حين أرسل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الجيش في غزوة مؤته أوصاهم قائلًا:

أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرًا، اغزوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدًا ولا امرأة ولا كبيرًا فانيًا ولا منعزلًا بصومعة ولا تقربوا نخلًا ولا تقطعوا شجرًا ولا تهدموا بناءً.

وكذا فعل خليفة رسول الله أبو بكر الصديق رضي الله عنه لجيش أسامة بن زيد رضي الله عنه بأن أوصاه قائلًا: يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فأحفظوها عنى: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثّلوا(بالجثث)، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمآكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإن أكلتم منها شيئًا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها.

تلك هي القيم الأخلاقية والإنسانية في الحرب فما بالك في حالة السلم، ولعل صحيفة المدينة تكشف عن أسس العيش المشترك في مجتمع متعدد الأعراق والأديان، وهي أول وثيقة تأسس لدولة مدنية في الإسلام تحت إدارة النبي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه وبمشاركة وموافقة جميع مستوطني المدينة من وثنيين ومسلمين ويهود، وقد حافظت هذه الصحيفة على السلم الاجتماعي داخل المدينة إلى حين قيام اليهود بخيانتها بالتحالف مع أعداء المدينة في مكة، مما استوجب إجلاءهم عن المدينة ليس لكونهم يهودا بل بسبب خيانتهم للعهد المؤسس للعيش المشترك داخل المدينة، الدولة التي أسستها الصحيفة حيث كانوا يتمتعون بكافة حقوق المواطنة، بحيث سمح لهم ولغيرهم بتطبيق شريعته الخاصة في شؤونه الحياتية الدنيوية والدينية، ولم تفرض الشريعة الإسلامية على غير المسلمين مطلقا داخل الدولة الإسلامية منذ عهد الرسول وإلى انهيار الخلافة الإسلامية مع أفول العصر الإمبراطوري.

إن القيم الأخلاقية التي تحفظ كرامة الإنسان وتضمن حريته وتحميه من كل أشكال الإهانة والسخرية والحط من الكرامة والتنكيل والتعذيب وتأسس للعيش المشترك على أسس احترام الاختلاف والتنوع بين البشر ومنع القتل على الهوية هي القيم الحقيقية التي جاء بها الإسلام الذي يمنع الترهيب والإرهاب. فالله خلق الناس مختلفين ليتعارفوا لا ليتقاتلوا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات 13. فلا فرق في الإسلام بين أبيض وأسود وامرأة ورجل إلا بالتقوى والتقوى فعلِ المأمورِ وترْكِ المحظورِ، وهي جملة من القيم الأخلاقية والإنسانية تحفظ الدم والعرض والمال. لأن الله لا ينظرُ إلى أجسادِكم، ولا إلى صُورِكم، ولكنْ ينظرُ إلى قُلوبِكم كما ورد في الحديث الشريف. ولذلك حرم الإسلام الإفساد في الأرض وحرم قتل النفس بدون حق: مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (المائدة 32) فمن يرتكبون الجرائم المروعة باسم الإسلام إنما هم مسرفون.

لا يتسع المقام للغوص أكثر في القيم الأخلاقية والإنسانية التي يبشر بها الإسلام ومن بينها منع التعذيب بل الصفع على الوجه منهي عنه بقول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا قاتل (قاتل هنا لا تعني القتال بالسلاح بل العراك والمشاجرة التي قد تحدث أحيانا بين الناس) أحدُكم أخاه (لم يستعمل لفظ عدو فهم لا يزالون أخوة رغم عراكهم)، فليجْتنب الوجه. أما التعذيب فليس فقط محرما، بل قد يؤدي بممارسه إلى عقاب أشد من الله يوم القيامة: إن الله يُعَذِّب الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ الناس في الدنيا. فالإسلام إذن لا يبيح أية تنكيل أو اعتداء على الأمنين المطمئنين من الناس في بيوتهم أو طرقهم أو كنائسهم أو معابدهم فكيف إذن يتحدث البعض عن إرهاب إسلامي؟

إن مفهوم الإرهاب عرّف في «اتفاقية جنيف» 1937 الخاصة بمنع وقمع الإرهاب بأنه «الأعمال الإجرامية الموجهة ضد دولة والتي يكون من شأنها إثارة الفزع والرعب لدى شخصيات معينة أو جماعات من الناس أو لدى الجمهور». ويُعرِّف «بريان جنكيز» الإرهاب بأنه «يمكن أن يستند إلى مجموعة من الأفعال المعينة، التي يُقصد بها أساسًا إحداث الرعب والخوف». كما يُعرِّف «إريك موريس» الإرهاب بأنه «استخدام أو التهديد باستخدام عنف غير عادي وغير مألوف لتحقيق غايات سياسية. وأفعالُ الإرهاب عادةً ما تكون رمزية لتحقيق أثر نفسي أكثر منه مادي». يبدو من التعريفات السابقة للإرهاب أنه في أصله ظاهرة سياسية تبرر بطرق وأشكال عدة منها الإيديولوجي أو الديني أو العرقي وغير ذلك مما قد يستعمل كمبرر لممارسة الإرهاب وليس الإسلام وحده معنيّا بهذا التبرير فقد مارست النازية الإرهاب باسم تفوق العرق ومارست العصابات الصهيونية الإرهاب باسم الإدارة الإلهية التي جعلت من اليهود شعب الله المختار ومارس الاتحاد السوفياتي والصين الإرهاب ضد المسلمين باسم حماية القوى العاملة والمجتمع الاشتراكي في حين كان في الواقع ذو دوافع عرقية في الصين ودينية (تحت تأثير الكنيسة الأرثوذكسية) في الاتحاد السوفياتي مغلفة بدوافع ثقافية وفكرية.

إن أسلمة الإرهاب اليوم ذات دوافع سياسية وعرقية وثقافية. فالهدف السياسي إنما هو استعمال الإرهاب تعلة لمزيد تفكيك الدول الإسلامية ومنع كل إمكان لبناء أي شكل من أشكال التحالف التي تهدد مصالح القوى الغربية في الهيمنة والسيطرة والتحكم في الثروة الطبيعية الموجودة بها، والتي تعتبر شريان الاقتصاد العالمي. فالإرهاب هو وسيلة ناجعة لإقناع الرأي العام الغربي بأهمية دعم الأنظمة الديكتاتورية التي تقهر شعوبها خوفًا من أن تأتي الديمقراطية بحكومات وطنية تهدد مصالح الغرب، ولعل الهيجان الكبير لفرنسا في الفترة الأخيرة هو أكبر دليل على ذلك، لأن فرنسا بدأت تستشعر إمكانية فقدان تحكمها في ثروات الدول الإفريقية التي كانت تحت استعمارها المباشر يوما وتركت فيها حكام تابعين لها حافظوا على تلك المصالح، ولكن التحولات الديمقراطية التي تشهدها المنطقة تهدد بنسف تلك المصالح عبر حكومات وطنية لا تستمد شرعيتها من الدعم العسكري والأمني والسياسي الفرنسي بل من ثقة شعوبها. ولذلك كان نشاط الحركات الإرهابية في مالي والنيجر هدية من السماء لفرنسا، وكذلك تعتبر الجنرال المتقاعد حفتر هدية وقفت معها فرنسا بكل ثقلها ليس من أجل محاربة الإرهاب الإسلامي، بل من أجل العودة لثروات فزان التي تقوم بنهبها العصابات الفرنسية الآن بدعم من حكومة بلادها. فأسلمة الإرهاب تساعد فرنسا على الحفاظ على مصالحها ودعم الطغاة والمستبدين في المنطقة عبر سياسة تخويف الشعب الفرنسي وإرهابه بالخطر الإسلامي.

إن الجهل يقدم هدية مجانية لأسلمة الإرهاب، فأغلب من يقومون بالعمليات الإرهابية هم مجرمون سابقون تمت عملية غسل أدمغتهم من مواقع وقنوات إذاعية وتلفزيونية مشبوهة المصدر والتمويل يقودها شيوخ الفرجة ممن تدعمهم وتشجعهم مخابرات بعض الدول الاستبدادية في المنطقة أو بعض الدوائر الغربية المتخصصة بالتلاعب بالعقول لتحقيق أهداف وغايات سياسية واقتصادية وثقافية لم يكن لها أن تتحقق في الوضع العادي. فباسم محاربة الإرهاب مثلا سلمت الدول الإسلامية إصلاح منظومتها التعليمية والتربوية والجامعية لمراكز غربية لا علاقة لها مطلقا بالهوية الثقافية للمجتمع الإسلامي مما زاد الطين بلة عبر تجفيف منابع القيم الأخلاقية والإنسانية الإسلامية، مما أدى لزيادة عدد من يمارسون الإرهاب بسبب الجهل بالدين ذاته وتلقيه من غير مصادره المعرفية والتربوية الحقيقية كالزيتونة في تونس (لم يشهد العالم قيام تونسي زيتوني بأية عملية إرهابية، بل العالم كله ينشد نشيد أبو القاسم الشابي إرادة الحياة وهو خريج التعليم الزيتوني) والأزهر في مصر.

إن الحل للظاهرة الإرهابية ليس حلا أمنيا بل سياسيّا ومعرفيّا واقتصاديّا. فالحل السياسي يتمثل في تشجيع قيام دول ديمقراطية في المنطقة تحارب الجهل والفساد المستشري في مؤسسات الدولة وتضمن للشعوب أن تعبر عن خياراتها بكل حرية بعيدا عن التنكيل والتعذيب الذي تمارسه الدولة الطاغية المستبدة بمباركة من القوى الغربية فهذا الدعم الغربي لا يزيد الأمر إلا سوءًا. واقتصاديّا على الدول الغربية أن تساهم في تحقيق تنمية حقيقية في المنطقة تساعد على توفير الحد المعقول من رغد العيش وتمنع الشباب من الهجرة الجماعية نحو الغرب بحثا عن لقمة العيش أو للانتحار هناك باسم الدين أو الحقد. فالتنمية الاقتصادية والكف عن نهب ثروات المنطقة بتفقير شعوبها هو الحل الذي يضمن مصالح الجميع أما الزيادة في النهب فلن تزيد الناس إلا يأسا واليأس هو المجال المناسب لنمو الإرهاب.

فبناء سوق إسلامية مشتركة وإعادة توزيع الثروة في المجال العربي والإسلامي سيعزز كل إمكان لبناء تنمية شاملة تهدم من الأسس كل إمكان لنشأة الإرهاب. وأخيرًا فإن المعرفة هي السلاح الفعال ضد الجهل الذي يعشش في فنائه الإرهاب وينمو. فالمعرفة الحقة بالإسلام وقيمه وإعادة تشكيل العقل المسلم خدمة للتنوير المطلوب لا يتحقق إلا برفع اليد عن العلماء الحقيقيين وإخراجهم من السجون ودعمهم لبناء رؤية تعليمية تربوية إسلامية موحدة تساهم فيها كل الدول الإسلامية ومنظمة التعاون الإسلامي وكل المفكرين والمثقفين العرب والمسلمين مهما كانت رؤاهم ومذاهبهم الفكرية للخروج بتصور واحد للشأن الديني لا يلغي الاختلاف، ولكن يؤسس للتعايش من خلال المشترك.

إن أسلمة الإرهاب خطر يهدد الجميع، ولا يزيد الأمر إلا تعقيدًا خاصة مع التوظيف السياسي والانتخابي لخطاب الكراهية ضد المسلمين والتشجيع على الهوس بالإسلام (الإسلاموفوبيا)، ولذلك وجب الفصل بين الإسلام كعقيدة وملة وبين الممارسات الإرهابية التي يقوم بها بعض من ينتسبون للإسلام. دون ذلك لن تزيد الظاهرة الإرهابية إلا استفحالا وما نخشاه أن يدخل العالم في مرحلة الإرهاب المعمم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد