ما الفرق بين الخلافة والملك؟ كثيرًا ما نسمع عن البعض يتحدث عن حلم إعادة الخلافة ولكن هل يقصد بالفعل الخلافة الأولى أما يقصد الملك الجبري التوسعي دون قصده؟

هذا السؤال من الأسئلة التي شغلت بال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما ذكر ابن سعد، فبينما هو في مجمع من الصحابة سأل سلمان رضي الله عنه: أملك أنا أم خليفة؟ قال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهمًا أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة فبكى عمر رضي الله عنه .

إن تعريف الخلافة كما عرفه محمد رشيد رضا هو خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رئاسة الحكومة الإسلامية الجامعة لمصالح الدين والدنيا في نظام معين من الحكم بكتاب الله وسنة رسوله .

نعم كان من الممكن أن يرسل الله سبحانه وتعالى إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بكتاب فيه كافة تفاصيل الحكم الدقيقة ويوضح فيه كل صغيرة وكبيرة بحيث لا يحوج المسلمين إلى البحث والاجتهاد الذي لابد أن يكون من مصيره اختلاف الآراء!

ولكن السؤال هنا هل هذا يتناسب مع طبيعة الامتحان والابتلاء والتفكير والبحث والتي هي من سنن الله جل وعلا في كونه؟ !
وهل هذا يتناسب مع الدين الخاتم الذي ينبغي أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان؟!

بالطبع الإجابة لا على كل ما سبق.

ولذلك فإن الإسلام وضع قواعد الحكم الأساسية وجوهر الشريعة الرئيس في إطار العمل الإنساني الذي يختلف من زمان إلى زمان آخر؛ وعليه فإن التاريخ الإسلامي بداية من الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حتى الوصول لأي حاكم مسلم آخر يريد تطبيق شريعة الإسلام والحكم بكتاب الله فإن هذا من التجارب الإنسانية التي تحاول تطبيقها وبالتالي تتقارب قربًا وبعدًا من النموذج النبوي العظيم.

إن الفترة الوحيدة في تاريخنا التي يمكن وصفها بالخلافة الراشدة هي فترة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؛ ثم بعد ذلك انحرف الحكم تدريجيًا بدءًا من معاوية بن أبي سفيان الذي حول الخلافة إلى حكم عضوض أو جبري كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المعروف وزادت زاوية الانحراف معه تدريجيًا عبر السنوات والأزمان فأصبح التعبير عن الخلافة ما هو إلا وصف لغوي حيث يخلف كل حاكم سابقه.

ولذلك فإن دولة كالسلطنة العثمانية قائمة على القتال التوسعي وأخذ الجباية من الشعوب وقتل المعارضين والإصلاحيين مثل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب دون السعي لنشر قيم الإسلام الحميدة لا ينبغي إعطاؤها اسم الخلافة لمجرد أن البعض سماها كذلك؛ وكذلك بالنسبة لباقي الدول بالرغم مما قدموه من أعمال وحسنات معروفة لا ينكرها إلا جاحد أو عدو .

يقول المفكر الإسلامي مالك بن نبي أن بداية زاوية انحراف الخلافة إلى قيم الملك الجبري كانت مع الفتنة الكبرى  بين معاوية وعلي رضي الله عنهما؛ ويصف انتقال مركز الحكم الإسلامي من المدينة إلى دمشق في عهد معاوية أنه لم يكن انتقالًا جغرافيًا فقط؛ بل كان تحولًا شاملًا من قيم الخلافة المبنية على الشورى إلى قيم الملك الجبري المتوارث المختلفة .

لقد رأى المسلمون التحول في قانون تنصيب الخليفة إلى أسلوب الملك المتوارث، والتغير في طريقة عيش الملوك لتشابه القياصرة، وقتْل المعارضين وظهور العصبيات القومية لترفع رأسها من جديد كما يقول الشيخ الكبير أبو الأعلى المودودي؛ وبالتالي أصبحت حقوق غير العرب في ظل حكم الدولة الأموية تضيع وتتلاشى؛ ففي ظل حكمهم فرضت الجزية على المسلمين الجدد مخالفين بذلك أحكام الإسلام مخالفة صريحة، ثم ازداد الأمر سوءًا إذ بدأ الحكام يضعون في اعتباراتهم جنس من يعينونهم ولاة أو قضاة في الدولة حتى وصل الأمر إلى أن أصدر الحجاج بن يوسف في الكوفة قرارًا بأن لا يؤم الناس في الصلاة من كان من العجم!

بالطبع لم يرضخ المسلمون لقيم الملك الجبري والظلم السياسي بل انطلقت شرارة الثورات المختلفة لتعلم الجميع أن المسلمين لم يقبلوا بذلك الظلم بل قاوموه قدر استطاعتهم.
وهذه بضع من تلك الثورات :

  • ثورة الحسين بن علي (61 هجرية)

فقد ثار الحسين بن علي ضد يزيد بن معاوية؛ وقد ثار الحسين «غضبًا للدين وقيامًا للحق» حسب تعبير ابن العربي في كتاب العواصم وتم فيها مقتل الحسين بن علي وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .

  • ثورة أهل المدينة (63 هجرية)
    فقد ثار أهل المدينة الذين قاموا لله حسب تعبير الذهبي في سير أعلام النبلاء وقاد ثورتهم الصحابي الجليل عبد الله بن حنظلة والصحابي معقل بن سنان والتابعي عبد الله بن مطيع.
    وقتل فيها سادة المدينة وسميت بواقعة الحرة .
  • ثورة عبد الله بن الزبير (63 هجرية حتى 73 هجرية)

فقد ثار الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير واستطاع جمع السواد الأعظم من الأمة إلى جانبه عدا الشام، وكان هو وأصحابه يرون الأمر شورى حسب تعبير الطبري؛ واستطاع السيطرة في بادئ الأمر على الجزيرة العربية ومصر والعراق وخراسان؛ ولكن الهزائم حلت به تباعًا حتى لم يبق له سوى مكة التي التجأ إليها ولكن ضرب الحجاج الحصار عليها، ومنع عنها المواد الغذائية والمائية وضربت بالمنجنيق؛ وانتهت ثورة ابن الزبير بمقتله ووأد ثورته .

  • ثورة الفقهاء بقيادة ابن الأشعث (81 هجرية حتى 83 هجرية)

كانت هذه الثورة من أعنف الثورات ضد بني أمية وفيها أخذ الفقهاء والعلماء يحفزون الناس على القتال ضد الظلم عدا بعض العلماء كالحسن البصري؛ يقول ابن حجر في التهذيب في ترجمة الحجاج: «وخرج عليه ابن الأشعث ومعه أكثر الفقهاء والقراء من أهل العراق, فحاربه حتى قتله, وتتبع من كان معه, فعرضهم على السيف, فمن أقر له أنه كفر بخروجه عليه أطلقه, ومن امتنع قتله».
وبذلك هزمت الثورة بعد 3 سنوات وبعد معارك دامية قتل فيها الكثير من العلماء والفقهاء كان أشهرهم عبد الرحمن بن أبي ليلة والفقيه سعيد بن الجبير الذي كان يعد من أعلم علماء المسلمين والذي قال فيه الإمام أحمد بن حنبل «قتل الحجاج سعيد بن الجبير وما من أحد على وجه الأرض إلا ويحتاج إلى علمه».

وبعد فشل تلك الثورات التي قدمت الكثير من التضحيات في استرجاع قيم الخلافة والإصلاح السياسي، انتشر التشاؤم في الضمير المسلم وأصبح السعي للتغير مقترنًا دائمًا بالفتنة، ويمثل هاجسًا نفسيًا لدى الجميع بأنه مصحوب بالخراب؛ لا سيما بعد انتشار الخوارج في التاريخ باستمرار واستباحتهم للمجتمع بأكمله بحجة تخليصه من الجور السياسي كما يفعل بعض الجماعات اليوم مثل داعش التي تجردت من الحكمة السياسية وفقه المآلات؛ وبالتالي من وقتها أصبح السعي إلى التغير هاجسًا لدى الكثير بأنه يفضي إلى الفتنة .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الخلافة
عرض التعليقات
تحميل المزيد