لماذا سمي بعبد الرحمن الداخل.. وصقر قريش؟

ذكرنا في المقال السابق «صقر قريش ودخوله الأندلس (1-1)» أن عبد الرحمن بن معاوية لقب بصقر قريش أو بـعبد الرحمن الداخل، أما لماذا لقب بعبد الرحمن الداخل؛ لأنه الوحيد من بني أمية الذي استطاع أن يدخل قرطبة حاكمًا، كما كان له كثير من الأيادي البيضاء على الإسلام في بلاد الأندلس وأقام إمارة هناك امتدادًا لملك بني أمية، بعيدًا عن نفوذ الخلافة العباسية آنذاك.

وأما لقب صقر قريش، فالذي أطلقه عليه هو أبو جعفر المنصور -الخليفة الثاني للدولة العباسية، والذي يعد مؤسسها الحقيقي بعد موت أخيه السفاح- تحكي الروايات أن أبا جعفر المنصور كان جالسًا ذات يوم مع أصحابه، فقال لهم أتدرون من هو صقر قريش؟

وكأي بطانة تتسابق وتتسارع من أجل التقرب من الحاكم ونيل رضاه أجابوا: بالتأكيد هو أنت، فرد المنصور وقال لهم: لا.

ظلوا يعددون له أسماء بما فيها معاوية وعبد الملك بن مروان من بني أمية؛ فقال أبو جعفر المنصور إنه عبد الرحمن بن معاوية الذي دخل الأندلس منفردًا بنفسه، متمسكًا برأيه، لا أحد معه، ركب البحر وعبر الصحاري حتى دخل بلدًا أعجميًا فوحّد الأمصار وجنّد الأجناد، وأقام ملكًا بعد انقطاعه بحسن تدبير وشدة عزم.

هزيمة العباسيين

ظلت الأندلس منذ دخول عبد الرحمن بن معاوية سنة 138هـ- 755م حتى 316 هـ- 928م تعرف باسم إمارة لأنها أصبحت منفصلة عن الخلافة الإسلامية، سواء التي كانت في عصر العباسيين أو ما تلاهم بعد ذلك من العصور إلى آخر عهود الأندلس.

لم تستتب الأمور لصقر قريش في السنوات الأولى من حكمه؛ إذ اندلعت ضده ثورات عدة، لكنه استطاع أن يخمدها كلها بذكاء شديد، لكن أقواها كانت بينه وبين العباسيين.

حينما حاول أبو جعفر المنصور إخضاع الأندلس لملكه، لأنها الإمارة الوحيدة التي كانت مستقلة في ذلك الوقت عن الخلافة العباسية. بعد ثماني سنوات من خلافة صقر قريش أي سنة 146 هجرية، راسل أبو جعفر المنصور العلاء بن مغيث الحضرمي لأن يقتل صقر قريش ويضم الأندلس إلى أملاك الخلافة العباسية، لم يجد الحضرمي بدًا إلا أن لبى طلب المنصور فقدم من بلاد المغرب قاصدًا الأندلس.

لما علم صقر قريش بهذا الخبر استعد جيدًا لملاقاة الحضرمي، ولما كان يتمتع بالذكاء الشديد، ولديه مناورات عسكرية وأساليب فتاكة، ولمَ لا وهو الذي نجا من العباسيين وكوّن إمارة قوية بمفرده ومساعدة نفر من بني أمية وبعض القبائل في البداية.

تقاتل مع الحضرمي بشراسة، وفي النهاية انتصر عليه ثم قتله، كان يعتقد أبو جعفر المنصور أن الاستيلاء على الأندلس لهو أمر هين، لكن العكس هو الذي حدث، لما وصلت أنباء مقتل الحضرمي إلى أبي جعفر المنصور، وكان في الحج، قال: قَتْلَنَا هذا البائس – يعني الحضرمي، وبعد هذه الواقعة قال المنصور: ما لنا في هذا الفتى – يقصد صقر قريش– من مطمع، الحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر.

بهذه الهزيمة تخلى الخلفاء العباسيون عن فكرة ضم الأندلس إلى الخلافة العباسية، واستمر حكام بني أمية في الأندلس حتى عام 316 هجرية.

تنظيم أمور الحكم في بلاد الأندلس

بدأ صقر قريش في تنظيم الأمور في الأندلس، بعد أن استقرت الأوضاع وأخمد كل الثورات التي قامت ضده، كان يؤمن تمامًا بأن بناء جيش قوي يؤدي إلى تأسيس حكم قوي، لذا اهتم ببناء الجيش حتى يكون رادعًا وحصنًا منيعًا وقويًا له في مهاجمة الأعداء أو الخصوم الذين يطمعون في ضم إمارته.

اعتمد في بناء الجيش على المولدين، وهم الذين نشأوا نتيجة انصهار الفاتحين وانخراطهم بالسكان الأصليين من أهل الأندلس، وكانوا يمثّلون غالبية الأندلسيين، ثم كل الفصائل والقبائل الموجودة هناك، وفصائل البربر واليمنيين.

بهذا العمل جعل الجيش مزيجًا من كل السكان؛ الأمر الذي يضمن ولاء كل القبائل والفرق للإمارة الجديدة التي تحتويهم جميعًا، وقد وصل تعداد الجيش في عهده إلى حوالي 100 ألف فارس غير الرجّالة.

كذلك أنشأ أسطولاً بحريًا قويًا، بالإضافة إلى عدة مواني منها برشلونة وإشبيلية وغيرهما، ثم أنشأ مصانع للأسلحة والسيوف والمنجنيق.

الموازنة العامة للدولة

كانت الموازنة العامة في عهد صقر قريش تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم ينفقه على الجيش فيما يتعلق ببناء مصانع للأسلحة وإنشاء المواني وغيرها، والقسم الثاني للمؤن والمرتبات والمعمار وغيرها، أما القسم الثالث فكان يوفره لحوادث غير متوقعة.

الاهتمام بالعلم

أولى صقر قريش أهمية كبيرة للعلم والجانب الديني، لذا اهتم بالقضاء والمحاسبة وعمل على نشر العلم، واهتم ببناء المساجد مثل مسجد قرطبة الكبير، الذي بلغت تكلفته حوالي 80 ألفًا من الدنانير الذهبية، وغيرها من الأنشطة والمشروعات التي تعزز مكان العمل والعلماء. كما اهتم بتشييد الحصون والقلاع والقناطر، حيث أنشأ أول دار لسك النقود الإسلامية في الأندلس.

عمل صقر قريش على إنشاء الحدائق على غرار الحدائق التي كانت في الشام، والتي أسسها جده هشام بن عبد الملك، وقد أتى لها بالنباتات العجيبة من كل بلاد العالم، والتي ما إن كانت تنجح زراعتها فإنها ما تلبث أن تنتشر في كل بلاد الأندلس.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

سير أعلام النبلاء للذهبي
عرض التعليقات
تحميل المزيد