قبل أن أبدأ هذا المقال الباحث عن إجابة هذا السؤال المحير أريد أن أنبه القارئ أن كاتب المقال لا يعتقد بتساوي المنازل الروحية بين الصحابة والتابعين، و إن كان يعتقد أن النقد التاريخي لا يعرف أبدا مجالا للتحدث بالعواطف عن شخصيات تاريخية غير معصومة.

عمر بن الخطاب الفاروق هو مثال العدالة في الإسلام الراشدي و عمر بن عبدالعزبز هو مثال العدالة في الإسلام الأموي و مع أن المقارنة بين الرجلين باختلاف عصرهم صعبة فالأول عاش في فترة الاستضعاف و بداية التمكين للدين الإسلامي و مات و هو يحكم مساحة تفوق 10 ملايين كم ( عاش فقيرا ومات فقيرا ) و الثاني عاش في فترة تحول السلطة من مغرم إلى مغنم و تحول السلطة من حكم الأمة إلى حكم الأسرة ومات وهو يحكم 35 مليون كم حكما مطلقاً ( عاش غنيا و مات و هو فقير مهموم ) .

 

ولنقارن بين هذين العظيمين يجب أن نكون موضوعيين فنقول إن سيرتهما هي مصدر الهام لكل مسلم حتى أنه تم ضم عمر بن عبد العزيز للخلفاء الراشدين و هي منزلة تشريفية كبرى في العقل الاسلامي السني لا تمنح بسهولة فقد حرم منها الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير وهم من أهل رجال عصر ما بعد الثلاثين سنة الهجرية.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يستمد مشروعيته من الأمة مباشرة و قد حكم حكماً أبويا و الحكم الأبوي يعتقد فيه الحاكم أنه والد للمسلمين فكان الفاروق يمضي في السوق فيأمر و ينهى و يضرب و يقسم و لعل هذا سبب قتله! عمر بن عبد العزيز : كان يستمد مشروعيته من انتمائه للسلالة الأموية المروانية الحاكمة و حكمه كان حكماً ملكيا وراثيا فكان يمضي في السوق ويصلي و يأمر و ينهى و هو تحت الحراسة.

حكم الفاروق عمر رضي الله عنه حكم رجل واحد متعدد المواهب فهو عسكري شجاع و قائد عظيم و قاضي عادل و خطيب مفوه وفيلسوف حكيم . كذلك حكم عمر بن عبد العزيز فكان حكمه كرجل عاقل و سياسي محنك و إمام تقي استطاع كسب تعاطف جمهور المسلمين بسبب قرارته السياسية و الإقتصادية لكنه عسكريا غير موهوب و قراره بانسحاب جيش مسلمة بن عبد الملك من القسطنطينية أخر فتحها لسبع قرون هجرية وكان الحصار على القسطنطينية محكما حتى أنها كادت تسقط .

حكم عمر بن الخطاب كان الصوت المعارض معلنا و كان الفاروق اذا سدد في أحد الأمور و علم أن رأيه ليس صوابا رجع للحق فكان رضي الله عنه رجاعا للحق و قصة المرأة التي اصابت في الطلاق مشهورة معروفة. و كان حكم عمر بن عبدالعزيز حكما متصالحا مع المعارضين يميل للحوار فأحسن الى الشيعة و الخوارج و المعتزلة و أقام معهم المناظرات المشهورة مثل مناظرته مع غيلان بن مسلم الدمشقي القدري و مناظرته مع عاصم الحروري الخارجي و يتميز حكم عمر بن عبد العزيز بعدم استعمال القمع حتى عده بعض مفسري الرافضة مؤمن آل فرعون .

 

حكم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتميز بإعداد الجيوش و استكمال الفتوح لا يكون شهر أو أكثر حتى تفتح مدينة أو تسقط قلعة و مات الفاروق عمر و المسلمون في أنحاء ايران يقاتلون جيش يزدجرد، وكان حكم عمر بن عبد العزيز فترة سلام عدا مغامرات السمح بن مالك في جنوب فرنسا و كانت الدولة توسعت جدا فاهتم بنشر الإسلام بين سكان البلاد المفتوحة و هو صاحب دولة الهداية لا دولة الجباية عمر بن الخطاب كان يقيم نظام جديدا للدولة فلم تكن هناك دولة من قبله ( مع احترامنا لفترة سيدنا أبي بكر الصديق ) نظاما سمي بامارة المؤمنين لم يكن فيه للمسلمين حاكم غير معصوم و يحاسب الولاة و يعاقبون ضد النظر لسابقة اسلام كسيدنا سعد بن أبي وقاص.

و كان عمر بن عبد العزيز يصلح نظاما قائما امبراطويا الحاكم فيه يتحكم في رقاب العباد دون رقيب سوى الله أما الشعب فليس له حق كما قال ابن مروان ( إن هذا الأمر لنا من دون الناس فمن نازعنا حكمناه الى الله بسيوفنا ) كان الناس ينتظرون الفرج و المهدي الذي يملئها عدلاً كما ملئت جورا حتى اتاه أشج بني أمية بشعار ( اصلاح النظام ) فأصلح حتى توفاه الله و لكن بعد وفاته عاد الفساد و لا حول و لا قوة الا بالله.

عمر بن الخطاب لم يفكر للحظة إلا بمصلحة الأمة لله دره كان يفكر في الأحفاد بعد أن أقام العدل في أهل عصره أليس هو الذي منع تقسيم أراضي العراق لكي لا يضيع حق الأحفاد و الأبناء و جعلها ملكية عامة لكل مسلم و هو من أوائل من رسخوا مفهوم العدالة في توزيع الثروة فكان يجعل عماله يقسمون نصف أموالهم المدخرة سنويا و يدخلونها في بيت المال و هو الذي حرم أبناءه من الخلافة بعد وفاته فجعل الشورى في غير ولده و كان عمر بن عبد العزيز لا يشغل نفسه الا بإصلاح أحوال أهل زمانه فقد أسقط الجزية عن الذين أسلموا من أهل البلاد المفتوحة و كان عمه عبد الملك أقامها عليهم من باب ( سد الذريعة ) و هو الذي أشبع البشر في عهده والوحوش والذي وضع الطعام في قمم الجبال حتى تأكله الحيوانات والطيور فكان مشغولا بأحوال أهل زمانه فقط.

عمر بن الخطاب كان شديد المحبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو الذي تزوج من ابنته أم كلثوم طمعا في نسب يربطه بالمعصوم عليه الصلاة و السلام فكل نسب و سبب يقطع إلا نسبه و إلا سببه و لكن شيعة أمير المؤمنين علي أو على التحديد من يدعون أنهم شيعته هم شديد البغض لسيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه و لعله و على الأرجح كما قال د. محمد عابد الجابري لم يدفنوا أباهم أردشير فحقدهم على الفاروق دافعه قومي عرقي لا علاقة له بدين و تاريخ.

 

و كان عمر بن عبد العزيز ( أشج بني أمية ) محبا ً لإمام علي بن ابي طالب متعصبا لذريته الأطهار و هو الذي جلد رجلا سمعه يقول أمير المؤمنين يزيد بن معاوية كراهة في نفسه للإقرار بصحة ولاية يزيد بن معاوية ابن عمه من الفرع الأموي و هو الذي اصدر قرار بتجريم سب سيدنا علي بن أبي طالب حتى احتج عليه أهل مدينة قم الإيرانية و قالوا لو شئت لدفعنا لك الجزية مقابل أن تسمح لنا أن نسب عليا و ذريته !!! ، و كان ( أشج بني أمية ) محبا للإمام علي بن الحسين زين العابدين فهو من أمر برد أرض فدك المتنازع عليها الى ذرية سيدنا علي بن أبي طالب مع أنها وصلت له من تركة والده عبد العزيز بن مروان و لهذا أحب الشيعة عمر بن عبد العزيز فاطنبوا في ذكر معجزاته الأسطورية كمثل رعي الذئب مع الغنم و تحدث الجن بمدحه و امتناع السباع عن أكل اللحوم و كلام الثعابين.

و أخيرا سأجاوب على السؤال أيهم أكثر عدالة في حكمه الفاروق أم أشج بني أمية ؟

و الجواب إن الأشد عدالة من تولى الحكم بطريقة عادلة و كان يراقب تنفيذ قرارته بنفسه فكان يطوف ليلا لينظر ما يصنع الناس و الأشد عدالة كذلك من عمل لمصلحة المسلمين في زمانه و من بعد زمانه و الأشد عدالة من ظلم نفسه من متع الدنيا و تقشف و لبس المرقع من الثياب ليلبس العاري من المسلمين و يطعم الجائع و يغيث الملهوف و الأشد عدالة من قتله التآمر و الحقد فلم يسمح له أن يموت موتا طبيعيا بل مات راكعا لربه بخنجر مسموم مصوب لظهره من قرد مجوسي خبيث أعامه حقده فأفقد العالم أعدل حاكم على مر العصور، اللهم ارض عن سيدنا عمر بن الخطاب وعن بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد