(1)

أيها الغر قد خُصصتَ بعقلٍ فاسألهُ، فكلُّ عقلٍ نبي – أبو العلاء المعري

(2)

منذ ثلاث سنوات تقريبًا، قلت لشخص كنت أناقشه كلمات كنت قرأتها وسمعتها الكثير من المرات على ألسنة شيوخ وفقهاء ورجال دين، أخبرته حين حاول التشكيك في بعض أحاديث البخاري: (صحيح البخاري ومسلم أصح الكتب بعد القرآن)، فتشكيكك فيهما يعني تشكيك في الدين. نعم أنا قلت هذا في الفترة التي كنت أحب قراءة الكتب التراثية الدينية والكثير من الكتب العادية حول دراستي الشرعية في الأزهر، كان الأمر – عندما أنظر له الآن – مجرد تمسك بالموروث من الأمور والأفكار التي نشأنا عليها وزُرِعت فينا، كان بإمكاني وقتها الدخول في جدال طويل من أجل الدفاع عن هؤلاء الأشخاص المبجلين، علماء الأمة العظماء. كنت أدخل في نقاش مع أي أحد يقول بعكس ما أؤمن له ونشأت عليه وعرفته من رجال الدين.

عندما ألقي نظرة على الشخص الذي كنته منذ ثلاث سنوات أخجل كثيرًا، لكنني أسعد بنفسي كذلك، هذا الشخص المتعصب فكريًا لعادات وأفكار ودين وتاريح لمجرد أنه ورثها، كنت شخص يؤمن بأن هناك علماء بيدهم أمرنا ويمكنهم التفكير مكاننا وأن كل ما وضعوه صحيح وأنهم جميعهم رضي الله عنهم، كنت كما أغلب المتعصبين فكريًا -وما أكثرهم- شخص دوغمائي أؤمن بما وجدت آبائي عليه، المنطق الاستسلامي بالقبول المطلق.

منذ سنتين أو أقل قليلًا بدأت أشعر أن هناك بعض الأمور خطأ، عندنا اصطدمت في طريقي بأحاديث وفقهاء يحرمون الرسم والنحت والأغاني والكثير من الأشياء الدنيوية التي تبعث على الجمال، عندما بحثت في هذه المواضيع بشكل أوسع استخلصت نتيجة وهي قول النبي أننا أعلم بأمر دنيانا، فكان تحريمه لعصره هو، لكن استنتاجاتي جاءت قبل أن أقرأ في أي كتاب فكري مثل هذا الكتاب أو أن أتعمق في الفلسفة، كانت استنتاجات مبكرة بدأت أزيل بها الغبار عن عقلي، لكني أيضًا كنت وقتها متمسك بالكثير من الأشياء. هي فقط مرة انفعلت فيها فقلت عن حديث ابن عباس عن لهو الحديث: (أنا مالي بابن عباس ما يقول اللي يقوله هو حر، أنا ليا اللي عقلي استنتجه وقلبي حاسه)!

عندما اصطدمت في طريقي بالفلسفة استطاعت أن تنقي العقل مما علق به من أفكار، مسحت كل شيء وجعلتني أبدأ من البداية محاولًا الحصول على إجابات في مختلف الجوانب: العلم والفلسفة والدين، اقتنعت أكثر بأمور الفلسفة من الدين (التراثي) والعلم، لكني لم أسترح في أي جانب منهم مع هذا، لم أقتنع بأي شيء، فقط أذهب مع الأفكار أينما ذهبت وأعود بالمعقول منها لأخضعه للمزيد من الأفكار التي ستأتي لاحقًا:

أما اليقين فلا يقين وإنما أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسا

أصبح بيت المعري هذا هو أكثر ما يُعبر عني في هذه الأيام/السنوات، وصلت أحيانًا لدرجة كنت أشعر فيها أن كل هذا مجرد عبث، أين الإله من كل هذا؟ هل الأديان صناعية بشرية أم إلهية؟ في بعض الأحيان كنت أسلم ببشرية الأديان؛ مما وجدت بها من منافاة للعقل، لكن إذا نظرنا نظرة فاحصة نجد أن أكثر الأفكار الدينية المعتمدة، وما نطلق عليه الدين ما هي إلا آراء بشرية بالفعل، الفقه والأحاديث وكل هذا جاءنا عن طريق البشر، ولهذا يجب النظر إليها مرة أخرى بشكل آخر عن القديم الجامد، أعتقد أني وجدت في كتب الفكر الديني بعض العزاء وفتح مساحات أخرى من التفكير يمكن أن يتقبلها العقل ويجد فيها ما يمكن أن يأخذه لبنائه الفكري بجانب الفلسفة والعلم. الأمر لم يتحول ليقين، فاليقين لا مكان له، طالما نحن على قيد الحياة، نحاول فهم ذواتنا والكون من حولنا، اليقين هو مرحلة الاستسلام والتعب والارتكان إلى جانب أيًا كان العلم أو الدين أو الفلسفة، فالحياة دار شقى وتعب وبحث دائم عن المعرفة وتجديد معرفتنا كل يوم، أقصى اجتهادي أن أظن وأحدس.

(3)

الحالة الفكرية العامة التي نعيش فيها الآن حالة مخزية، أصبح الدين هو دين الفقهاء ورجال الدين، والتاريخ تاريخهم، ومن يحاول الخروج عن لاهوتهم كافر وزنديق ومجدف وضال، هذا ينطبق على جميع الأديان، والأمثلة كثيرة يعج بها التاريخ الدموي المنسوب للأديان والتي قام باسمها وتحت رعاية فقهائها وعلمائها الكثير من الأمور المخزية، وآخر هذه الأمور المخزية كانت القبض على مواطن مصري؛ لأنه ملحد!

في هذا المقال ساتخذ من كتاب: (قتل الإسلام وتقديس الجناة) أنموذجًا.. فهو من الكُتب المختلف عليها، بالرغم من أهميتها، لكنه من الكتب الموضوعية التي تستحق النظر، فالكتاب في جوهره هو نصرة للدين، كيف؟ سأخبرك.
اسم الكتاب من البداية يثير الريبة، لكن المقصود بالاسم ليس أن الكاتب هو من قتل الإسلام، لكن من وضعوا لاهوت هذا الدين هم من قتلوه، وهذا العصر يتخذهم كقداسة.

بعض الاستنتاجات في الكتاب ليست صحيحة، وإنما نتجت عن سوء فهم من الكاتب أو عدم معرفته الكاملة باللغة وبلاغتها فأخذ بعض الأمور على غير وجهها كما حدث في كلامه عن أحاديث النبي التي ذكر فيها الخاص بعد العام، لكن بالرغم من مغالطة بعض الاستنتاجات، لكن كل الأطروحات التي يتناولها الكتاب من الأهمية والصحة في جانبها العقلي، فإن اختلفنا في تفاصيل صغيرة لكن الموضوع ككل لا يوجد خلاف عليه. كما أن بنية الكتاب التدرجية في الموضوع أزالت اللبس الذي قد يحدث إن تم تناول موضوع واحد فقط من موضوعات هذا الكتاب.

ينقسم الكتاب للعديد من الإضاءات، الإضاءة الأولى مقدمة للكتاب تصف تحول الإسلام من تعاليم النبي لتعاليم الأتباع وما وضعوه وأساءوا به للدين، وكيفية أن النص البشري أصبح يوازي النص الإلهي، بالرغم من تناقضه معه في الكثير من الأحيان كما سيتضح من الأمثلة التي سيتناولها الكاتب لاحقًا، فالغرض من الكتاب هو نفض الغبار عن العقول وإزالة الصدأ المتراكم في أفكارنا، ورفع القداسة عن النص البشري لإعادة امتلاك النص الإلهي.

الإضاءة الثانية في توضيح معنى الإسلام الذي أراده الله في قرآنه بالاستدلال بالكثير من المواضع في القرآن التي تم فيها ذكر الإسلام، حيث قيل عن نوح ولوط وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم بأنهم مسلمين وقومهم كذلك، فالإسلام المقصود في عموم القرآن شامل في داخله كل الأديان، فكل دين جديد هو تصحيح لبعض الأمور التي تم تحريفها في الدين السابق عليه، يقول الكاتب: المسلم هو كل من آمن بالله وبرسله وباليوم الآخر وعمل صالحًا، سواء على دين محمد أو موسى أو عيسى عليهم الصلاة والسلام، وصام وزكّى وذكر ربه على شعائر أحدهم فالجنة مفتوحة لكل هؤلاء…

الإضاءة الثالثة في توضيح معنى صحابة النبي، من هم الصحابة؟
هل من لازم النبي لسنوات كمن جلس معه مرة واحدة؟ هل يستوون؟ هل استوى كل من عاش في زمن النبي للدرجة التي تجعلهم مقدسين وكل شيء مأخوذ عنهم هو ثقة، وهذه مغالطة أوقعتنا في الكثير من الأمور اللاحقة السيئة. في هذا الجزء يستفيض الكاتب في الحديث عن هذه النقطة بشكل ممتاز.

الإضاءة الرابعة تتحدث عن جناية الرواة وتتخذ من أبو هريرة نموذجًا.
ولنبدأ أولًا بسؤال، هل الإشكالية في أبي هريرة كشخصية أم فيما رواه؟ إن كان الكاتب وقع في مغالطة في معرفة شخصية أبي هريرة، وهو شخصية مقدسة بالنسبة للكثيرين، ما تلبث أن تتحدث عنه إلا وتجد ردودًا منسوخة من مختلف المواقع، والكتب للرد عليك، لكن إن بعدنا عن شخصيته، فكل ما انتقده الكاتب من أحاديثه التي رواها أصاب الهدف الصحيح في تبيين تناقضات ما رواه عن النبي، وتناقضات شخصية، الكثير من التناقضات.
قبل أن أقرأ هذا الكتاب كنت لا أتقبل بعض الأحاديث المفترض أنها صحيحة، قلبي وعقلي كانا يرفضان بعض الكلام، فما وجدته في هذا الكتاب من أدلة كانت مؤيدة لبعض الأفكار التي انتابتني وليس هذا الكتاب هو من شكَّل فكري.

الإضاءة الخامسة عن جناية كتبة الأحاديث، ويتخذ البخاري نموذجًا، وبالنظر أيضًا للأطروحات التي تناولها الكاتب فقد أصابت الغرض، فقد عرض العوامل التي اتخذها كتبة الأحاديث في معرفة الصحيح، ثم بدأ بنقد وإظهار تعارض الكثير من الأحاديث مع القواعد التي وضعوها هم، فلم يأت الكاتب بشيء من عنده، ثم انتقده! بل كل ما حدث أنه وضع الأمور تحت عين النقد والتحليل.

الإضاءة السادسة بعنوان: لا ناسخ لا منسوخ، وفيها يتناول قضية الآيات المنسوخة وكيفية الفهم المغلوط لآي القرآن التي جعلت المفكرين الأوائل يقولون بأن بعض الآيات تم نسخها ببعض.
وتتوالى باقي الإضاءات تتحدث عن أمور فقهية متعددة، مثل: الوصية للوارث، لمس المصحف الشريف، ملامسة النساء، ملامسة الذكر.
ثم تأتي الإضاءة الحادية عشر عن جناية المسلمين –سنة وشيعة- على أهل البيت، فقد تم تقديسهم من الشيعى وإلصاق أمور غير بشرية بهم مما أساء إليهم، فيتناولهم واحدًا واحدًا وتوضيح ما أُلصق بهم من خرافات.

(4)

خلاصة الحديث ليس هو الطعن في الدين أو في الأحاديث كمجمل، بل الغرض من الكتاب وغيره من الكتب الفكرية هو الوقوف على الصحيح ونبذ الخطأ، فالكذب هو ما ظل يُدعى إلى الآن حقيقة، لغينا عقولنا وأخذنا ما وصل إليها من فقه وتاريخ كمسلمات لا يمكن الخروج عليها. كما قال عبد الرزاق الجبران: الله يصب الأنبياء، والناس تشرب الفقهاء.

في القرون الأولى كان هناك الكثير من الجوانب الفكرية ترعى بجوار بعضها، فقد كان هناك المعتزلة والأشاعرة والصوفية تتعايش أفكارهم في نفس المناخ ولا أفضلية لفكر على آخر، ما حدث من تغليب فكر منهم وتصديره لنا بأنه الصحيح وما دون ذلك باطل كان في البداية غرضه سياسي لا ديني، فقول أبو الحسن الأشعري: الشرع من يقرر الحقيقة، تم أخذه والسير عليه فيما بعد وإقصاء كل فكر مختلف.
ومن وقت أن أصبحت الخلافة حق إلهي، وليس أمر بشري وأصيب الدين في مقتل، فأصبح الصراع من وقتها سياسي في المقام الأول، وجيء له باللاهوت الديني الذي يناسب الخلفاء.

وكما أن الأديان التي سبقت الإسلام تم تغيير الكثير من أصولها على يد كهنتها، فالإسلام الذي وضِع لتقويم هذه الأديان تم تحريفه أيضًا على يد الفقهاء والسلاطين على مدار التاريخ، ومن نعمة الله أن القرآن تم تدوينه بعد وفاة النبي بقليل فحفظه الله مما قد يطاله من الكهان والمنافقين، لكنهم لم يلبثوا أن وضعوا نصوصًا توازيه لخدمة مصالحهم، والغاية الآن هي تنقية الدين؛ مما علق به من أمور دنيوية لاستعادة دين الله المُفترى عليه من كهنتنا الأوائل.

الموضوع أكبر من حصره في مقال، بله حصره في كتاب كامل، فقد ورد في مواضيع الفكر الديني من الكتب في مختلف الاتجاهات، صوفية ومعتزلية وفلسفية، كلها تحاول الوصول إلى تأويل صحيح، ودورنا كقراء هو الإطلاع على كل المذاهب الفكرية وتحليلها، حتى إن اتخذ الشخص جانبًا فلا يطلع علينا مكفرًا باقي الفرق وداعيًا لهم بالهداية، فالحقيقة ليست في يد أحد الفرق دون الآخرين، بل المفترض أن تشارك كل هذه الأفكار في تكوين الوعي العام لكي نستطيع أن نتقدم فكريًا، بدلًا من سباتنا الذي طال في أحضان القرون الأولى الهجرية.

(5)

قال المعري في وصف أهل عصره وبُعد أفكارهم عن الدين وانغماسهم في تنازعاتهم السياسية:

 

اثنانِ أهلُ الأرضِ، ذو عَقلٍ بلا دِينٍ، وآخرُ دَيّنٌ لا عَقلَ لَه

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد