قالها الأستاذ سيد قطب: «إذا أريد للإسلام أن يعمل، فلا بد للإسلام أن يحكم، فما جاء هذا الدين لينزوي في الصوامع والمعابد، أو يستكن في القلوب والضمائر».

منذ زمن طويل ظلت هذه الأمة تعيش تحت نيران الظلم والطغيان والاستبداد، ويتداول عليها المستبدون وتتبادلها الأنظمة شرقًا وغربًا، وما أن انتفض ماردها منذ سقوط الخلافة الإسلامية ليتسلم الإسلامُ دوره في قيادة البشرية، حتى تكالبت الأمم حاملة في أيديها ما يطفئ ثورة هذا المارد المنتفض، والذي أدرك تمامًا غايته التي يتجه صوبها. لقد أطلق سيد قطب جملته هذه الرائعة ليعكس طبيعة الإسلام وفاعليته وكفاءته في قيادة ركب البشرية التي تتخبط من نظام لآخر، ومن ظلم لآخر، ومن استبداد لآخر، ولأن الإسلام منبعه أرض العرب، اشتعل المنبع ثائرًا يصحح مفاهيم الدين، ويؤسس حقيقة التدين، وانتفضت شعوبه تواجه كل هذه الآلات الباطشة متطلعة للحرية والكرامة غير متراجعة إلا أن تشل من يكبل دينها بالقوة؛ ليفرض نمطًا على هواه، وانتفض ليخرج الناس من ذلك القفص المفاهيمي المهترئ الممزق الذي شوهته سنين الاستبداد المتتالية، فزوته إما في صومعة نائية لا علاقة لها لا بتقدم بشري ولا بنهضة أمة، وكأنها لم تسمع قول الله تعالى: «وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ» (هود- 61)، وإما رمته في الحضيض بعيدًا عن متناول معتركها الحياتي الذي تخوض غماره كل يوم في أسلوب عيشها وأبعاده ومتغيراته.

إن تلك العبارة الرائعة هي ملخص وتفسير لهذا الصراع الواقعي الذي يعيشه العالم اليوم، والذي حتمًا سيفرز الإسلام في نظام الحكم، ولكن المتسارعين لإطفاء نور الله إنما فقط يحاولون تأخيره لتسلم تلك الراية، التي لطالما رفضتها نفوسهم الجاحدة، ولكنها بنور الحق الذي تملك تثبت كل يوم أنها القيمة الوحيدة الباقية لقيادة البشرية، وها هي النظم تفلس قيمًا وأخلاقًا، وها هو العالم الجاهل الظالم ينفش كل يوم ريشه ليلتقط آخر أنفاسه ليغادر ويزول، ولذلك سنة الله لا تتخلف عن صراعات البشر فهي مصاحبة دومًا لتياره المتغير «سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا» (الأحزاب- 62).

كيف يحكم الإسلام؟!

عند الحديث عن كيفية حكم الإسلام وآليات ذلك الحكم، قد يُفتح بذلك باب جدل واسع، ولكن دعونا نتحدث بما تسمح به مساحة المقال، عن كليات ذلك الحكم، وحسب اعتقادي أن الإسلاميين، أو بمعنى أدق الذين يبذلون جهدًا في إقامة نموذج إسلامي ذي سلوك رشيد، لا بد لهم من إعداد واضح لكيفية ذلك الحكم حسب ما يتوفر لديهم من منهجية ودراسة للواقع وتحليله، وأظن أنهم قد بذلوا جهدًا ضئيلًا في هذا المضمار، ولكن تجربة الربيع العربي قد بدأت تصقل قدرتهم عبر خوضهم لهذا الصدام العصيب، ليدركوا أن أمامهم الكثير من التحديات، فقد أفرز الربيع العربي عدة تجارب إسلامية في المنطقة أولها التجربة المصرية، والتي نالت من الإجهاض النصيب الأكبر؛ فلم تترك لتكمل نضجها، ولكن هذه الصدمة الكبرى التي مرت بها جماعة الإخوان باعتبارها شجرة لثمار الحركات الإسلامية ذات الطابع التفاعلي مع الواقع، ستصوب مسيرة الحركة بإذن الله، فالله يريد إنضاجها وتقويتها، والله قد يريد أن يهيئ لها البيئة الاجتماعية الخصبة لتنمو وتؤتي ثمارها، فلولا الانقلاب الذي حدث لظلت الحركة تتخبط في مستقبلها أكثر مما تنال من وبال وتنكيل في واقعنا اليوم، لأنها بموجب وجودها في السلطة مع وجود الاستبداد القديم العميق تفقد قوتها الاجتماعية، والتي تمثل لها المناعة الدائمة والإرادة الحية التي قد تنام، ولكنها لا تموت، ولذلك بغض النظر عن الآليات التي تعدها الحركات الإسلامية في العالم، خاصة في المنطقة العربية التي يشتعل فتيلها اليوم، بغض النظر عن مشاريع تلك الحركات، ولكن المستقبل لها بإذن الله؛ لمصداقيتها ولجديتها في إقامة دول تصان فيها الحريات، ويكون التداول الديمقراطي فيها صاحب الموقف، ولتضحية تلك الحركات، وإثبات جدارتها ببذلها للمال والنفس فداء لمبادئها ومواثيقها، وهذه بالذات هي البذرة المغروسة التي ستنبت يومًا، مغروسة في نفوس الشعب، مغروسة في وجدانه؛ لأنها الثمرة المقدسة التي تؤسس مضمون الإنسانية الحقيقية التي تقوم على القيم لا على المصالح.

إن للإخوان -وبفضل الله تعالى- دورًا عظيمًا لن ينسى يومًا في ترسيخ معاني الإسلام، وإخراج ومقاومة تلك الصورة المشوهة عنه التي تتمثل في الطقوس والعادات، إلى تلك الصورة الحية التي تؤثر في حياة الناس وسلوكهم الفعلي اليومي، عبر تأسيس معاني الدين في المجالات المختلفة من سياسة ومجتمع وأمة وأسرة وقانون ودستور، إذ تقوم أساسًا دعوة الإخوان على إنتاج الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع المسلم، وبموجب ذلك تصنع إرادة الناس الحرة بقناعتهم التي لا تتزحزح باختيار الإسلام كمشروع يحكمون به، وهنا الشورى وآلياتها، إذ تمهد الدعوة للشورى في إنتاج الإرادة الشعبية التي تختار الإسلام لتُحْكَم به، كيف لا وقد قال الإمام الشهيد حسن البنا قولته الرائعة: «الإسلام نظام شامل، يتناول مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة ووطن، أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة أو عبادة صحيحة سواء بسواء».

ومن هنا فإن المعركة الدائرة اليوم حتمية لأشياء كثيرة، أولها تهيئة البيئة الاجتماعية والشعبية في أوطاننا العربية والإسلامية، حتى تصل مرحلة لا شك فيها أن الإسلام هو الوحيد القادر على قيادة البشرية، وعندما تترسخ هذه الإرادة الإسلامية الاجتماعية في أوطاننا، حينها يتنزل النصر بإذن الله لتستطيع هذه الأمة أن تحميه، وليقوي الله عودها لتحمل تبعات ذلك النصر؛ لأن النصر اختبار جديد ذو معركة مختلفة عن التي كانت فيها المعركة التي قبله، فكم من منتصر اغتر وخسر والله تعالى يقول: «لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين» (التوبة- 25)، لأن في هذه المعركة يُسقط الله كل القناعات بغير الإسلام، فالناظر للمعارك من وجهة الإيمان ليس كالناظر لها من وجوه أخرى، وإنهم بهذا العنف الوحشي الذي يمارسون، لا يريدون قتل الإسلام لأنهم أدركوا أنه قادم لا محالة، إنهم فقط يعرقلون سيره، محاولين تأخير مهمته في تسلم الراية وقيادة البشرية.

فهذه الشعوب التي ثارت واختارت يومًا المشروع الذي يقدمه الإسلاميون باجتهادهم وإن كان ناقصًا، فإن الله يريد أن يعدها لتقوّم ذاتها وتراجع أخطاءها لتهيأ لقيادة البشرية بعد أن ذاقت ويلات العذاب من الاستبداد الدولي القائم على مصالح الذوات، مهما تعارضت تلك المصالح مع قيم الإنسانية، والفطرة الرشيدة التي تصان بها كرامة الأمم والشعوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد