الذي جعل من فلسطين مرتكزًا لهدم المسجد الأقصى والسيطرة على حمى الإسلام والعالم.

4- الغلاة والشتات والموات

 تحدي الضعف الفكري والاجتماعي والسياسي الناتج عن تعطيل العقل وتغليب الجمود أو المرور لاستيراد الأفكار وطغيان النخب المسلوبة حضاريًا أنتج ذلك إما فهمًا خاطئًا لقيم الاسلام ومنهجه الحيوي أو غلوا في استدعاء جهود العلماء المهتدين لعصورهم، أو تخل عن منهجه الوسطي المعتدل الجامع بين قطعيات الوحي وإسقاطات روح العصر أو رفض كامل للإسلام بدعوى التمدن والحداثة والتقدم بالإضافة للشتات الفكري والحزبي الناتج عن عدم توازن ميزان التنافس والتعاون والطفولة الفكرية الباحثة عن سقطات حملة مشروع الانبعاث الحضاري التي تحملها بعض الجماعات التي تدعي الجرح والتجريح وما أنتجته منعمل على إسقاط القدوات وضرب الرموز وتعطيل الاجتهاد وترسيخ التقليد والجمود.

تلك هي تحديات مرحلة الصحوة وعصارة إنتاجها الإيجابي على مسار عودة الإسلام للقيادة العالمية عبر خلافة على منهج النبوة بروح العصر وحكمته ضمن وسطية واعتدال في الأفكار والقيم والأدوات والوسائل والنظم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

من الصحوة إلى اليقظة، إستراتيجية فهم الحراك، جاسم سلطان
عرض التعليقات
تحميل المزيد