مشهد مهيب من مصفحات الأمن أمام المساجد الكبرى بالمدن وسيارات الشرطة تترقب أمام كل مسجد لا عن بلاغ بتكدير الأمن العام أو تهديد ما؛ وإنما ترقبًا للطقس الأسبوعي الموعود (صلاة الجمعة)!

يخرج المصريون كأنهم يساقون إلى الموت في رحلة شعارها الملل والنفاق والاستماع لأسوأ فروض إجازتهم من فم خطيب يردد ما يمليه عليه طغاة البلاد في مستهل كل صلاة دونما تغيير، وإذا لم أستطع دفع التهمة السابقة عن صلاة الجمعة بالعصور السابقة وفي ظل أغلب أنظمة الحكم التي حولت الجوامع لخدمة أغراضها، وأصبحت الصلاة طقسًا كهنوتيًا لوعظ أشبه بالقداس المحفوظ الذي لا ينتمى أصلا لأهداف يوم الجمعة الذي شرعه الله من أجل حكمة بالغة أجهضها المنتمون للفقه السلطوي منذ عصور مضت، فكما ذكر المفكر الصادق النيهوم (أن اللقاء الأسبوعي في يوم الجمعة، لقاء سياسي مخصص للمساءلة والحوار، بحضور المسئولين والإداريين، وأن تغييب هذا الحوار وراء مواعظ الفقهاء في خطب الجمعة مجرد دليل على أن الفقه هو البديل السياسي عن الدين).

فكل التشويه الماضي ليوم الجمعة ولدور الجامع وصل بنا الآن لعصر الخطبة الموحدة! من مسخرة وضعنا الحالي بمصر أن يلقن كل أئمة الأوقاف لمساجد مصر بموضوع الخطبة نفسه وكأننا بمعسكر فاشي توجه إلى جموعنا أوامر السيادة، حتى في أقدس الأماكن وأهم العبادات، وليخطب الإمام باسم رئيس الدولة لا باسم الله! وليكون موضوع الخطبة يشمل التوجهات التي تخص أغراض النظام لا التي تجول في خواطر الناس ومصالح الشعب وأحوال المسلمين الخاصة بكل بلد ومدينة من ربوع مصر، وبين خطبة تختص بقيمة قناة السويس وأخرى تدعم تهجير الناس من بيوتهم بشمال سيناء، وأخرى تتكلم عن الإرهاب ليل نهار، وصولاً لبداية الدراسة وكل أمر يتحدث عن وعظ فقهي عام من قشور نمط التدين السلوكي الذي يجيده أئمة السيادة، وببغاوات الأزهر منذ عشرات الأعوام، أما شأن الأمة وحقيقة مشكلات المجتمع وقول الحق والصدع بالحق وتوعية الناس فبين خطبة الجمعة وبين ذلك سور الصين غير القابل للانكسار.

لكن ثمة معضلة كبرى في ضياع دور (الجامع) في حياة المسلمين وضياع قيمة صلاة الجمعة وإهدار خطبتها في تلك النشرة المملة والمُلقنة؛ إنها معضلة تخص ما نعانيه اليوم من جهل ديني أو تشدد مقيت أو استبداد يقض على الشعب مضاجعة في كل مجال؛ ولن يحل ذلك سوى عودة الجامع للقيام بدوره وتحرير الدين من قبضة نظام الدولة المستبد ومن قبضة أي تيار سياسي آخر يستغله لمصالح وصوله للحكم؛ والعمل لفصل الأوقاف عن موارد الدولة وضمها للأزهر، واستقلال كليهما عن حكومة الدولة لنضمن أن يصبح الدين لله فحسب؛ وليضمن الإمام والعالم قوت يومه ريثما ينطق بالحق وينادي بأصول الإسلام وتطبيق الحرية والعدل، ولا يكبل ركن الدين في دعوته أي شيء.

وبدون شك لقد أدى ضياع دور الجامع واستغلال الأوقاف والأزهر من الدولة ونظام حكمها لنتائج كارثية منها:
ـــ نشر الجهل الديني بدلاً من توعية الناس بأصول الإسلام وأهدافه الجوهرية التي تتمحور حول أركان العدل والحرية والتوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشورى والمساواة وتوفير حد الكفاية للشعب ومنع مفاسد الأخلاق من غش وتزوير ورشوة وكذب واتباع للظالمين، وأن الأخلاق الإسلامية ليست فقط في ظواهر السلوك بل في جوهر حياة الناس ومعاشهم قبل آخرتهم.

ــــ كذلك تسبب ضياع دور الجامع وتوجيه الدولة للدين الرسمي بسلطة كهنوتية من موظفين الفقهاء إلى نمو ظواهر التطرف والتشدد كرد فعل مضاد لتسطيح الدين الرسمي من ناحية، وللظلم والبطش وأوامر السلطة الأبوية المغلفة بأوامر دينية من جهة.
ثانيًا، وإذ إنه لا يحق للدولة توجيه منابر الله حسب مصالح حكامها فإنه لا يصح لأي تيار سياسي فعل ذلك ولكن دور نشر الوعي ومناقشة أمور المسلمين العامة ومصالحهم وأسس العدالة خاصتهم هي صلب الدين، وأول دور للجامع قد تم منعه فأصيبت الأجيال الجديدة بأنواع من الانحلال والتغريب حينًا، والتطرف والعنف والجهل بسماحة الإسلام حينًا آخر، وبيد هؤلاء المنادين اليوم برفض الإرهاب يقذف أبناء المسلمين في حضن التشدد ويحرف الإسلام عن مواضعه!

ـــ من كل ما سبق كانت النتيجة الأبرز هي إسقاط الحرية والعدل وموت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حسابات الدعوة للإسلام، مما أفقد الدين أصوله وجوهر حقيقته؛ وحرف ثوابته في أهم معاقله التي تعتبر منابر الإعلام الديني بين جموع أمته، ألا وهي المنابر والجوامع وخطب الجمعة ولسان أئمة المساجد، تلك المساجد التي تسيطر عليها نظم الدولة لتلقن الناس دينًا آخر غير الإسلام؛ وتبدلت منابر الأئمة المؤتمنين على الدعوة لمنابر نفاق دورها الأساسي تمجيد النظام وإخفاء صحيح الإسلام وتوجيه الناس للخضوع التام وتضليل أتباعهم ليس أكثر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد