لعل من عجائب هذه الأمة – أعني الأمة الإسلامية – أن تكون إحدى أهم غاياتها التي تسعى جاهدة إلى تحقيقها هي استعادة مجدها التليد. فأفضل ما يمكن أن يحصل لهذه الأمة أن يكون حالها – خصوصًا ما يتعلّق بالسياسة والحكم والحياة الاجتماعية والعلمية – أشبه حالًا بما كانت عليه زمن النبوة، أو على الأقل زمن الخلافة الراشدة؟! وفي إطار هذا السعي اختلفت الفهوم والاتجاهات؛ فمن الناس من اختار طريق العلم والإصلاح، ومنهم من اختار طريق العنف والثورة، ومنهم من اختار طريق الأخذ عن الآخر واعتماد مناهج لم يعرفها المسلمون، كما هو الحال بالنسبة للذين اقترحوا بعض الأنظمة الغربية على غرار الديمقراطية بديلًا للنظام الإسلامي. ولكن يبدو أن كل هذه المحاولات قد باءت بالفشل أو على الأقل لم تحقق بعد الهدف المنشود.

السياسة الإسلامية والإسلام السياسي

       يقصد بـالسياسة الإسلامية في هذا المقال ما اصطلح علماء الإسلام الأولون على تسميته بالسياسة الشرعية، وفيه ألفوا الكتب المشهورة مثل كتاب: «الإمامة والسياسة» لابن قُتيبة الدِّينَوَرِيِّ (ت 276 هـ)، وكتاب «الأحكام السلطانيَّة والولايات الدينيَّة» للقاضي الشافعي أبي الحسن علي المَاوَرْدِيِّ (ت 450 هـ)، وكتاب «الأحكام السلطانية»، لأبي يعلى الفراء الحنبلي (ت 458 هـ – 1065 م)، وكتاب «غِيَاب الأمم، في الْتياث الظُّلَم»؛ لإمام الحرمين الجويني (ت 478 هـ)، وكتاب «التبر المسبوك في نصيحة الملوك» لأبي حامد الغزالي (ت 505 هـ)، وكتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ)، ولعله أشهرها.

       وبالعودة إلى بيان مفهوم مصطلح «السياسة الشرعية» كما ورد عند أصحاب المؤلفات السابقة نقول: إن السياسة الشرعية هي القيام على شأن الرعية من قِبَل ولاتهم بما يصلحهم من الأمر والنهي والإرشاد والتهذيب، وما يحتاج إليه ذلك من وضع تنظيمات أو ترتيبات إدارية تؤدي إلى تحقيق مصالح الرعية بجلب المنافع، ودفع المضار والشرور. ولا بد من التأكيد ها هنا أن مصدرها الغالب هو الوحيان وما يتعلق بهما من مصادر التشريع الإسلامي، بما في ذلك الاجتهاد.

        فالسياسة الشرعية بهذا المعنى تشمل: الأحكام والتصرفات التي تدبّر بها شؤون الأمة في حكومتها، وتنظيماتها، وقضائها، وسلطتها التنفيذية والإدارية، وعلاقتها بغيرها من الأمم في دار الإسلام وخارجها، سواء كانت هذه الأحكام مما ورد به نص تفصيلي جزئي خاص، أو مما لم يرد به نص تفصيلي جزئي خاص، أو كان من شأنه التبدل والتغير، تبعًا لتغير مناط الحكم في صور مستجدة،  وتشمل أيضًا ما يعرف بـ(الأحكام السلطانية)؛ وهي التي من شأنها عدمُ ثبات الحكم، تبعًا لاختلاف مناطه.

     أما الإسلام السياسي فهو مصطلح سياسي وإعلامي وأكاديمي استخدم لوصف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره «نظامًا سياسيًا للحكم». فهو إذن مجموعة الأفكار والأهداف السياسية التي يزعم أصحابها أنها نابعة من الشريعة الإسلامية، ويؤمنون بأن الإسلام ليس عبارة عن ديانة فقط، وإنما عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات الدولة. لكن المؤسف أن هذا الاتجاه سيطر عليه لاحقًا الفكر الأصولي ولذلك يعتبر مصطلح الإسلام الأصولي Islamic Fundamentalism من أول المصطلحات التي تم استعمالها لوصف ما يسمى اليوم «إسلامًا سياسيًا»؛ حيث عقد في سبتمبر 1994 مؤتمر عالمي في واشنطن تحت عنوان: «خطر الإسلام الأصولي على شمال أفريقيا»، وحذر المؤتمر مما وصفه بمحاولة إيران نشر «الثورة الإسلامية» إلى أفريقيا عن طريق السودان، وفي التسعينيات وفي خضم الأحداث الداخلية في الجزائر تم استبدال هذا المصطلح بمصطلح «الإسلاميون المتطرفون» واستقرت التسمية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 على الإسلام السياسي.

       ورغم الانتقادات والحملات الأمنية ضدها تمكنت حركات الإسلام السياسي من التحول إلى قوة سياسية معارضة في بعض بلدان غرب آسيا وبعض دول شمال أفريقيا وباتت دول مثل إيران،السعودية ونظام طالبان السابق في أفغانستان والسودان، والصومال والإخوان المسلمون في مصر  من أهم الأمثلة لمشروع الإسلام السياسي.

     إننا نجد أنفسنا الآن مضطرين لطرح التساؤل الآتي  هل تحتاج الأمة اليوم للسياسة الإسلامية (الشرعية) أم إلى الإسلام السياسي؟

         للإجابة على هذا السؤال المركزي لابد من التأكيد أولًا على خاصية مهمة تتعلق بالإسلام باعتباره الدين الحق الذي لا يجوز التدين بغيره – على الأقل كما يعتقده المسلمون -، ألا وهي خاصية الشمولية أو «الكمال»، فالإيمان بكمال الدين الإسلامي وشموليته أمر ثابت عند المسلمين لا نقاش فيه، ولكن يبدو أن هذا الأمر يبقى أمرًا نظريًا فقط؛ إذ يعمد كثير من المسلمين وخاصة السياسيين إلى مخالفة هذا الأمر الثابت باقتراح بعض الأمور التي تضاد في كثير من الأحيان الإسلام من أساسه! ويبدو أن أكثر المسلمين وقوعًا في هذه المخالفة هم «الإسلاميون» أو ممثلو «الإسلام السياسي»، وذلك أنهم يقعون فيها بطريقة منظمة متبعين في ذلك الأفكار والنظريات التي يقررها القادة أو المرشدون. ورغم أنهم يقرون بل ويفتخرون في كثير من الأحيان بأن هذه الأفكار والنظريات مستوحاة من أفكار الغربيين ونظرياتهم إلا أنهم يصرون في كل مرة على «أسلمة» هذه النظريات والأفكار أو تقديمها في قالب إسلامي كما يزعمون! ومن الأمثلة على ذلك: الديمقراطية، الانتخابات، النظام االبرلماني، العمل الحزبي… إلخ. وهنا لا بد من الوقوع في متاهة يصعب عليهم الخروج منها ألا وهي الإجابة عن الإشكالات الآتية:

لماذا غفل النبي صلى الله عليه وسلم وهو النبي الملهم المؤيد بالوحي عن هذه الأفكار والنظريات؟!

لماذا غفل عنها الصحابة والسلف الصالح من بعده؟!

لماذا نجرب أو نطبق هذه النظريات والأفكار الدخيلة ولا نطبق السياسة الشرعية كما ورثناها عن عهد النبوة والخلافة الراشدة، خاصة وأنها أثبتت نجاحها وحققت للأمة الازدهار والتطور والاستقرار المنشود طيلة أكثر من أربعة قرون على الأقل؟!

ألم يتضح لنا إلى اليوم أننا نتأخر ونتخلف كلما آثرنا هذه النظريات والأفكار الدخيلة على ما ورثناه عن النبي صلى الله عليه وسلم؟!

ألم يتضح لنا بعد محدودية وفشل هذه النظريات؟! ألم يأنِ لنا أن نعود لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ونتعظ من هذه التجارب المريرة؟!

وأخيرًا؛ وهي الحقيقة المرة: ألم نفهم بعد أن «الإسلام السياسي» كذبة غبية، وأنه لا علاقة لهذه الأفكار بالإسلام؟!

     أختم هذا المقال بملاحظة مهمة، وهي أن بعض ضعيفي النظر قد يتهمني بالرجعية أو بالدعوة إلى غلق باب الاجتهاد، والجواب عن هؤلاء إن وجدوا قد سبق بين ثنايا هذا الطرح، وهو أنني ما دعوت في الحقيقة إلا إلى الاجتهاد الذي هو أحد أهم ركائز السياسة الشرعية، كما أنني دعوت إلى تطبيق أمر قد ثبتت نجاعته وأكد على مدى قرون أنه لا قيام لهذه الأمة إلا به، والله المستعان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد