حققت الصحوة أهدافها كاملة في تثبيت فكرة الإسلام في المجتمعات الإسلامية عبر تشكيل حركية بشرية كبيرة من حيث الكم مؤمنة بقيم الإسلام وقدرته على تسيير الحياة البشرية، متحركة بحماسة وعنفوان -مع أنها كانت عفوية فوضوية-لتحقيق مشروع النهوض والحالمة بعودة الإسلام إلى الريادة، في ظل كل ذلك اصطدمت الجماهير بواقع عقيم من حيث النظم والأدوات والوسائل الموصلة للحلم وارتطمت الآمال الحالمة والشعارات العاطفية الصادقة بالتحديات والمنغصات أمام تحقق حلم الحرية والوحدة والنهضة. ولقد تكلمنا في الجزء الأول من سلسلة مقالاتنا عن تحديات المرحلة القادمة في المجتمع في خماسية: الطغاة، الغلاة، البغاة، الموات، الشتات.

 1- ماذا بعد الصحوة؟

ككل أمة تنهض من سباتها وتستجمع قوتها لتعود للشهود الحضاري فإنها تمر عبر مراحل تراكمية لتحقق غايتها. والطريق لتحقيق الغاية ليس طريقًا مستقيمًا مستويًا بل هو طريق منكسر له دائمًا ارتفاع في محصلته النهائية، في ظل  التحديات المتنامية التي تريد إجهاض إرادة النهوض، تحتاج الأمة ضرورة لاستكمال طريق العودة للقيادة العالمية مع توسيع الكم والعدد، بذل جهود عظيمة في توسيع الكم النوعي عبر بناء عدد أكبر من العقول وصناعة كتلة أكبر من ذوي الأبصار لترشيد الصحوة ونقلها من العاطفة الجياشة والشعارات الرنانة إلى كسر الأغلال عن العقل وتحرير طاقاته وتحويل جهد الحركة الصادقة غير المنظمة في المجتمع وقت الصحوة إلى خطط عملية استراتيجية جامعة لكل الصادقين السائرين في طريق نهوض الأمة، تحمل كتلة العقول والألباب الأمة الإسلامية وجماهيرها من الكتلة البشرية الصادقة الحية التي أنتجتها الصحوة إلى مرحلة جديدة، مرحلة اليقظة!

تتصف مرحلة اليقظة بالشعور المتكامل بالهوية والتعرف الصحيح بجسد الأمة والاستشعار الكامل بالمحيط الخارجي وحجم التحديات المحدقة به.

اليقظة هي مرحلة تحرير العقل من الأغلال والتصورات الخاطئة والأفكار القاتلة وإبداع المناهج والتصورات النابعة عن مرجعية الإسلام الصحيحة والمتدافعة مع خصوصيات الواقع المعاش بعلومه وتصوراته وسننه.

وحتى يتحقق كل ذلك هنالك واجبات لتحقيق مرحلة اليقظة أسردها بتصرف مما حرص د.جاسم سلطان على تبيانه في كتابه المميز «من الصحوة إلى اليقظة…إستراتيجية إدراك الحراك».

2- واجبات مرحلة اليقظة

لقد أبدع الدكتور جاسم سلطان في كتابه الثمين في شرح آلية الانتقال من مرحلة الصحوة التي مكنت للفكرة في المجتمع إلى مرحلة جديدة  تتحضر فيها لتمكين الفكرة في الدولة كواجب على القادة لفهم استراتيجية الحراك، وتضم هذه الواجبات:

1- التحضير الفكري الشامل للأمة تحضيرًا يجعلها تحيط بفكرة نهوض الأمة الإسلامية وتغرس فيها الأمل بيقين عودة الإسلام إلى الريادة وتوضح الرؤية وتجيب عن التساؤلات والشكوك وتجدد الأدوات والوسائل ويحمل كتلة العقول هذا المشعل.

2- العمل على إقناع النخب المؤثرة الحاكمة باستخدام أصح الأدوات وأفضل السبل بقدرة مشروع الأمة المتجدد على النهوض والتطور وأضيف على ذلك صناعة نخب ورموز من أبناء الأمة الإسلامية قادرة على نقل الفكرة للدولة عبر التدافع السياسي والمشاركة السياسية الفعالة في الأقطار الإسلامية.

3- إيجاد مجالات عمل مشتركة جامعة لكل تيارات الأمة الصادقة الراغبة في الوصول للنهضة.

3- التحضير الفكري وواجبات كتلة العقول (ذوي الأبصار)!

من ضرورات اليقظة التحول من العواطف الجياشة والتحركات الصادقة غير المنظمة عبر حركة الشعوب العاطفية الضخمة إلى مرحلة التصور العقلي الكامل للغايات المستهدف تحقيقها ونموذج الإسلام الصحيح الهادف قيادة البشرية به وشرح التصورات والأفكار والرؤى والبذل في تحقيقها عبر الخطط المدروسة المحددة وفق ضرورات الواقع المعاش وتحت ظل التجارب العملية المعاشة سابقًا.

وليتحقق ذلك يجب أن تحمل كتلة نوعية من ذوي الألباب والأبصار هذه المسؤولية مع اكتمال بنائها وتراكم جهودها وتكامل ميادين حركتها بهدف تحقيق قدرة أكبر لاتخاذ القرارات الصحيحة ومعرفة خطة المسير وتوجيه الكتل البشرية الصادقة لتحقيق حلمها ومبتغاها في الحرية والوحدة والنهضة وتحرير المقدسات وسيادة الإنسانية حضاريًا.

من واجبات كتلة العقول إعادة بناء التصورات الكاملة في:

1- فلسفة نهضة الأمة وبواعث تحقيقها والدوافع الحضارية للسير فيها عبر فهم كامل للإسلام ودراسة التجارب الإنسانية في النهوض باستقاء سنن النهوض والعوامل الفاعلة لتحققه.

2- وضع رؤى واضحة لماهية الأهداف والغايات وراء نهضة الأمة وتحقيق الاستخلاف في الأرض وترتيبها على قدر الأولويات التي تحددها النصوص المرجعية الثابتة.

3- إبداع غطاءات فكرية كاملة واقعية لجملة المراحل التي ستمر بها الأمة الإسلامية حتى تبث الأمل في وسط الأمة وتنير لها الدرب وتوضح لها واجباتها العملية.

4- الوصول إلى تصور متكامل للواقع ومتغيراته وجملة الفواعل المؤثرة فيه بالتمكن من فهم أفكار العصر السائدة وسننه المتحركة.

5- فهم وإبداع جملة الوسائل والأدوات المحققة للأهداف والغايات المتصورة والمحددة والمتفق على الوصول لتحقيقها ضمن تخطيط استراتيجي وتحويلها لخطط قصيرة المدى

6- العمل على دراسة التجارب العملية بعد التنفيذ المسهمة في إثراء التجربة الإسلامية وحصول تغذية راجعة تسهم في فتح مجالات النقد الذاتي والمراجعات بهدف التقييم والتقوييم والتجويد والتجديد.

هكذا وفقط بمعرفة المنشود وطرق الوصول وفق فهم  كامل للواقع وتصور للفواعل المؤثرة فيه والأفكار السائدة فيه وإبداع مقاربات جديدة تتفاعل مع الواقع وفق مبادئ الإسلام وقيم القرآن الكبرى يكون الانتقال المرجو الذي يحدث الآن من الصحوة العفوية إلى اليقظة العقلية الحقيقية المهيئة لوضع قدم في درب النهضة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

من الصحوة إلى اليقضة، إدارك إستراتيجية الحراك، د.جاسم سلطان
البيت الحمسي 2 رؤى ومفاهيم ومشاريع تطويرية، د. عبد الرزاق مقري
عرض التعليقات
تحميل المزيد