يحتاج مشروع العودة للقيادة العالمية (الانبعاث الحضاري للأمة) -وأي فكرة- خزانًا بشريًا من القادة والعاملين المتحركين يشترط فيهم ثلاثية ذهبية:

1– الإحاطة بالمشروع والمبدأ القائم عليه والأفكار المحمولة فيه والأهداف المحققة له، ضمن تصور شامل، يتمثله العاملون في عقولهم قبل بداية التنفيذ، ولن يتحقق ذلك إلا بدوام التربية على القيم وغرس الأفكار الصحيحة وتنمية العقول فكرًا ومعرفة، والحرص على شرحه حتى يصبح ظاهرة اجتماعية.

2- الإيمان بالمشروع وهو ثمرة العلم والمعرفة وفي نفس الوقت روحه الذي به يثبت العاملون ويتساقط الطامعون المتسلقون، والإيمان بالمشروع يعني التصديق الكامل بوجوب العمل عليه ويقينية تحقق وعد الله لنا فيه. والتأكيد على صدق مقاصده وشرعية أدواته ومكانة العاملين فيه. ويكون ذلك بمداومة النظر في بشائر التحرير وصفات المحررين التي تسوقها لنا ٱي القران وسنة المصطفى.

3- التقدير للمشروع وهو الاعتقاد بسمو المشروع وعلوه في مراتب الأوليات بالنسبة للمشاريع الأخرى، فمتى كان المشروع أولوية سامية عالية وكان المشروع عظيمًا كان البذل والعمل في مستواه وكان العطاء والتضحية في مقامه. ويكون ذلك بدراسة الواقع ومدارسة تراجم الفاتحين وأثر فتوحهم على نهضة الأمة وتحقيق المقصد الأعظم، الاستخلاف في الارض وعمارتها.

وعلى أساس ذلك وجب علينا تبصير الأمة الإسلامية -على الأقل روادها الماشين في طريق نهضتها- بماهية المشروع الذي تنشده الأمة الإسلامية ودوافعه لتثبيتها في العقول كضرورة في مرحلة البناء مثلما تثبتت في القلوب والعواطف في مرحلة الصحوة الإسلامية.

1- دوافع النهضة وغاياتها الثلاث!

كل حركة إصلاحية تنشد التجديد بهدف التمكين للحق وتحقيق النهضة يجب أن تنشد الغايات الثلاث المتكاملة المترابطة:

1- التوحيد

إفراد العبودية لله وتلك غاية وجودية ينتفي فيها وجود الإنسان بعدم تطبيقها، فهي تعريف للحياة وإثبات للوجود البشري وخير تأكيد على حرية الإنسان.

ولا يكون ذلك إلا بأن ينتهج المسلم نهج الله في السيادة والقيادة عقيدة وعبادة أخلاقًا وقيمًا وشرعة ومنهجًا، ويسعى ليكون الإسلام هو القائد والظاهر على الأديان الوضعية والمناهج الإنسانية ويكون الإسلام شاهدًا على الأمم، فتتحقق بذلك قيمة الهدى بانتقال الناس من الظلمات إلى النور، من عبادة العباد لعبادة رب العباد.

2- الاستخلاف في الأرض

لا يكون ذلك إلا من خلال فقه السنن الاجتماعية وأدوات بناء الفرد والمجتمع وفق منهج الله ونواميسه الحاكمة، والاجتهاد في تطبيق السنن وتطوير النظم والأدوات والوسائل والقوانين والإصلاحات لتحقيق الأمن والعدل بين الناس، وتحضير واقع إنساني جديد يقوم على قيمة الرحمة.

ولن يكون الاستخلاف في الأرض حقيقة بدون ميلاد مجتمع جديد مؤهل قوي مترابط سائر وفق نموذج الإسلام واستراتيجيته في عوالمه الثلاث الأفكار والأشخاص والأشياء، وكيان دولي جامع للمسلمين (يتحدد شكل تحقيقه في عصرنا باجتهاد العلماء) يسوق نموذج الإسلام للبشرية وينقلها من جور الأديان إلى رحمة وعدل الإسلام منظومة وقيمًا وواقعًا عبر نماذج الدول السائرة بذاك النموذج.

3- عمارة الكون

من خلال فقه القوانين الكونية والتمكن من المعرفة والعلوم التطبيقية والاجتهاد في فقه مدخلات العصر وأدواته والمراكمة عليها وتجديد التصورات ووضع المقاربات وتجديد نظريات وفق نموذج الإسلام في الإعلام والسياسة والاقتصاد والفن فيكون بذلك التسخير والتعامل مع الكون بالتعمير من خلال البناء الحضاري.

فيتحقق بذلك مفهوم الإيمان الكامل، هو الاطمئنان التام بوجود خالق مدبر رازق لا معبود بحق سواه، إيمان يجعلنا نفهم الظواهر النفسية للبشر والتدبر فيها وحسن تدبر علوم الكون والاطمئنان من الغيبيات بالاكتفاء بما أخبرنا به القرآن والسنة وفق منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين، فتظهر القضايا الكبرى في نفس الإنسان وعقله فتتحرر القوى العقلية والنفسية لممارسة الدور الحضاري، عمارة الكون وتحقيق قيمة البركة التي تنقل البشرية من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والٱخرة.

بذلك نكون فهمنا الكلام الذهبي الذي رسخه رسول الله في شخصية الصحابة وقاله ربعي بن عامر لكسرى فارس، يحدد فيه غاية وجود الاسلام وحركية حامليه والمؤمنين به وبصلاحه: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد لعبادة رب العباد (الهدى، توحيد العبودية لله) ومن جور الأديان لعدل الإسلام (الرحمة، الاستخلاف في الأرض) ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والٱخرة (البركة، عمارة الكون، التطور والنهضة).

2- الإسلام الفكرة المركزية للنهضة!

كل مجتمع ينشد النهضة لابد له من اختيار فكرة مركزية تكون مركز ثقل الحركة وبوصلة التحرك وفق إطار مرجعي صلب جامع للمعتقدات والمسلمات ومنطلق من منظومة قيم راسخة، تتجلى الفكرة المركزية بجهد حامليها في نواحي الحياة المختلفة من مؤسسات الدولة وشكل الحكم ونظام الاقتصاد… إلخ، لتصبح نموذجًا كاملًا ظاهرًا تستفيد منه البشرية أجمع.

اختار الكيان الصهيوني رغم كون منظريه من العلمانيين فكرة مركزية دينية «اليهودية» عودة اليهود لأرض الميعاد، واختار الغرب فكرتين نقيضتين: الشيوعية والليبرالية، ولكل مجتمع حق لاختيار فكرته لا فكرة عدوه.

لا يمكن أن تكون الفكرة المركزية ضد منظومة قيم المجتمع الحامل لمشروع النهضة لأنها في الاخير معرضة للفشل الحتمي نتاج المقاومة المجتمعية، بالتالي محكوم بالفشل من يريد أن يستنبت نهضة باستيراد فكرة مركزية غريبة عن هوية المجتمع وقيمه وإطاره المرجعي.

إن الأمة الإسلامية من باب دوافع النهضة الثلاث الدينية العبودية لله والاستخلاف في الأرض وعمارة الكون (انظر #إعداد 08) ولكون الإسلام نموذجًا حضاريًا أثبت قدرته على قيادة البشرية وفق نموذج كامل وجب فهمه وشرحه والذي يجتمع في هوية الشعب، فإن أيضًا من الفطنة والحكمة والتخطيط الاستراتيجي سرعة اختيار الإسلام كفكرة مركزية للنهوض والتطور، لأن المجتمع المسلم رأى النتائج المؤلمة والخسائر الفادحة التي أنتجتها المشاريع الغربية المستنبتة في تراب الأمة الإسلامية بعد سيرها في الاشتراكية والليبرالية.

ما يحدث في تونس وأقطار أخرى من محاولة تبني أفكار غريبة عن هوية وقيم المجتمعات الإسلامية ومرجعيتها القرآنية الإسلامية يرسم محاولة تأخير اختيار الإسلام كفكرة ظاهرة قائدة للمجتمع، ولكن للمجتمعات الإسلامية رأي ٱخر ونموذج أعظم وجب تسريع اختياره عمودًا للحياة ومنهجًا للحكم وبوصلة للنهوض.

3- الفكرة المركزية: الإسلام وعالم الأفكار المنشود.. محاولة فهم!

لقد ضمرت العديد من المفاهيم الرحبة عبر التاريخ الإسلامي بسبب فريق اتبع مدرسة الأعرابي (تضييق الواسع) ففقدت عبر هذه المنهجية العديد من الأفكار والمبادئ والمعتقدات جزءًا من أنوارها المشرقة بل نصيبًا كبيرًا من ذلك، فاختفت عن تصورات الأمة الأفهام الصحيحة والتصورات الكاملة للإسلام في شموليته وعالميته، وجملة المقاصد التي لأجلها بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الإسلام هو بناء كامل قائم على قاعدة صلبة بها ينطلق المسلم، ووفق ضوئها يسير، فهي نواة صلبة غير قابلة للتبديل والتغيير، يستمدها من الوحي الرباني القرآن الكريم، ويعرف تفصيلها وفق الهدي النبوي، ويتلمسها في شخصية رسول الله وسنته ويتشربها بدراسة سيرته، وهي الأصل الكامل والعمود والعماد لهذا الدين، به صلح في الأولين وبه يصلح في الآخرين، وتضم هذه القاعدة: العقيدة بأركانها الست المحققة للإيمان والعبادات فقهًا وممارسة، فرضًا ونوافل وثمرتها التقوى والأخلاق بمكارمها وثمرة تمامها الإحسان.

الإسلام دين شامل يتفاعل مع مناحي الحياة جميعها في الحكم والسياسة والإعلام والاقتصاد والمجتمع والتعليم والرياضة والفن بما يحقق للإنسان الخليفة والأمة المحمدية الظهور وقيادة الحياة البشرية وفق مقاصده العظمى وغاياته الكبرى، وهذا هو الجزء المرن المتجدد في عقل الأمة وتفكيرها وحركتها على رأس القرن على يد مجددي الأمة أولي الأبصار والألباب، وفق تصورات ومقاربات محققة لمقاصد الإسلام ومتفاعلة مع مدخلات العصر وسننه الاجتماعية، وتدخل حوصلة ذلك ضمن فلسفة العمل الصالح.

يحتاج نموذج الإسلام بقاعدته الصلبة وأعمدته الرافعة لسقف يحقق إطار دولة بمؤسساتها التنفيذية المنفذة للتصورات الدافعة للتجديد والتجويد في مجالات الإعلام والاقتصاد والتعليم والبناء النفسي ومؤسساتها الشورية المتخذة للقرار ومؤسسة قضاء دستورية حافظة للحقوق، وحامية للضعيف أمام تجبر أهل السلطان، ومؤسسات مجتمع مدني عامل متحرك، تعمل على بناء المجتمع وتوجيهه وتحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مجتمع يعطي قيمة للوقت ودوره في العمل الحضاري ويتواصى بالصبر على التحديات والإكراهات، وتكتمل أركان الدولة عبر ذروة سنام الإسلام مؤسسة جهاد، مؤسسة عسكرية بجيشها المؤمن الصادق الماهر القوي المسلح بسلاح ينميه الاقتصاد وتطوره كتلة العقول بالعلم ويحمله أبناء المجتمع ليحموا دولتهم السائرة للنهضة من إجهاض نموذج الإسلام وإسقاطه قوى الباطل.

الإيمان، التقوى، الإحسان، العمل الصالح، العلم، التواصي، العمل الجماعي، حفظ الحقوق، الصبر على تحقيق الغايات وإكراهات الباطل، قيمة الوقت، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الجهاد، هي منظومة قيم الإسلام!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد