“ﻭﺍﻟﻠﻪ إﻧﻲ أﺧﺎﻑ أﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺳُﻨّﺔ ﻣﻦ ﺑﻌﺪﻱ ﻓﻜﻠﻤﺎ ﺗﺠﻤﻬﺮ ﺍﻟﻐﻮﻏﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺇﻣﺎﻣﻬﻢ ﻃﺎﺭﺩﻭﻩ ﻓﻠﻦ ﻳﻜﻮﻥ للمسلمين إﻣﺎم ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ”.

قُتل عثمان دفاعًا عن مبدأ في وقت بدا فيه للكثيرين أنه حريص على السلطة، رافض للتنازل عنها حبًا في منصب الخليفة. وبينما كان ذو النورين حريصًا على وحدة المسلمين لا زال الكثيرون حتى يومنا هذا يدّعون أنه كان حريًا به أن يتنازل عن الخلافة تطبيقًا لمبدأ الصديق “فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم”. وهل كان يعصي الله من جاد بماله وعمره من أجل الإسلام وربه؟

لم يكن مقتل عثمان مجرد حادث قُتل فيه خليفة للمسلمين فقد اغتيل الكثير من الخلفاء فيما بعد؛ فلم يهتز التاريخ مثلما اهتز لمقتل عثمان؛ فبمقتله انطلقت أكبر فتنة في تاريخ الإسلام والمسلمين، بل وبدأ المسلمون في التفرق وهو ما خاف منه أبو بكر، وعمر، وعثمان من قبل وحاولوا جهدهم أن يمنعوه.

حتى عندما حاول علي رضي الله عنه أن يَئِدْ الفتنة في مهدها ويمنع هذه الفرقة لم يستطع، ولم تلتقِ كلمته وكلمة معاوية رضي الله عنه، وقبله أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير الذين ماتوا في البصرة في موقعة الجمل. هكذا نقل علي مركز قيادة دولته إلى الكوفة بعدما زادت سيطرة قتلة عثمان على المدينة المنورة وصار القصاص منهم أمرًا صعبًا على الأقل في بداية عهد علي، هكذا يخبرنا أهل السنة والجماعة بل تخبرنا سيرة هؤلاء الصحابة الكرام في حياة الرسول (ص)، تخبرنا مواقف علي وعثمان وبطولات طلحة والزبير وعلْم عائشة التي برأها الله في القرآن، حتى مبادئ المنطق تؤكد أن هذه الأحداث لم تكن إلا فتنة بين طائفتين قال عنهما الله “من المؤمنين”، طائفتان اجتهدتا رغبة منهما في نصرة الإسلام. ربما يرى الكثيرون أن هذه الفتنة كانت وبالاً على المسلمين، فقد فرقتهم إلى شيع متناحرة، ومات على إثرها الآلاف من حفظة القرآن، بل وانتهت الدولة الراشدة وبدأ عهدٌ حادَ عن منهاج النبوة.

لكن الحقيقة أن هذه الفتنة كانت مؤكدة الحدوث، ربما تأجلت لبضع سنوات أو حتى عقود لكن حدوثها كان حتميًا، بل كان ضروريًا. فلولا هذه الأحداث لما استطعنا أن نعلم أن الدولة الإسلامية دولة بشرية تمامًا، دولة يخطئ مواطنوها وحكامها حتى ولو كانوا أصحاب رسول الله، ربما يسيئون تقدير الأمور أحيانًا، إما لما طرأ على الدولة بعد موت رسول الله من توسع وفتوحات واختلاط بشعوب وأجناس أخرى، أو بسبب توقف الوحي وانتهاء العهد النبوي الذي كان فيه الرسول نبراسًا للمسلمين.

يتجاهل التاريخ الحديث عن الكوفة، بل ويُسقطها من حساباته تمامًا كعاصمة للدولة الإسلامية. يتجاهلها ويتجاهل معها الحديث عن دولة علي وسياساته فلا يبقى إلا ذِكر عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، وقصة التحكيم الشهيرة بحقائقها وأكاذيبها. يدّعي البعض أن الصراع على السلطة كان عنوان المرحلة وأن هناك من خدع، وهناك من باع، وكلهم من صحابة رسول الله، لكنهم يتناسون أن هؤلاء هم من حاربوا الفرس والروم، بل وقبلها تحملوا العذاب من أجل دينهم فهاجروا وجاهدوا، ولم يفتنوا في دينهم. وحين اضطرتهم المقادير لمواجهة بعضهم البعض في أرض المعركة كانت كلمة الله هي غايتهم، حتى لقد قال علي بن أبي طالب يوم الجمل: “ياليتني متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة”. وحين رفع أهل دمشق المصاحف راجين الاحتكام لها جنح علي إلى التحكيم من أجل عصمة دماء المسلمين.

وقُتل علي؛ قُتل كما قُتل عثمان وقبله الفاروق ليؤكد الله مرارًا وتكرارًا أن الدولة الإسلامية – بعد وفاة الرسول – هي دولة بشرية بمعنى الكلمة وبكل مقاييس الدنيا، دولة تحكمها المشاعر الإنسانية، للبغض مكان فيها وللطمع أيضًا. دولة يمتنع فيها من أسلم في عهد رسول الله عن دفع الزكاة بمجرد وفاته، ويُحارب فيها حفظة قرآن الله خليفة رسوله.

وقد كان مقتل علي إيذانا ببدء عهد جديد انتقلت فيه الخلافة إلى أرض حديثة العهد بالخلافة وبالإسلام، لكن دمشق وإن دانت بالفضل لمعاوية بنقل دولة الخلافة إليها إلا أن الفضل الأكبر كان لسبط رسول الله – الحسن بن علي – الذي مَهر بتوقيعه معاهدة الصلح والتنازل عن الخلافة لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين وتوحيدًا لهم. ولم يجمع الحسن كلمة المسلمين فقط وإنما أعطاهم آخر درس في فصول الراشدين، بعد أن ترك الحكم دون أن يبدي أدنى قدر من التردد حيال ذلك، بل لم يتجاهل حاجة الأمة للوحدة في هذه اللحظات، وبينما كان بمقدوره أن يستدل بموقف عثمان من معارضيه والذي رفض فيه التنحي، إلا أنه ضرب مثالاً عبقريًا – بتنازله – لمرونة النظام السياسي في الإسلام.

في دمشق بدأ عهد جديد لدولة الإسلام، الخلافة في ثوبها الجديد. بدأ معاوية عصرًا وصلت فيه الدولة في ما قبل نهايتها لأوج اتساعها، بل وصلت فيه الدولة الإسلامية لأقصى اتساع لها على مر العصور. فقد امتدت من الصين شرقًا حتى المغرب والأندلس وجنوب فرنسا غربًا، وضمت أجناسًا وأعراقًا لم يرهم العرب قبل ذلك، عجم وبربر وقوط، وقد استطاع الاختلاط بين هذه الأجناس أن يضع اللبنة الأولى للحضارة الإسلامية العلمية والعمرانية والتي ازدهرت بعد ذلك في دولة بغداد.

لكن – وكما استفادت الدولة من هذا الاختلاط – كان هذا المزيج المختلف ثقافيًا وتاريخيًا سببًا في تغير السياسة العامة للحكم وتداول السلطة. لم يكن من السهل استنساخ المنهج الراشدي والعمل به، فما عُد مناسبًا لمواطنين أغلبهم من صحابة رسول الله لا يصلح بطبيعة الحال للتعامل مع أهل السند وطنجة وإشبيلية. صحيح أن ذلك لا يبرر أبدًا بعض الأخطاء التي ارتكبها الأمويون أثناء امتلاكهم لزمام أمور الدولة الإسلامية، والذي دام قرابة القرن، لكن – وبالعودة للسياق التاريخي – تبقى بعض هذه الأفعال مبررة ومنسجمة تمامًا مع حقيقة أن حكام الدولة أنفسهم ليسوا كصحابة رسول الله.

هكذا كانت الشرارة الأولى التي أطلقها معاوية للتحول إلى الملك العضوض حدثًا فاصلاً في التاريخ الإسلامي، حدث لا يزال محل جدل واسع بين المهتمين بالشكل السياسي للحكم والتنظيرات التراثية في التاريخ الإسلامي، فها هو معاوية – في قرار يتماشى مع روح ما قدمه أبو بكر من فكر ويتعارض مع جوهره – يوصي بالخلافة من بعده لابنه يزيد. تظهر هنا أولى المعضلات وأكثرها تداولاً، وهل كان يزيد الأنسب والأفضل وهناك من يعدله من الصحابة (الحسين بن علي – عبد الله بن عمر – عبد الله بن الزبير – أنس بن مالك وغيرهم). يبرز هذا السؤال وسط انتقادات حادة لمعاوية وطعن واضح في يزيد بل وانتقاص من قيمة بعض من عارضوا الحسين أو لم ينصروه من الصحابة.

ومع كامل التسليم بالفوائد الجمة التي عادت على المسلمين جراء أحداث كربلاء – رغم الفاجعة التي حلت بهم – ومبدأ الثورة الذي وضعه الحسين رضي الله عنه ليسطر بذلك صفحة جديدة في كتاب السياسة الإسلامية، ويجعل من موقفه الشجاع نورًا يهدي الشعوب المسلمة اللاحقة، إلا أن الناظر لتاريخ تلك المرحلة يستطيع تبين صعوبة تطبيق منهجية مختلفة لتداول السلطة إلا التوريث، خاصة مع اتساع أراضي الدولة وغياب الوسيلة المناسبة للترويج لمرشحين خارج نطاق الأسرة الحاكمة أو على أفضل الأحوال الطبقة الحاكمة.

يظهر ذلك بوضوح إذا ما قورن الحال حينها مع أوروبا (الإمبراطورية البيزنطية – القوط – الإمبراطورية الكارولنجية) والتي سادها التوريث كمبدأ أساسي في تداول السلطة، بل ربما كان التاريخ أكثر قسوة إذا ما سلك مسارًا بديلاً وكان الحسين هوالخليفة التالي لمعاوية، هل كان حينها للتوريث أن ينتهي؟ هل كان لنسل الحسين – مع ما لوالدهم رضي الله عنه من فضل ومكانة وخلق – ألا يتداولوا السلطة بينهم وراثة قناعةً منهم بأحقيتهم في ذلك؟ ألم يكن هذا هو المسار المحتمل قبل تنازل الحسن رضي الله عنه؟ هل كانت احتمالية الخطأ – بل وربما الظلم – حينها واردة على يد أحد أحفاد الحسين؟

لذلك يبدو من العبث المحاولات المستمرة لإعادة استنساخ التاريخ وفرض مسارات بديلة عليه بل ومسارات وردية أيضًا، والواجب عوضًا عن ذلك الفحص الدقيق للحالة التاريخية واستخراج الدروس المستفادة وتدارك الأخطاء الواقعة حينها، وبدلا من النقد المتواصل للفكرة والمبدأ يصبح الأولى النظر بعين الفاحص للتطبيق نفسه. يصبح ضروريًا الغوص في أعماق دولة دمشق واستخراج لحظات خروجها الحقيقية عن السياق، لحظات كمثل تلك التي نازع فيها مروان بن الحكم – ومن بعده عبد الملك بن مروان – عبد الله بن الزبير الخلافة بعد أن بايعه أهل الحجاز ومصر والعراق.

هذه اللحظات من عُمر الدولة الإسلامية كانت هي الأجدر بالتأكيد بالتناول والاستقصاء خاصة، وهي تطعن مباشرة في أحد أهم الأهداف الرئيسية للخلافة وهي وحدة المسلمين وأراضيهم. بالتأكيد تتبوأ كربلاء موقعًا هامًا في سجل الأمويين، لكن ما فعله الحجاج بالكعبة حين ضربها بالمنجنيق يظل هو الحادث الأبرز والأكثر سوادًا في تاريخ دولتهم. فمع مقتل ابن الزبير، انتهت دولة مكة المكرمة ذات العمر القصير جدًا واستتب الأمر مرة أخرى لدولة دمشق بعد أن امتلك المروانيون ناصية الأمور بعد سبعة أعوام من تنازل آخر السفيانيين (معاوية بن يزيد) عن الخلافة في حادثة لم تتكرر بعد ذلك كثيرًا.

ومع انتهاء عصر الحجاج، انتهى عهد المعارضة الحادة لحكم الأمويين. صحيح أن ثورة سعيد بن جبير لم تؤتِ أكلها وأن الحجاج قد قتله دون أن يحقق ابن جبير مراده، لكن ثورة أخرى ضد الأمويين بعد كربلاء وثقت هذه المنهجية في التاريخ الإسلامي وجعلت منها خيارًا شرعيًا ذا وجاهة في وجه الطغيان والظلم.

بانتهاء عصر التنازع على السلطة بدا أن الدولة الإسلامية في سبيلها إلى تعويض ما فاتها وأن قطار الفتوحات لن يتوقف ثانية. انطلق المسلمون شرقًا وغربًا ينشرون الإسلام ويرفعون الأذان. انطلقوا وانطلقت معهم الدولة يتداولها أبناء عبد الملك ومعهم ابن عمهم وزوج أختهم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، والذي كانت فترة ولايته امتدادًا للخلافة الراشدة ليس فقط لعدله وتشبهه بالمنهج الراشدي، وإنما أيضًا لكون اختياره جاء خارج سياق التوريث المتعارف عليه حينها.

لكن ومع ذلك فقد عادت الخلافة بعده سيرتها الأولى، وولي بعده ابن عمه يزيد بن عبد الملك واستمرت في نسل عبد الملك بن مروان حتى انتزعها (مروان بن محمد بن مروان) من (إبراهيم بن الوليد) آخر خلفاء دولة دمشق، انتزعها وأنهى دولة دمشق ونقل العاصمة إلى حران تمامًا كما فعل علي في نهاية عهد الدولة الراشدة، لتكون بذلك علامة سقوط الدولة هي التخلي عن عاصمتها. فلم يلبث العباسيون أن أنهوا حياة الدولة الحرانية الوليدة بعد أقل من خمسة أعوام من تولي آخر خلفاء بني أمية، وأقاموا دولتهم الجديدة على دماء بني أمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد