يزخر كتاب دراسة في سوسيولوجيا الإسلام لصاحبه د. علي الوردي، بالنقاش المطول لعديد من القضايا الجدلية في الإسلام، وينقسم الكتاب إلى خمسة فصول -بخلاف المقدمة والخاتمة- تتعرض أساسًا إلى الخلاف السني والشيعي وطبيعة الخلافة في الإسلام وصراع الظالم والمظلوم داخل الإسلام، وسيدنا علي ومعضلة الإسلام في خلافته فهذا المقال هو تركيز على بعض النقاط المهمة التي تسترعي الانتباه.

1- عن البدريين والقرشيين

المسلمون الأوائل ممن عاصروا الرسول – عليه الصلاه والسلام- انقسموا إلى قسمين رئيسيين, الأول هو من أسلم في بداية الدعوة وقبل الهجرة، أو بالادق قبل فتح مكة، والقسم الثاني هم من أسلموا بعد فتح مكة واستتباب الحكم للإسلام، والبدء الفعلي في تكوين الدولة الإسلامية، ورغم أن القسمين يطلق عليهم في التراث «الصحابة» إلا أن هناك فارقًا واضحًا بين شخصياتهم وميولهم، وقد تطرق له القرآن في الآية العاشرة، سورة الحديد: «وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير» صدق الله العظيم.

2- عن الخلاف بين المثالية والواقعية

يفسر العديد من المستشرقين وبعض العرب، كالكاتب أحمد أمين، طبيعة الصراع بين السنة والشيعة بأنه صراع بين الواقعية والمثالية، يطرح الكتاب بداية نشأة الشيعة كحركة بدأت تجمع المضطهدين، ومن يعانون من القهر تحت حكم بعض الخلفاء، وبدأت تنادي بالرجوع إلى مثالية الدين وقيمه العليا في المساواة ورفض الظلم، ويتخذون المساواة التي كان يطبقها سيدنا علي مثالاً على ذلك، ولأن الشيعة بدأت كحركة غير مقتنعة بفكرة الخلافة «ولاية الحاكم البشري»، فقد نادت بفكرة الإمامة «ولاية الإمام المعصوم»، ولتحقيق المثالية أكثر، فالإمام في الشيعة شخص مختلف عن باقي البشر، وهو استكمال لمسيرة الأنبياء، بل ربما يعامله بعضهم كنصف إله. هذا غير أن هناك نقطة فارقة في التشيع نفسه، عندما تحول من مذهب تعتنقه طبقات مضطهدة في شبه الجزيرة العربية، إلى دين دولة فارسية أو مؤسسة دينية «كنيسة» فالكنيسة تطغى على العالم، وبالتالي فإن النزعة الدنيوية تطغى عليها بعد ما كانت مذهبًا؛ أي «دين بسيط خالٍ من السلطة الدنيوية».

يقول «واك» وهو عالم اجتماع أديان: إن الاحتجاج على الميل الرئيسي إلى أسلوب حياة وتصرفات فئة دينية معينة، يكون على شكلين: إما جمعيًا وإما فرديًا، في الإسلام فمن الممكن اعتبار التشيع هو الشكل الجماعي للاحتجاج والتصوف هو الشكل الفردي.

طبقًا للمقصود بالمثالية أو الواقعية هو وجود ميل سائد نحو هذا الاتجاه، وليس سعيًا مطلقًا نحوه.

3- عن الصراع داخل الإسلام ومعضلة علي

كلما زاد الرخاء المادي، قلت المثالية، ولهذا نجد المثالية في عزها عند الطبقات المحرومة والمضطهدة، وتقل عند الأرستقراطيين والأغنياء، ولهذا توجد معضلة اجتماعية في الاسلام والأديان عمومًا، وهي الجمع بين مثالية قيم الدين وواقعية الحياة ومتطلباتها، تجلى هذا أكثر مع الفتوحات الإسلامية وكثرة الغنائم والنقود التي انهالت على الدولة، وبدأ الخلاف مع أول تقسيم غير متساوٍ لها، ووصل إلى كونه سببًا رئيسيًا في مقتل ثالث الخلفاء الراشدين، عثمان بن عفان. والجدير بالذكر أن السعي إلى تطبيق المساواة في عهد علي بعدها أيضًا، أغضبت جماعة أخرى ولم ينته الخلاف.

يحكي ابن خلدون أن رجلاً سأل عليًا بن أبي طالب -رضي الله عنه-: «ما بال المسلمين اختلفوا عليك ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر، فقال: لأن أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي، وأنا اليوم وال على مثلك».

ويتطرق الحديث إلى أن الخلاف بين علي ومعاوية هو في الأصل خلاف بين الحالمية الأخلاقية ومثالية الدين من جهة، والعوامل الدنيوية الملوثة للمثالية الدينية من قبلية عربي واختلاف عن أعجمي، وأمير عن عامة الشعب من جهة أخرى، أو كما لخصها واحد من المتفرجين على الصراع العلوي الأموي وقتها، في جملة واحدة، قائلاً: (الصلاه خلف علىّ أتم، والأكل مع معاوية أدسم، والوقوف على التل أسلم».

أما بالنسبة لابن خلدون؛ فإن الخلاف بين معاوية وعلي مجرد منازلة وقتية بين اثنين من المسلمين الصالحين، وأن الذين قتلوا من الطرفين في الجنة.

4- عن طبيعة الإسلام

وهكذا يبدأ أي دين حركة اجتماعية ثورية؛ لتحقيق المثل العليا في المجتمع، ويكون أول المنضمين إليه هم المستضعفين والمضطهدين، ثم مع اكتمال انضمام الأغنياء والأرستقراطيين إليه، يبدأ في التحول بشكل تدريجي إلى الواقعية والتماشي مع المصالح الدنيوية، بدلاً من الانتفاضة عليها؛ لأن طبيعة الإنسان الواقعية تغلب في النهاية، ولا بد من تهذيبها بالدين والتحكم في شهواتها، بدلاً من القضاء عليها، وهذا التدريج نجده في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم- في مكة، حيث كانت الدعوة دينية خالصة، ثم مع الهجرة إلى المدينة بدأ الرسول بمباشرة واجباته السياسية والعسكرية أيضًا، التي استوجبتها الظروف الواقعية، من أجل استمرار الدين وانتشاره.

وهذا الجمع الإسلامي بين الدين والسياسة فضله البروفيسير براون صاحب كتاب «تاريخ الأدب الفارسي»، حيث رأى أن المثل العليا في الإسلام أدنى من مثلها في المسيحية، إلا أنها أكثر عاملية وقابلة للتحقيق فعلاً على أرض الواقع.

وهكذا يمكن القول إن نظام الإمبراطورية الإسلامية استطاع الوصول إلى الوسط الذهبي بين المثالية والواقعية في عصر الرسول، وسنوات قليلة تلتها انتهت بمقتل سيدنا عمر وبداية انهمار ثروات الفتوحات على الدولة، وما تلاها من فتنة وتقليب نفوس المسلمين نحو الدنيا أكثر من الآخرة، ولعل الخليفة عمر بن الخطاب استشعر ذلك بعد أن رأى غنائم فتوحات بلاد فارس المهولة؛ فبكى وقال: «ألا إن الله لا يعطي هذا لقوم دون أن يجعل فيهم العداوة».

ولهذا ربما يمكن إعادة النظر إلى فترة الخلافة الأموية والعباسية بعين مختلفة؛ لأنها على الرغم من كونها انتصارًا دنيويًا وتأسيس إمبراطورية هائلة؛ فكانت أيضًا هزيمة لنقاء الدين متمثلة في مظاهر البذخ والثراء الفاحش في قصور الخلفاء، من جوارٍ وثروات وخلافه، بالإضافة إلى قتال لا ينتهي على الحكم، فهذا ليس العصر الذهبي للإسلام, لكن العصر الذهبي هو عصر الرسول والسنوات القليلة التي تلته.

كانت هذه نبذة بسيطة عن كتاب «دراسة في سوسيولوجيا الإسلام» للدكتور علي الوردي، الذي بذل جهدًا كبيرًا في تجميع آراء كثيرة من عرب ومستشرقين عن أكثر القضايا الجدلية في الإسلام، بطرح مختلف عن سائر ما يعرفه ويسمعه كثير منا، وهذا ما يثمن من أهميته خصوصًا مع التركيز على الجانب الاجتماعي وعلم النفس في تفسير القضايا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك