ينادي الكثيرون اليوم بتجديد الخطاب الديني وتجديد الفقه الإسلامي فالبعض يرى ألفاظ الفقهاء بعيدة عن مدارك القارئين، والآخرون يرون بعض الأحكام غير متماشية مع المجتمعات الحاضرة. البعض ينادي بالتجديد الحقيقي وآخرون يُخرِّبون ويضيعون ويبددون تحت ستار التجديد. فما هو الفقه؟ وماهو التجديد الحقيقي؟ وما آثار التبديد المتخفية تحت ستار التجديد؟

ما هو الفقه؟

عندما يريد الله أن يرسل برسالة أو ملة إلى قوم فإنه يختار رسولًا من السماء ويرسله إلى رسول من الأرض بمفاهيم معينة لينقلها إلى مجموعة محدودة من البشر في زمن معين، فيكفي أن ينزل دستورًا محددًا أو أن يكون الرسول هو السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية. 

أما عندما أراد الله أن يختتم رسالاته، ويكتفي الناس بدستور إلى آخر هذه الدنيا فاختار طريقة أخرى لذلك. أرسل مفاهيم إلى رسوله لكي ينقلها إلى الناس، بعض هذه المفاهيم اختار لها ألفاظًا مخصوصة كي يستخدمها الرسول في نقل هذه المفاهيم إلى عباده ذلك هو القرآن الكريم، وبعض المفاهيم ترك للرسول اختيار الألفاظ التي يفهم بها العباد، مع عصمته من الخطأ تلك هي السنة النبوية، ولأن هذا الدستور هو دستورٌ عام لكل مكان وزمان فوضعت فيه لبنة التجديد، وزرعت فيه بذرة التطوير، عن طريق علم كامل يسمى أصول الفقه، فوضعت أصول عامة وقواعد كلية ليقوم علماء كل زمان بوضع ما يناسب أحوالهم في الحدود المرسومة في القرآن والحديث. بل إن بعض الأحكام ينبني دليل على المعارف التجريبية، فلا يستطيع الفقيه أن يحكم فيها إلا بعد العودة إلى أهل ذلك الفن. 

قالوا إن الأصل في الأشياء الإباحة إلا إذا وجدنا نصًا من كتاب أو سنة يمنع ذلك، وأعطو للفقهاء موازين يزنون بها القضايا الجديدة والتي لم ينص عليها الدليلان الأوليان. حتى خرج لنا الفقهاء بصرح عظيم في كل مجالات الإنسانية. في العلاقة بين الانسان وبين ربه (العبادات)، وفي علاقاته بغيره من الناس (المعاملات)، والعقوبات التي تردع من يخرج عن هذا الدستور الإلهي بما يحفظ الأمن في المجتمعات المحلية والدولية (العقوبات). كل ذلك تحت مظلة: أن المشرع في الإسلام هو الله وحده أما الفقيه هو من يقوم بفهم التشريعات، وإيضاح المراد منها، وقد يصيب وقد يخطأ فلا عصمة في الإسلام إلا للأنبياء. 

وكلما مر عصر وأتى عصر آخر أخذوا في شرح تركة من قبلهم، والزيادة عليها بما يتناسب مع عصرهم حتى جاء الوقت الذي ضعف المسلمون عن الشروح وربط القديم بالحديث فحدثت فيه الفجوة بين القديم والحداثة فاستُغربت الألفاظ، وقصرت الأفهام، وتراكمت القضايا المستحدثة بدون استنباط حكم الله فيها ورُمي الفقهاء بما هم منه برآء ووصموا بما غيرهم له أحقاء.

حكم جور في جنب الفقهاء

قلنا أن الفقيه ينظر في القرآن والسنة وقد يتوجب عليه أن يرجع إلى أهل فن معين لاستخراج حكم الله وذلك في ما يسمى الدليل المعرفي، فإذا أراد الفقيه أن يفتي في شأن مسألة من فن معين كمسألة الحمل مثلًا رجع إلى المتخصصين في هذا الفن، ثم حكم على إثر ما يشيرون به في تخصصهم فيما هم فيه أولى بالكلام بعد عرضه على موازين شريعته. وذلك ماكان من أئمة الفقه الأوائل في شأن أكثر مدة الحمل حتى روى البعض أنها تصل إلى 3 سنوات وإلى 5! 

ماذنب الفقيه الذي أقام حكمه على معارف أهل هذا الفن في عصره؟! أيتحمل هو بلادة الطب أو غيرها من الفنون؟! أيطالب الفقيه بالنهضة بهذه العلوم؟! كلا. فإذا ماتجدد علم أهل الفن ومعارفهم خرج الفقيه بالحكم الذي يوافق الدليل المعرفي الجديد. 

عندما ظهر الدخان (السجائر) قال أهل الطب أنها منبهة للعقل فأفتى الفقهاء بإباحتها بل باستحبابها، فلما تغيرت المعرفة في حقها تغير الحكم على إثر ذلك، قال الأطباء بضررها فأنزلها الفقهاء تحت قول الله (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، فكل ما أجمع عليه أهل فن من الفنون أنه ضار نزل تحت قول النبي (لا ضرر ولا ضرار)، فمن أولى بالمعاتبة؟!  

تبديد وليس تجديد

الأدلة التي يستقي الفقيه منها الأحكام، إما أن تكون أدلة قطعية يقينية في «ثبوتها» عن الشرع، وهي النصوص التي نقلها لنا جماعة عن جماعة عن جماعة يحيل العقل تواطؤهم على الكذب – وهو مايسمى بالتواتر – وغير ذلك يكون ظنيا

أما في شأن دلالة النص على الحكم فالقطعي هو ما كان دالا على الحكم بصورة صريحة لا مجال معها للاجتهاد أو الاختلاف وأما ماخفي حكمه فاختلفت الأفهام فيه وأخذ به البعض وتركه أخرون فهو الظني. 

والحق أن التجديد لا يدخل في أيهما، أما القطعي فلا يجوز أن نخالف الفهم الواضح منه، وأما الظني فكيف نجدده؟! من تركه أمرناه بالعمل به؟! أم من عمل به أمرناه بتركه؟! أم يغير كل منا طريقة فهمه له؟! ليس وراء ذلك إلا التخبط والهوى
أنأخذ فيه بالأحوط؟! أو نسير فيه بالأيسر؟! ومن ثم فعلى مقياس من نسير في السهولة والأصلح. الرجل أم المرأة؟! إذا فهذا هوى، المالك أم المستأجر!؟  إذا إما أن تكون رأسماليًا أو شيوعيًا وهذا أيضًا هوى. 

الإسلام ليس رأسماليًا ولا شيوعيًا، وفقهاؤنا أرفع من أن يوصف أحدهم بعداوة المرأة أو حبها أم نجعل المصلحة هي بُغيتنا
ولكن أي مصلحة؟! مصلحة جماعة؟! أم مصلحة حاكم؟! مصلحة فكرة؟! أم مصلحة منصب؟! أم نخرج الأقوال السقيمة ونجعلها في مقدمة الآراء، والآراء الضعيفة ونجعلها بدلًا من المعتمد من أقوال الفقهاء! أم نجعل اليسر هو ديدن الفقيه والتوسعة على الناس هي سنته؟ قديمًا توسع الناس في الطلاق فكان التجديد من الفاروق بالتضييق فضاقت دائرة التسيب والاستهتار أما الآن فكلما اتسع التسيب توسع المبددون في دينهم وخلعوا بعضا من أحكامهم فجعلوا اليسر دينًا واتخذوا من الانحلال فقيهًا وذلك التبديد في أوضح صوره بل سمِّه إن شئت هلاك الدين.

التجديد الحق

التجديد: أن نصل القديم بالحديث، أن نردم الفوهة التي صعَّبت على الناس فهم ميراثهم.

التجديد: أن يُعاد إلى الفقه رونقه.

وأن يُزال عنه ما لحق به من أوهام الناس.

التجديد: أن نبين للناس أن الدين يسر، لا أن نجعل اليسر دين.

التجديد: هو أن نُخرِج الأحكام بعيدة عن أهواء حاكم، أو إسعاد جماعة أو إرضاء نوع أو خدمة فكر.

التجديد: أن نخرج بفقه نقربه إلى أذهان الناس ونقرب الناس به من الدين لا أن نبعدهم به عن الدين أو ننفرهم منه.

التجديد: أن نخرج الأحكام التي تُبنى على المعارف مبنيةً على معارف حقيقية متقدمه، لا فجوة بينها وبين الواقع.

أن نخرج بدستور كامل في جميع مجالاته من أول بيان القدم التي يدخل بها الخلاء حتى كيفية صلاة المسلم على القمر وصيامه في المركبات الفضائية مرورًا بأحكام البيع والشراء إلى التجارة الإلكترونية، وشروط الزواج والنفقة حتى إثبات النسب بالحمض النووي وتحديد نوع الجنين، هذا هو التجديد الذي يأمله المصلحون المخلصون، لا كما يريده المبددون. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد