الإسلام ليس اشتراكيا، وليس ديمقراطياً، وليس برجوازياً، رافق الأزمة الدستورية الحادة في العالم العربي والإسلامي تدهور عميق، أفقده الحياة المدنية الطبيعية بكل صورها.

وبين تخلف داخلي مشرعن يتجذر في كل عصر وهوة تتسع مع الخارج الآخر وتطوراته، بسبب الأزمة الدستورية الحادة، تكبر الحيرة وتتسع الأسئلة:

➢ أين نصر الله؟

➢ لماذا تقدم غيرنا؟ ولماذا نحن في تقهقر مستمر؟

لقد شهدت بلاد الغرب قفزة نوعية، وإصلاحات إدارية ومجتمعية طالت كل مناحي الحياة، ومع تعاقب الأيام وتزايد الزمن، يقف المسلم أمام محنة حقيقية تجاه نفسه ودنياه ومستقبله ودينه.

حاول كثيرون الخروج من شرنقة الألم، فوقف البعض من الدين منفراً وكارهاً، وعده سبب البلاء والتراجع، بينما وقف آخرون في طرف نقيض تماماً، وعزو أسباب الارتكاس إلى عدم الالتزام بالدين وإلى الكيدية الغربية، وتوسط آخرون فحاولوا تجميل الإسلام بما يرد إلينا من منجزات غيرنا.

أخطأ هؤلاء في توجهاتهم التبسيطية؛ فالدين لم يكن في يوم من الأيام حاكماً، بل كان محكوماً، ولم نسجل تاريخياً أن إسلاميين استلموا الحكم، بل على العكس أجهضت أية محاولة سياسية إسلامية لاستلام الحكم. ودفع الإسلاميون أعلى نسب المجتمع في القتل والتنكيل والتشريد والنفي؛ حيث شردوا ونكل بهم. لقد كان الدين وما زال ضحية من ضحايا الحكم تماماً مثل الإنسان العربي والمسلم.

كما أن الدين ليس رجعياً في مضامينه، ولا في تعاليمه، والغرب ليس سبب الشقاء الذي نحن فيه وإن كان يستثمر ضعفنا وخورنا. جرد الدين من أي معنى تحرري، واكتفي بطقوس بلا شعائر تعبدية، وتحول الدين من معارض للوثن السياسي إلى ممجد للسلطان، ومن صالح مصلح فاعل، إلى صالح غير مصلح عاطل.

ولا ينكر شيوع تفسيرات مخلة أو نتوءات ثقافية إسلامية غير حميدة، ولكنها كانت بأمر من الحكام أو هرب من الإسلاميين، الذين إما لاذوا بالصمت؛ منعاً للفتنة، فكانت أحكامهم دون المستوى، أو بالمواجهة مع الحكومة، وكانت مغامراتهم غير مشروعة.

 

 

2

لم تسجل أية دراسة نقدية ذاتية للمجتمعات العربية والإسلامية، ولم يعترف أن غياب عقلية التخطيط والتخصص والضعف الذاتي والاستلاب الحضاري ووجود الفراغ وغياب القلق بسبب التفسيرات المبسطة لعلم الاجتماع، والدين أيضاً، وفقدان الفاعلية والاغتراب (الماضوي الزماني أو المكاني علماني وسلفي) عوامل نشأت بسبب غياب الحكم الصالح المصلح.

ولم يتم الاعتراف أن القضية المحورية، التي تحقق القوة لأي تجمع هي القوة الاقتصادية، والاجتماعية والإدارية، والتقنية في إطار سياسي جاد يقوم على توافق شعبي ، لكن الواقع كان غير ذلك فلم يسلم أحد من سيطرة المستبد على المجتمع.

حتى الدين وقع في ورطة حقيقية؛ ليس بسبب كيد الأعداء فقط، وإنما بجهل وافر من الأبناء، كما برزت صورة المسألة الثقافية الإسلامية في ضعف شديد؛ نتيجة سيطرة الصوت الديني الرسمي على التفسير الحر للدين.

وحال  تعقيد العلوم الإسلامية دون الاستفادة منها استفادة كاملة، وأخرج علماء لا يستوعبون الأهداف العالية للإسلام ورسالته في الأرض، بل يحصرونه في القضايا الجزئية التي لم يحسنوا غيرها، ولذلك اضطر هؤلاء العلماء إلى الحلول السطحية للمشكلات التي تواجهها شعوبهم، وذلك أنهم أرادوا أن يحكموا بواسطة الجزء الذي تعلموه على الكل الذي يواجهونه، ولذلك كان الإفتاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يصدر عن علماء المسلمين بوجه عام ضيقاً سطحياً.

وأصبح الفكر الإسلامي – إلا في الحالات الشاذة – فكراً تابعاً ذليلاً للفكر السياسي والاجتماعي، والاقتصادي السائد، وكان من الواجب أن يكون الاجتهاد الإسلامي اجتهاداً رائداً موجِّهاً لسياسة الأمة واقتصادها ونظم الاجتماع فيها.

3

برزت محاولات توليفية تحاول صهر الإسلام في مسميات ورؤى غربية فأطلق المراقب العام الأول للإخوان المسلمين في سوريا مصطفى السباعي مصطلح الاشتراكية على الإسلام، كان ذلك عام 1959م، وعلى الرغم من صدق توجهات الرجل، إلا أن الشيخ الحكيم محمد الغزالي ذكر في كتاب (الإسلام والمناهج الاشتراكية) ندم السباعي على إطلاق هذا المصطلح على الإسلام.

لقد كان سيد قطب وباقر الصدر أكثر وعياً بضرورة تقديم مواد ورؤى خاصة تدلل على الإسلام وعمق نظرته للاقتصاد والعدالة الاجتماعية، وغير ذلك، دون مزج أو انحناء أمام أي وافد.

وفي مقاربة ذكية  يشير د. طه عبد الرحمن، إلى أن ما يفعله أغلب مفكرينا وحكامنا اليوم هو أنهم يحصرون القيم النافعة التي بين يدي الغرب، ثم يأخذون في بيان كيف أن الاسلام يتضمن أيضا هذه القيم، كما يفعلون بصدد الحريات العامة والديمقراطية والعقلانية وحقوق الانسان وحقوق المرأة والطفل والمجتمع المدني، وقس على ذلك نظائره.

فحتى لو صح أن هذه القيم موجودة في الدين الاسلامي على مقتضاها العصري فإن ذلك لن يزيد الغرب، إلا إصرارا على التمسك بقيمه، واعتبار الاسلام مجرد نافلة من النوافل؛ لأن حقيقة ما يفعله حكامنا ومفكرونا، ليس بيان احتياج الغرب إلى الإسلام، بل بيان أن هذا الدين لا يحمل من القيم أكثر مما تحمله ثقافة الغرب، ثم لما كان المسلمون في واقعهم يمارسون هذه القيم على وجه دون الوجه الذي يمارسها به الغرب بدرجات كثيرة فإنهم يرسخون لديه الاعتقاد بأنه لا منفعة من وراء هذا الدين .

وإدا كان الحكام والمفكرون  قد أساءوا تقديم الإسلام من حيث يظنون أنهم يحسنون هذا التقديم، حتى صار عند مخاطبهم أشبه بالنافلة، التي لا تنفع منه بالفرض الذي ينفع فإن الفئة المعارضة لهؤلاء الحكام والمفكرين، وهم زمرة ممن دعوا بالأصوليين، قد أساءوا تقديم الإسلام من حيث يظنون أن هذه الإساءة مطلوبة؛ لأن المخاطب عندهم عدو، والعدو لا هوادة معه، حتى صار الإسلام في عين هذا المخاطب نقمة عالمية يجب استئصالها، لا نعمة إلهية يجب الانتفاع بها، وما أغنى العصر عن دين هو حسب ظنهم في أحسن الأحوال نافلة لا تنفع وفي أسوأ الأحوال نقمة لا ترحم.

هذه الصورة التي كونها المسلمون، عن حسن نية أو سوء نية للمخاطب، عن دينهم في أواخر القرن الماضي، وهي التي يستعد الغرب أن يستثمرها في عهد العولمة بما يزيد من قوة برهانه وسلطانه.

وإذا كانت وسائل هؤلاء وأولئك لا ترقى إلى  المطلوب في تقديم الإسلام، إن لم تخل بهذا المطلوب على أشنع وجه، فهل من وسائل تدفع عن الإسلام هذه الشبهات وتنتزع اعتباره من الغرب وتفرض مكانته فيما سيؤول إليه العالم عن قريب؟

ليس عندي من الوسائل المقررة ما ليس عند غيري، وإنما أريد أن أستفيد من أخطاء هاتين الفئتين: فئة الحكام والمفكرين، وفئة الأصوليين، في تحديد هذه الوسائل الناجعة في تقديم الإسلام، فإذا كان خطأ الفئة الأولى أنها قدمت للمخاطب من الإسلام ما عند هذا المخاطب من القيم، فينبغي إذن أن نقدم له من القيم ما ليس عنده أو ما يمكن ألا يكون عنده، حتى يشعر بالحاجة إليه، وإذا كان خطأ الفئة الثانية أنها قدمت للمخاطب جانب البأس من الإسلام فينغي إذن أن نقدم له من وجوه الدفع بالتي هي أحسن، الموجودة في الإسلام، ما ليس عنده، أو لا يمكن أن يكون عنده، حتى يجد الاطمئنان إليه.

ولا سبيل إلى  إشعاره بالحاجة إلى قيم الإسلام إلا  متى  كانت معاملتنا له تفضل معاملته المدفعية لنا درجات، وليست هذه المنفعة إلا المعاملة الأخلاقية الخالصة، وبهذا يتبين أن وسيلتنا الناجعة في تقديم الإسلام للغير، لا يمكن أن تكون إلا بيان قيمه الأخلاقية، وقيمه الرومية، بما يجعل هذا الغير لا يجد له نظائر تضاهيها عنده، بحيث لا يسعه في سياق طغيان ماديته، إلا الأخذ بها حتى يخفف من غلوائها، فيصير محتاجاً إلى قوتنا الخلقية والروحية، كما نحن محتاجون إلى قوته العلمية والمادية).

لا ديمقراطية في الإسلام؛ ولن نخدم الإسلام إذا رفعنا رايات غيرنا باسمه. كما نعيب على السلفيين أنهم يغتربون عن الواقع ويعيشون الماضي؛  نعيب على التجديدين أن يبرقعوا الإسلام براية الديمقراطية أو الاشتراكية؛ف يغتربون ليعيشوا في غير هويتهم وثقافتهم .

كما كان هناك ليبرالية ثم صارت نيوليبرالية؛ سيأتي من يقول لنا نيو ديمقراطية، ومن أجل رمش عيون هؤلاء سنخترع نسخة جديدة إرضائية نسميها ( نيو إسلام = نيو ديمقراطية) . والإسلام كما يقول د.  أحمد معاذ الخطيب: أكبر من أية راية رفعت باسمه.

لن نخدم الإسلام إن قاربناه بما لَيس منه؛ الإسلام هو قيم محركة ثابتة مرنة؛ وبعيداً عن التعقيد، كل ما ينفع يؤكده الإسلام، ولكن من دون أن يكون جزء منه. لا يمكن توصيف الإسلام بالإسلام الديمقراطي ولا الاشتراكي ولا الرجعي ولا التقدمي، ولا بدين الحب والسلام والرمان، كل ما يمكننا أن نقوله:

إننا نحتاج إلى الإسلام في كل زمان ومكان مع المحافظة على مقاصده العليا، وبث لقيمه الروحية الفردية والجماعية بما يحقق مقصد النبوة وهو الرحمة.

لا تقحموا الاسلام

في غير مجالاته؛ لا تضعوا الاسلام بدروشتكم في محنة؛ الإسلام ليس حلاً سحرياً، الإسلام دين يحتاج إلى بيئة ناضجة نظيفة كي ينمو، ورحم الله محمد الغزالي الذي قال: لن يزدهر دين في مجتمع مقهور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد