نعيش أنا والقارئ الكريم – غالبًا – في الدول النامية، حيث لا نملك رفاهية الاهتمام بمشاكل الآخرين؛ لأن في جعبتنا ما يكفي من الصناديق السوداء. هذا بطبيعة الحال أثر تأثيرًا كبيرًا على طبيعة خطابنا الديني الذي يفترض أن يتوجه نحو حل مشاكل المجتمع القائمة، باعتبار ذلك جزءًا من مهمته كحاضنة تربوية وروحية للمجتمع؛ مما جعل المنظومة الدينية بالمجمل تتوجه نحو المشاكل «الحالية» بدلًا عن التركيز نحو المستقبل على عكس ما كان عليه الخطاب الشرعي مثلًا في العصور الذهبية للحضارة الإسلامية، والذي اشتهر بأهل الرأي وفكرة «أرأيت».

أضف إلى هذا الطبيعة السلطوية لمعظم دولنا، والتي لا تسمح للخطاب الديني بالتواجد بإطاره الكلي، إلا في سياق الدولة باعتباره أداة من أدوات التجنيد السياسي للنظام، أو خارج إطار بيروقراطية الدولة في المستوى الاجتماعي البسيط أو حتى الفردي؛ مما نقل الخطاب الديني مرة أخرى من المستوى الكلي إلى المستوى الجزئي.

هكذا تم حصر الخطاب الديني في سياق حالي وجزئي، واستبعد الكلي والمستقبلي من الوجود تقريبًا، وأصبح الكلام فيه ضربًا من التنظير البارد فكيف يتحدث الدين عن المستقبل والحاضر فيه ما فيه من المشاكل؟

العالم الآن يعيش في زمن مواجهة المشاكل المترتبة على الرفاه، كل تلك القرون التي قضاها في البناء والإنتاج بدأت بإظهار مشاكلها شيئًا فشيئًا، ومع أن العالم حاول أن يتنكب الفكرة البيئية أساسًا، إلا بما يساعد اقتصادياته الضخمة، إلا أن الآثار بدأت تظهر على شاشات أخبارنا، ثم أبواب بيوتنا، وساعدتنا النماذج العلمية في دراسة الأثر التراكمي لهذه التصرفات الجنونية تجاه الطبيعة والتنبؤ بما سيحصل خلال العقود القادمة إذا حافظنا على هذا الجنون.

نحن نقف – حرفيًا – على حافة الهاوية فيما يتعلق بالمسألة البيئية، المجتمع العلمي أدرك ذلك قبل ما يتجاوز ثلاثة عقود من الزمان، والنخب الغربية بدأت تنطوي داخل هذا الوعي يومًا بعد يوم حتى وصل الأمر إلى القادة الذين يلعبون على حبال الشعبية على جميع الأصعدة.

لكن الخطاب الشرعي أو الإسلامي البيئي كان تقريبًا شبه غائب عن الساحة، وإذا حضر كان يحضر على هامش التعليقات الفقهية على حق الحيوان أو في معرض المساجلات الفكرية بين الأدبيات الإسلامية والحضارة الغربية في معرض منع المزاودة في مجال الاعتناء بالطبيعة.

لكن هذا لم يعد كافيًا إطلاقًا، فالقضية البيئية هي القضية الأكثر أهمية على المستوى الكلي والمستقبلي أو الاستشرافي، والنصوص الإسلامية والفلسفة الإسلامية تستبطن عشرات، بل مئات الأفكار المركزية فيما يتعلق بعلاقة الإنسان بالطبيعة، بل بالكون والوجود، ونحن في حاجة إلى استثمار فرصة الوعي نحو البيئة التي سنحت بسبب كوفيد-19 للإنتاج الشرعي في اتجاه البيئة.

أنا أدرك عزيزي القارئ أن الاهتمام بالبيئة ربما يبدو ضربًا من الفانتازيا، وستقول لي إن الحديث عن «اليوتوبيا»، بينما نقبع نحن في هذه «الديستوبيا» نعاني من أسخف المشاكل على مستوى يومي هو عين التخلف. ستقول إننا بحاجة إلى إنتاج شرعي سياسي؛ لأننا نريد أن نرى دولنا تنعم بالحرية السياسية. أو اقتصادي؛ لأننا نريد أن ننعم بالرفاه والاستقرار. أما البيئة فهي آخر ما ننظر إليه، وآخر ما يجب أن يهتم به الدين، فالدين نزل على الإنسان، وعندما ننتهي من مشاكل الإنسان، سننتقل لمشاكل البيئة تبعًا.

هنا اسمح لي أن أقول لك إنني عندما أتكلم عن البيئة فأنا لا أقصد القضايا البيئية الجزئية التي يتم إقرارها في مؤتمرات الأمم المتحدة وغيرها. أنا أتحدث عن إعادة تشكيل لعلاقة الإنسان مع الكون بحيث يكون الكون طرفًا فاعلًا، عن فهم فكرة الاستخلاف بصفتها مسؤولية لا ميزة فقط، وعن إعمار الأرض باعتباره تفويضًا للتنمية المستدامة، وليس باعتباره صكًا للملكية المطلقة.

أمامنا فرصة ذهبية لنقدم خطابًا للبشرية يدعوها نحو التعامل مع الكون كله باعتباره أثرًا من آثار رحمة الخالق، لنكون روادًا لخطاب بيئي رباني يجعل الطبيعة طرفًا فاعلًا لا عدواَ نسعى لترويضه ولا منجمًا نحاول إفراغه، ولدينا العدة النصية والفكرية والفلسفية لنعظ العالم بيئيًا ونجعل من أدبياتنا أدبيات عالمية في هذا السياق.

لدينا خيار استثمار اللحظة التاريخية والقيام بواجبنا تجاه البشرية، لنجعل الفكرة البيئية جزءًا من هويتنا الجمعية والدينية، وكل ما نتكلم عنه يوميًا: السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، سينتظم بسهولة – في ظني – تبعًا للفكرة الأساسية: علاقة الإنسان بكون هو بحاجة إليه، وليس الأخير ذا حاجة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد