غالبًا تختلف أهداف البشرِ وطموحاتهم من أحد لآخر، فهناك من يرفَع سقف الطُموحات عاليًا ويأبَى أن تكون أهدافه مقرونة بخيط رفيع ضعيف يربطه بالنجاح، وهناك من يرضى بالنجاح القليل فقط فهو سادُُ لجوعِ بطنهِ الصغيرة التي تَقبل الموائد ذات الأطباق القليلة، كلام معُمم عن طموحات البشر في جميع المجالات لكن المعني بحروفنا في مقال اليوم شخصية رياضية كروية ليست من النجوم الساطعة في سماء كرة القدم العالمية، لكنها تُعتبر مثالا ناجحا جدا للقادمين من الخلف في الكرة المحلية داخل البلدان العربية.

« لا أهوى القاع»

اقتناص الفرص الكبرى مهم وواجب يجعلك كاتبا للتاريخ بأحرف من ذهب، ويُبقِ الكل مرغمين على إعادة رقاص الزمن دورات عِدَّة للماضي لرؤية أمجادك. وعند المثابرين الراغبين في صناعة اسم يبقى محفورًا في الذاكرة يُعتَبَر السقوط في الطريق لتسلق الجبل بغية الوصول لقمته جالبًا للأرق، لكن النهوض مجددًا كل مرة ونفض الغبار لمواصلة المسير يجعل حلاوة الوصول للقمة مضاعفًا.

مسيرة ميلٍ بدأت بخُطوة صغيرة في أقسام هاوية، ثم خطوة أكبر بركوب سيارة بمحرك يعمل جيدًا للقسم الأعلى، والتي منحت تذكرة لركوب باخرة فاخرة للضفة المقابلة لبداية طريق صناعة المجد والتألق عبر بوابة برتغالية، والتي منحت بدورها التذاكر لركوب طائرات من الدرجة الأولى لإنجلترا، تركيا، وفرنسا.

انطلق من العدم في الأقسام السفلى في الجزائر بكرتها المريضة المتهالكة، اجتهد وثابر محاولًا صناعة المجد في دوريات كبرى بأوروبا بين كبار اللاعبين وفي مواجهة سادة المدافعين.

يحكي الكاتب الجزائري نجم الدين سيدي عثمان في كتابه Var القصص السرية لأبطال أفريقيا عن بدايات إسلام فيقول: جرب الصّبي حظه في أدنى قسم في بطولة الجزائر العاصمة، مقدمًا نفسه كمدافع، بذل كل ما بوسعه وفي نهاية الاختبار المصغّر أخبره المدرب أنه فشل في التجربة، لأنه لم يقدّم ما يشفع له من أجل البّقاء.
وهو يجرجر قدميه مبتعدًا، إنتبه المدرب إلى أن الجناح الأيمن الذي إحتفظ به من قبل كان غائبًا لسبب ما، فتّش عن أحدهم لكي تكتمل الحسبة، فكان أقربهم إليه المدافع الطويل، استأذنه إن كان بوسعه أن يملأ الفراغ ثم يغادر إلى شأنه ولا يعود، كانت تلك فرصته ليصبح لاعب كرة القدم، فدخل مهتاجًا كثور، وسجّل أهدافًا وقرر المدرب أن يضمه، ومن هناك انطلقت مسيرة إسلام سليماني من الملعب الترّابي في عين بنيان ومن القاع وبشكل غير متوقّع.

قِف عند بوابات الشراقة واسأل عن كاسياس!

غالبًا يرتبط اسم المهاجم بحارس المرمى فالعلاقة بينهما وثيقة أحدهما يصنح حزن الأخر، فإن دُكت وتحركت شباك صاحب القفاز أصابه أرق طويل وإن أنقذ الأخير مرماه أصاب القادم خيبة ما بعدها خيبة، علاقة إسلام سليماني بإيكر كاسياس كعلاقة الجلاد بالضحية، وإن سألت قديس إسبانيا الأول وحامي عرينها السابق عن المهاجمين الَّذين جعلوه يرتعد بين العارضة والقائمين سيُجِيب بأسماء سيكون من بينها اسم إبن عين البنيان لا محالة، وإن لم يجب باسمه! سيتذكر مُرغمًا من أفقد شِباكه عُذريتها في كل مواجهة في ساحات الوغى الخضراء ببورتو حينا ولشبونة أحيانًا أخرى.. والذكرى دائمًا خمس رصاصات قاتلة قادمة من أفريقيا أصابت كبد بطل أوروبا والعالم في مقتل.

بقاء وتحدي!

يجب أن يعذر إسلام كل الكاتبين عنه فلا الجرائد والمقالات الطويلة تكفي كي تحكي قصة سقوطه في البدايات ونهوضه بعد ذلك ليصبح رمزًا للمثابرة والنجاح، ويصبح رمزًا أيضًا للرافضين الجري وراء المال في دوريات أضعف.
في الموسم الحالي قرر إسلام البقاء سنة أخرى بين جنبات أوروبا، بل في أحد أقوى دورياتها أيضًا من بوابة ليستر سيتي في إنجلترا رافعًا راية التحدي، ومبقيًا راية الاستسلام في أسفل درج مسيرته كما كانت دائمًا.

مع منتخب بلاده أضاع كثير الفرص وسجل ما يسمح وما يليق أن يُمدح من أجله، أغرقه المشجعون بالشكر حين سجل ورموّه بالذم حين أضاع، مر بمراحل فراغ عديدة جعلته غير مرغوب فيه بقميص المنتخب، لكن لا اختلاف أبدًا بينهم أنه أحد أفضل اللاعبين والمهاجمين في تاريخ الجزائر، ولا ينكر فضله على اللون الأخضر والأبيض الممزوج بالحمرة إلا جاحد، وله ولهم في المرمى اليسار لملعب أرينا أبايشادا بمدينة كورتيبيا البرازيلية ذكرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد